نظمت الهيئة المصرية العامة للكتاب ندوة بعنوان “احتفالية سلسلة الثقافة الشعبية.. بمناسبة صدور العدد 100″، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين المتخصصين في الفلكلور والتراث الشعبي، وبحضور جمهور من المهتمين بالدراسات الثقافية والموروث الإنساني في إطار محور “تجارب ثقافية” ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب.
شارك في الندوة كل من الدكتور خالد أبو الليل، القائم بأعمال رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، والدكتور محمد أحمد غنيم أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا ورئيس تحرير السلسلة، والشاعر والباحث أحمد توفيق، والباحث بحبح فكري الحباطي، و الدكتورة فاطمة غندور من ليبيا، والدكتورة سحر مراد كامل الباحثة بأكاديمية الفنون، وأدار اللقاء الدكتور إبراهيم الشريف، الروائي وكاتب الأطفال ومدير تحرير سلسلة الثقافة الشعبية.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الدكتور إبراهيم الشريف أن الاحتفال بالعدد المئوي لا يتعلق برقمٍ بقدر ما يعكس مشروعًا ثقافيًا طويل النفس، هدفه الأساسي حفظ الذاكرة الشعبية بوصفها ذاكرة فاعلة في الحاضر، وليست مجرد حنين إلى الماضي، موضحا أن التراث الشعبي لا ينفصل عن الحياة اليومية، بل يتجلى في الحكايات والأغاني والأمثال والطقوس واللغة، مشيرًا إلى أن تحويل هذا الموروث من التداول الشفهي إلى الكتاب المرجعي يُعد حماية للهوية وجسرًا بين الأجيال.
وأضاف أن سلسلة الثقافة الشعبية تقوم على ثلاث ركائز واضحة، حيث جمع المادة التراثية، وتفسيرها علميًا، وتقديمها في كتاب محكم يصلح للبحث والرجوع إليه، وهو ما يمنحها مكانة خاصة بين سلاسل النشر الثقافي.
من جانبه، أعرب الدكتور محمد أحمد غنيم عن سعادته ببلوغ السلسلة عددها المئوي، معتبرًا أن استمرارها يمثل إنجازًا حقيقيًا في ظل التحديات التي تواجه النشر الثقافي، موضحا أنه تولى رئاسة تحرير السلسلة في أواخر عام 2022، بعد مسيرة طويلة قادها الدكتور خالد أبو الليل، الذي وضع الأسس الفكرية والعلمية للمشروع.
وأكد غنيم أن الهيئة المصرية العامة للكتاب تلعب دورًا محوريًا في الحفاظ على الهوية المصرية والعربية من خلال سلاسلها المتخصصة، مشيرًا إلى أن الثقافة الشعبية تمثل أحد أهم مفاتيح فهم المجتمع وتاريخه وتحولاته، كما وجه الشكر لفريق العمل الذي يقف خلف السلسلة، مؤكدًا أن الجهد الجماعي هو سر الاستمرارية.
بدوره، وصف الدكتور خالد أبو الليل العدد المئوي لسلسلة الثقافة الشعبية بأنه فخر لمصر وللوطن العربي، معتبرًا أن الإقبال الجماهيري على الندوة يعكس عودة قوية لقيمة الكتاب، رغم الحديث المتكرر عن تراجع القراءة في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن فكرة السلسلة تعود إلى عام 2010، حين طُرحت خلال نقاش مع الدكتور أحمد مجاهد، الرئيس الأسبق للهيئة، بهدف تأسيس مشروع علمي جاد للفولكلور والثقافة الشعبية، مشيرا إلى أن السلسلة انطلقت فعليًا في 2011، برسالة واضحة تسعى إلى إزالة الفجوة بين الأدب الشعبي والأدب الرسمي، وإعادة الاعتبار للثقافة الشعبية بوصفها مكونًا أصيلًا للهوية.
وأكد أبو الليل أن السلسلة التزمت منذ بدايتها بتقديم باحثين جدد، والحفاظ على الهوية الثقافية المصرية، وهو ما جعلها من أكثر السلاسل رواجًا داخل الهيئة، مشيدًا بروح الفريق التي ضمنت استمرارها على مدار أكثر من عقد.
وتناول الشاعر والباحث أحمد توفيق تجربة تطوير شكل الكتاب في الهيئة، مشيرًا إلى أن مشروع الثقافة الشعبية ارتبط منذ بدايته بالاهتمام بالإخراج الفني وجودة الطباعة، باعتبار أن شكل الكتاب لا يقل أهمية عن مضمونه، موضحا أن السلسلة قدمت نموذجًا مختلفًا في القطع والتصميم، ما منحها حضورًا مميزًا بين إصدارات الهيئة، وأسهم في جذب القارئ العام والمتخصص معًا.
أما الباحث بحبح فكري، صاحب العدد المئوي المعنون “التحطيب وأعلامه في جنوب مصر”، فاستعرض تجربته البحثية الشاقة، موضحًا أنه أمضى قرابة عامين في التنقل بين قرى ومدن أربع محافظات بصعيد مصر، لتوثيق سِيَر 239 من أعلام لعبة التحطيب، من الراحلين والمعاصرين، في محاولة لحفظ تراث مهدد بالاندثار.
وكالات
وأكد أن الكتاب لا يقدم مجرد أسماء، بل يرسم صورة كاملة لمجتمع الصعيد، وقيمه، وأبطاله الشعبيين، مشددًا على أن توثيق هذا التراث كان دافعًا شخصيًا قبل أن يكون مشروعًا علميًا.
وفي مداخلتها، أوضحت الدكتورة سحر مراد أن كتابها “الموروث الشعبي والرمزي في أيقونات القديسين” يناقش وحدة الموروث الثقافي المصري عبر العصور، مؤكدة أن الرموز البصرية والدينية في المجتمع المصري تعكس امتدادًا حضاريًا يبدأ من مصر القديمة، مرورًا بالثقافة القبطية، وصولًا إلى الموروث الإسلامي.
وأشارت إلى أن المجتمع المصري يعبر عن أفكاره ومعتقداته عبر الرمز والإشارة، وهو ما يظهر في الأيقونات، والوشم، والماء، وصورة الفارس المغوار، مؤكدة أن هذه العناصر تشكل نسيجًا ثقافيًا واحدًا لا ينفصل.
ومن ليبيا، أكدت الأستاذة الدكتورة فاطمة غندور أن التراث الشعبي لا يعترف بالحدود الجغرافية، مشيرة إلى التشابه الكبير بين الموروث الشعبي الليبي والمصري، سواء في الحكايات أو الأغاني أو السرد الشفهي، موضحة أن كتابها “براكيوم” يتناول تمظهرات التراث الشعبي في السيرة اليومية والحياة المعاشة، مؤكدة أن الأدب الشعبي ما زال حيًا ويتجدد عبر الأجيال، حتى من خلال الوسائط الحديثة.
واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن الاحتفال بالعدد المئوي لا يمثل نهاية لمسيرة السلسلة، بل محطة جديدة في مشروع ثقافي يسعى إلى حفظ الذاكرة الشعبية، وإعادة تقديمها بوصفها عنصرًا حيًا من عناصر الهوية، وقادرًا على الحوار مع الحاضر والمستقبل.
وكالات

