الخليج الإماراتية : أطفال غزة وصمت العالم
مقالات وكتاب
غزة الجرح الدامى الذى ينزف لنحو ثلاث سنوات على يد محتل غاشم لا يرحم البشر والحجر واحتفال لبنان بعيد تأسيس جيشه وأهمية الحوار بين أفراد الأسرة كانت من أهم القضايا التى تناولتها أقلام أصحاب الرأى فى المقالات بصحف اليوم ونستعرض مع قرائنا مقتطفات منها ..
“تطور الأحداث في غزة يوحي بمزيد من القلق، كما يلقي أيضاً بقدر كبير من الغموض يحول دون الثقة بمحاولة فهم مسارها، أو إدراك أبعادها وغاياتها” .. هذا ما رصده الكاتب محمد خليفة فى مقاله بصحيفة “الخليج” الإماراتية وكتب تحت عنوان “أطفال غزة وصمت العالم” ..
غزة نموذج حي شاهد على فظاعة القرن الحالي، الحروب والقتل، جرحٌ دامٍ لا يبرأ، ولن يبرأ لأن الظلم تمكن في تلك الأرض وتوغل واستشرى، فسدّ كل المسام ومنع التنفس. إن الصور أبلغ من أي قول، حيث يرى العالم كله، عبر الفضائيات، من صور الهول والرعب في غزة ما يقيم ألف دليل على صلف الاحتلال، مشاهد تكشف البشاعة وأصالة الظلم، فقد شاهد الناس أطفالاً صغاراً يعيشون وسط الركام، يصرخون والدموع التي تذرفها الأمهات الثكالى لا تكفي أن يسيل النهر أو تفيض السيول”.
ووصف كاتب المقال المشهد فى قطاع غزة وقال : “هذا الطوفان من التدمير وقتل الأبرياء عقوبته واردة. وهذا واقع الآن في غزة، فالأطفال يموتون بلا رحمة، حتى الحيوانات يثير قتلها جمعيات الرفق بالحيوان بينما يفتقد أطفال غزة هذا الحق، يحلمون بموت حنون، موت لا عذاب فيه، موت تعقبه مقبرة تضم الرفات وتسمح للجثث بالتحلل. أمهات غزة يطمعن فقط في أن يموت أطفالهن في أحضانهن، وأن تكون صدورهن الجافة مقبرة للبراءة التي سحقها العالم المعاصر والكذب المتسلل والعدل المختفي والظلم القاهر”.
“دمرت غزة بالكامل، بيوتها وسكانها، ومؤخراً، خلّدت البشرية اليوم العالمي لحقوق الإنسان، وهو ما يشكل فرصة لدعوة متجددة ومستمرة للكرامة البشرية. ولكن للأسف، حقائق القوة لا الشرعية الدولية هي الضابط لإيقاع هذه القوة التي تدوس الحق بأقدامها. ولذلك، إن كل دولة تجعل من القوة مشربها الأوحد فإنها تنحرف عن هدفية الحياة وتصبح عبئاً على الإنسان وحضارته”.
وفى ختام المقال خاطب محمد خليفة أطفال فلسطين قائلا : “أيها الطفل الفلسطيني المرابط في أرضك الصابر، الفتى الصغير، يا من وهبت الأرض روحك وسقيت الفولاذ دمك، يا من جعلت جمجمتك متراساً ضد قنابل الأعداء، وصدرك العاري حاجزاً يصد طائراتهم، وأنت ما تلبث أن تسقط حتى تقوم تلملم لحم أخيك المتناثر في كل اتجاه، تجمع شظايا عظامه من كل صوب، وتضغط على جرح والدك العميق النازف، اليوم تعلم العالم البطولة والصمود، وتقرع جدران التاريخ صارخاً «البطولة ليست في الكلمات». بنضالك وبصبرك تغير الجغرافيا، وتكتشف به زمنك وحضورك وصمودك، أثبت أن الصغار كبار، وبإيمانك بوطنك اجعل فجراً جديداً لأرضك يسطع في الروح ويلمع في الأعماق”.
