تجديد الخطاب الدينى ومواجهة التطرف.. وزارة الأوقاف ترسخ الفكر الوسطى لبناء الوعي
يمثل تجديد الخطاب الديني أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية الدولة المصرية لبناء الوعي وتعزيز الأمن الفكري، انطلاقًا من قناعة بأن مواجهة التطرف لا تقتصر على الجوانب الأمنية، وإنما تعتمد أيضًا على خطاب ديني مستنير يعزز قيم الوسطية والانتماء والمواطنة، ويصحح المفاهيم المغلوطة التي استغلتها الجماعات المتطرفة على مدار سنوات.
وتضطلع وزارة الأوقاف بدور رئيسي في تنفيذ هذه الرؤية، من خلال استراتيجية متكاملة أعلنها وزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهري أمام مجلس الشيوخ في مايو من العام الماضي تقوم على أربعة محاور رئيسية هي بناء الإنسان، وتجديد الخطاب الديني، ومواجهة التطرف، وتعظيم دور الوقف في خدمة المجتمع، وذلك بعد سلسلة من اللقاءات وجلسات الحوار مع علماء الشريعة وخبراء علم النفس والقانون والإعلام ومراكز البحث المتخصصة، بهدف صياغة رؤية علمية متكاملة للتعامل مع التحديات الفكرية المعاصرة.
وتستند الوزارة في تنفيذ هذه الاستراتيجية إلى تطوير العنصر البشري، حيث تواصل تنفيذ برامج تدريب وتأهيل الأئمة والواعظات، بما يسهم في رفع كفاءتهم العلمية والفكرية، وتعزيز قدرتهم على مخاطبة مختلف فئات المجتمع بلغة عصرية تجمع بين صحيح الدين ومتطلبات الواقع، إلى جانب التدريب على مواجهة الأفكار المتشددة بالحجة العلمية والمنهج الوسطي.
وفي إطار نشر الفكر الوسطي، كثفت الوزارة من برامجها الدعوية والثقافية داخل المساجد، حيث أعلنت عقد 10180 ندوة علمية شهرياً في مايو ويونيو 2026 ضمن برنامج “المنبر الثابت” المشترك مع الأزهر الشريف، وتناولت موضوعات تمس حياة المواطنين، من بينها مواجهة الغش، وترسيخ احترام الكبير والرحمة بالصغير، والحفاظ على البيئة، والاستخدام الرشيد للإنترنت، بما يعكس توجه الوزارة لربط الخطاب الديني بالقضايا المجتمعية وبناء الشخصية الوطنية.
كما واصلت الوزارة تنظيم الندوات العلمية المتخصصة لمواجهة الفكر المتطرف، حيث نفذت 684 ندوة علمية بعنوان “منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التصدي للأفكار الهدامة وحماية الشباب من التطرف”، في إطار خطتها الرامية إلى ترسيخ قيم الاعتدال وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتحصين النشء والشباب من الأفكار المتشددة.
وتعتمد الوزارة على العمل المؤسسي في تنفيذ خطتها، من خلال التعاون مع الأزهر الشريف ودار الإفتاء والجامعات ومؤسسات الدولة، بهدف توحيد الرسالة التوعوية، وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء، باعتبارها من أهم أدوات الوقاية الفكرية.
وفي موازاة النشاط الميداني، اتجهت الوزارة إلى توسيع حضورها الرقمي، عبر تطوير المنصات الإلكترونية وإتاحة المحتوى الديني الموثق، بما يسهم في الوصول إلى الشباب عبر الوسائط الحديثة، ومواجهة المحتوى غير المنضبط على مواقع التواصل الاجتماعي، في إطار توجه يستهدف مواكبة التطور في وسائل الاتصال والاستفادة منها في نشر الفكر الوسطي.
وأكد وزير الأوقاف أن بناء الوعي يمثل الركيزة الأساسية لمواجهة التطرف، مشيرًا إلى أن الوزارة تتعامل مع هذه القضية من منظور علمي يقوم على دراسة أسباب التطرف وتحليل أدواته الفكرية، وصولًا إلى إعداد خطاب ديني قادر على مخاطبة الإنسان المعاصر، وترسيخ قيم الرحمة والتسامح والتعايش المشترك.
ويرى متخصصون أن التجربة المصرية في تجديد الخطاب الديني شهدت خلال السنوات الأخيرة انتقالًا من مرحلة رد الفعل إلى التخطيط الاستراتيجي، من خلال برامج مستمرة لتأهيل الدعاة، وتطوير المحتوى الدعوي، وتوسيع دائرة الأنشطة الفكرية والثقافية، بما يعزز مناعة المجتمع في مواجهة الفكر المتطرف، ويؤكد أن بناء الإنسان يظل حجر الأساس في تحقيق التنمية والاستقرار.
كما عززت الوزارة من دور الواعظات في منظومة تجديد الخطاب الديني، باعتبارهن شريكًا أساسيًا في بناء الوعي داخل الأسرة المصرية، حيث أطلقت عددًا من القوافل الدعوية الخاصة بالواعظات ضمن مبادرة “صحح مفاهيمك”، بهدف الوصول إلى مختلف المحافظات، وتقديم خطاب ديني وتوعوي يعالج القضايا الاجتماعية والفكرية، ويرسخ القيم الأخلاقية والسلوكيات الإيجابية. وقد شهد عام 2026 تنظيم قوافل دعوية للواعظات على مستوى المديريات الإقليمية ضمن هذه المبادرة.
وامتدت جهود الوزارة إلى المحافظات الحدودية، في إطار اهتمامها بالوصول بالرسالة الدعوية إلى مختلف ربوع الجمهورية، حيث أطلقت قوافل “بعثة الشرف” الدعوية إلى عدد من المحافظات الحدودية، من بينها البحر الأحمر ومطروح والوادي الجديد وجنوب سيناء، بهدف تعزيز التواصل المباشر مع المواطنين، وترسيخ الفكر الوسطي، ودعم قيم الانتماء والمسؤولية الوطنية.
وتعتمد الوزارة في مواجهة التطرف على استراتيجية تقوم على الانتقال من مجرد الرد على الأفكار المنحرفة إلى بناء منظومة متكاملة للوقاية الفكرية، من خلال تصحيح المفاهيم، ونشر الثقافة الدينية الصحيحة، وربط الخطاب الديني بقضايا المجتمع، والتأكيد على أن الدين يحث على العمل والعلم والإعمار واحترام الإنسان.