الكاتب نبيل عمرو فى مقاله بصحيفة “الأيام” الفلسطينية رسم بقلمه صورة خيالية تصور فيها أنه لو كانت هناك جائزة للتحمل فمن من الشعوب يستحقها ؟ لتأتى الإجابة فى عنوان المقال “الفلسطينيون وجائزة التحمّل الكبرى” ..
“لو وضعت جهةٌ أو عدة جهاتٍ دولية، جائزةً تفوق في وزنها وعدالتها جائزة نوبل، وسُمّيت جائزة التحمّل، لفاز بها الشعب الفلسطيني بجدارةٍ ودون منافس”.
“حجم الثقل الواقع على كاهله، لا يوازيه أي ثقلٍ في أي مكان، ولا يكابده أي شعب، والمقصود هنا ليس فقط ما تكابده غزة، التي يعاني الناس فيها من عدم توفّر ماءٍ نظيفٍ للشرب، حيث الاستحمام ترف، وعدم توفّر جرعة دواء لتخفيف الألم دون الطمع بعلاجه، وموت الأطفال صار نمطاً يومياً من أنماط حياتهم، وأشياء أخرى لا يوجد مثيلٌ لقسوتها في أي مكانٍ على وجه الأرض”.
وألقى كاتب المقال نبيل عمرو باللوم على المجتمع الدولي قائلا : “ولأن ما تتعرض له غزة يقترب من أن يبلغ عامه الثالث، فيبدو أن العالم تعوّد على رؤية ما يجري، ولم يعد له من قدرةٍ على تقديم ما هو مطلوب، سوى التعاطف والاستسلام لقلة الحيلة”.
ثم استعرض الوضع فى الضفة وقال : “لم تصل الأمور في الضفة من حيث القتل والتدمير، إلى المستوى الذي وصلت إليه في غزة، ولكن القلق من كل شيءٍ وعلى كل شيء، هو مصدر الألم العميق الذي يقضّ مضاجع الناس حتى لو بدت حياتهم على السطح كما لو أنها قريبةٌ من العادية”.
وانتهى الكاتب نبيل عمرو إلى القول بإن : “أهم ما حققه الفلسطيني في معجزة بقائه على أرض الوطن هو قدرته الفائقة على التحمّل، وهذا ما دعاني إلى اقتراح نيله أهم جائزةٍ افتراضيةٍ تفوق نوبل والفيفا، هي جائزة التحمّل، وهو ليس تحمّلاً عاجزاً بل تعززه قوة الحياة واستمراريتها وقدرة الفلسطيني على مواصلة بنائها على أرض الوطن، بكل ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وبين يديه الكثير لمواصلة ذلك”.
تحل اليوم ذكرى تأسيس الجيش اللبنانى وفى هذا السياق كتب زياد سامي عيتاني فى مقاله بصحيفة “اللواء” اللبنانية تحت عنوان “بين رمزية الأول من آب واستحقاق تنفيذ اتفاق الإطار .. الجيش في عيده: الركيزة الاستراتيجية لاستعادة السيادة وبناء الدولة” ..
“إن الاحتفاء بالجيش اليوم يتجاوز البُعد الوجداني، ليلامس المسار العملي والدستوري لاستعادة الدولة المكتملة السيادة، والتي يبدأ فصلها الأساسي بتفعيل الدور الموكل للمؤسسة العسكرية على امتداد الوطن”.
“في هذا السياق، يصبح الجيش اللبناني أكثر من مجرد مؤسسة أمنية؛ إنه العمود الفقري لمشروع الدولة، والضامن العملي لتحويل النصوص السياسية إلى وقائع ميدانية”.
وشدد كاتب المقال بالقول : “لا استثمار بلا استقرار، ولا إصلاح بلا سلطة واحدة، ولا قضاء مستقل في ظل ازدواجية القرار الأمني، ولا اقتصاد منتج في ظل تعدد المرجعيات المسلحة. لهذا، فإن دعم الجيش لم يعد يقتصر على المساعدات العسكرية أو اللوجيستية، بل أصبح استثماراً مباشراً في مستقبل لبنان السياسي والاقتصادي”.
فى نفس الوقت رأى عيتاني أن ” نجاح هذه المهمة يبقى رهناً أيضاً بوجود إرادة سياسية موحدة تمنح الجيش الغطاء الكامل لإنجاز مهمته، بعيداً عن الحسابات الفئوية أو الاصطفافات التقليدية. فالجيش يستطيع تنفيذ ما يُطلب منه، لكنه يحتاج إلى قرار سياسي واضح يضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار. فإذا نجح لبنان في هذه المرحلة، لن يكون الجيش قد أنجز مهمة عسكرية فحسب، بل سيكون قد كتب صفحة جديدة في تاريخ الجمهورية، عنوانها: انتقال لبنان من دولة تتنازعها موازين القوى، إلى دولة تستعيد قرارها وسيادتها وسلطتها بقوة مؤسساتها الشرعية وحدها”.
أهمية الأسرة المترابطة كنواة لمجتمع سليم يبنى الوطن ويحافظ على أمنه وسلامه سلط مفتى الجمهورية د. نظير عياد الضوء عليه فى مقال له بصحيفة الأهرام وكتب تحت عنوان “الحوار الأسرى .. الركيزة الأساسية لاستقرار الأسرة وتماسكها” ..
“إذا كانت الأسرة تقوم فى جوهرها على التواصل الوجدانى والأخلاقى بين أفرادها، فإن أخطر ما يهدد هذا البناء هو انقطاع الحوار، وتحول الصمت من مساحة للهدوء إلى علامة على التباعد والانسحاب النفسى، فليس كل صمت يخيم على البيوت عنوانًا للسكينة، كما أن ارتفاع الأصوات ليس دائمًا دليلًا على اضطرابها؛ إذ قد يكون الصمت أخطر أشكال الانقطاع الأسرى، حين يغدو تعبيرًا عن انسحاب المشاعر واستسلام كل طرف لعزلته الداخلية”.
وحذر د. عياد فى مقاله قائلا : “إن التفكك الأسرى لا ينشأ غالبًا عن أزمة مفاجئة، بل يتسلل إلى كيان الأسرة فى صورة تراكمات هادئة ومتتابعة من ضعف التواصل وانحسار التفاعل الوجداني؛ ومن ثم يتراجع الإصغاء، وتضيق مساحات الحوار، ويحل سوء التأويل محل الفهم، والاتهام محل التماس العذر، فتتحول الاختلافات إلى حواجز نفسية، ويتآكل الأمان والانتماء، حتى يعيش أفراد الأسرة تحت سقف واحد، بينما ينفصل كلٌّ منهم عن الآخر شعوريًّا وفكريًّا، فتظل الأسرة قائمة فى ظاهرها، وقد فقدت فى جوهرها التماسك والاحتواء”.
ولفت مفتى الجمهورية إلى أهمية الحوار بين أفراد الأسرة وكتب ..
“الحوار قيمة أخلاقية تتجاوز مجرد احتواء الخلافات؛ إذ يحفظ الثقة، ويجدد المودة، ويؤكد أن أفراد الأسرة شركاء فى بناء الحياة، لا مجرد شركاء فى السكن، وأن لكل واحد منهم صوتًا مسموعًا ومكانةً مصونةً داخل البيت. ومن ثم، فإن تماسك الأسرة لا يُقاس بغياب الاختلاف، وإنما بقدرتها على إدارته بوعى، وتحويله من مصدر للانقسام إلى مجال رحب للفهم، ومن سبب لتآكل الثقة إلى فرصة لترسيخها وتعميق روابط الانتماء بين أفرادها”.
ورأى د. عياد من خلال مقاله “أن أعظم ما تستثمره الأسرة فى مستقبلها ليس ما تدخره من مال، بل ما ترسخه من ثقة، وما تمدّه من جسور للحوار والتفاهم؛ فكلمةٌ صادقة قد تعيد قلبًا أوشك أن يبتعد، وإصغاءٌ مخلص قد يطفئ نزاعًا قبل أن يستحكم، وحوار هادئ قد يحفظ بيتًا كاملًا من التصدع”.
تحرير : منى شلتوت



