متحف الفن الحديث في نيويورك يعيد مستنقعات برلين المنسية إلى عالم رقمي غامض
يستعد متحف الفن الحديث في نيويورك لعرض تجربة فنية رقمية غامرة تعيد تصور المستنقعات التي كانت تغطي أجزاء من برلين قبل أن تختفي تحت التوسع العمراني، في محاولة لإعادة الجمهور إلى نظام بيئي مفقود عبر مزيج من التكنولوجيا والفن والصوت والأساطير المحلية.
وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، في تقرير لها، أن المعرض الجديد للفنان الدنماركي جاكوب كودسك ستينسن، بعنوان “ويت لاند” (Wetland)، يقدم عالمًا رقميًا غامضًا مستوحى من المستنقعات، ويعتمد بصورة أساسية على مشروعه “برل-برل” (Berl-Berl)، الذي يعيد تخيل الأراضي الرطبة المنسية في العاصمة الألمانية باعتبارها بيئة رقمية نابضة بالحياة والصوت.
ويفتتح المعرض في 12 أكتوبر الجاري ويستمر حتى 7 مارس 2027، في بهو أغنيس جوند بحدائق المتحف، ويأتي ضمن برنامج متحف الفن الحديث الذي يخصص مساحة متزايدة للأعمال التي تستخدم الوسائط الرقمية والتكنولوجيا لطرح أسئلة تتعلق بالبيئة وطريقة تفاعل الإنسان مع العالم الطبيعي.
ويحمل اسم “برل-برل” دلالة تاريخية، إذ تشير كلمة “برل” إلى كلمة سلافية قديمة تعني المستنقع، ويعتقد أنها ترتبط بأصل اسم مدينة برلين. ومن خلال العمل، يعيد ستينسن بناء صورة رقمية لبيئة كانت جزءًا من تاريخ المدينة، مستفيدًا من البحث البيئي والفولكلور المحلي والأغاني التي ارتبطت قديمًا بالمناطق الرطبة واستخدمت في رواية قصصها وتحديد معالمها.
ويستند المشروع إلى أشهر من العمل الميداني في الأراضي الرطبة المتبقية في برلين، إضافة إلى أبحاث أرشيفية حول الأساطير السلافية والسوربية وتاريخ اللغة. كما تعاون الفنان مع متحف التاريخ الطبيعي في برلين، واستعان بعينات من الصخور والنباتات والحيوانات المحلية، وأدخلها في العالم البصري والصوتي للعمل.
ولا يكتفي ستينسن بتصوير الطبيعة، بل يحاول إعادة بناء تجربة العيش داخلها. فقد حوّل التسجيلات الصوتية التي جمعها من المستنقعات إلى عناصر إيقاعية وغنائية، بينما استخدم تقنيات التصوير المجسم والمسح ثلاثي الأبعاد وبرمجيات محركات الألعاب لبناء مشهد رقمي يتغير باستمرار، بحيث لا يرى الزائر صورة ثابتة لبيئة طبيعية، وإنما يدخل إلى فضاء يبدو وكأنه يتنفس ويتحرك أمامه.
وتشارك المغنية والفنانة الموسيقية أركا في الجانب الصوتي من العمل، فيما تشكل التكنولوجيا بالنسبة إلى ستينسن وسيلة للربط بين الإنسان والطبيعة، وليس مجرد أداة لإنتاج صورة رقمية عنها. ويستكشف الفنان من خلال ذلك إمكانية استخدام التقنيات الحديثة لإعادة بناء الصلات مع بيئات اختفت أو تغيرت بفعل النشاط البشري.
وتكتسب الأراضي الرطبة أهمية خاصة في تجربة الفنان، لأنها تمثل بالنسبة إليه أماكن يصعب تعريفها بصورة ثابتة، إذ تتداخل فيها المياه والنباتات والطين والكائنات الحية، وتتغير باستمرار. ولذلك يقدم “برل-برل” المستنقع باعتباره شخصية رئيسية في العمل، وليس مجرد خلفية لمشهد طبيعي.
ويجمع المشروع كذلك بين البيئة والأسطورة، إذ يستفيد من حكايات ومعتقدات مرتبطة بالمجتمعات السلافية التي عاشت في المنطقة، بما في ذلك التقاليد السوربية. ويصبح الماضي في العمل جزءًا من الحاضر، من خلال استعادة أصوات وصور وعناصر من نظام بيئي لم يعد موجودًا بالصورة التي كان عليها.
ويأتي عرض “ويت لاند” في متحف الفن الحديث ضمن اتجاه أوسع في الفن المعاصر إلى استخدام التكنولوجيا الرقمية لإعادة التفكير في علاقة الإنسان بالبيئة. وبدلًا من تقديم عمل بيئي يعتمد فقط على الصور الفوتوغرافية أو الوثائق، يضع ستينسن الزائر داخل بيئة افتراضية يمكن استكشافها بالحواس، بما يتيح له تخيل ما كان موجودًا تحت الشوارع والمباني الحديثة.
ويشير المتحف إلى أن كثيرًا من المدن الحديثة شُيدت فوق أراضٍ رطبة، وأن آثار تلك الأنظمة البيئية المفقودة لا تزال موجودة في بعض المواقع. ومن هذا المنطلق، لا يتعامل العمل مع المستنقع باعتباره شيئًا من الماضي فقط، بل باعتباره وسيلة للتفكير في مستقبل العلاقة بين البشر والطبيعة، وفي البيئات التي قد تختفي إذا استمر تغير المناخ والتوسع العمراني.
ويضع ستينسن من خلال هذه التجربة التكنولوجيا في موقع مختلف عن الصورة التقليدية التي تقدمها باعتبارها وسيلة للابتعاد عن الطبيعة؛ فالعالم الرقمي الذي يصنعه يستند في الأصل إلى عينات حقيقية وتسجيلات ميدانية وأبحاث علمية وتاريخية، ليحاول من خلالها إعادة خلق الإحساس ببيئة مفقودة.
ولد جاكوب كودسك ستينسن عام 1987 في الدنمارك، ويعمل عند تقاطع الفن والتكنولوجيا والبيئة، مستخدمًا التصوير والمنصات الرقمية وتقنيات الألعاب لبناء عوالم ثلاثية الأبعاد. وسبق أن قدم “برل-برل” عام 2021، بعد أبحاث ميدانية في الأراضي الرطبة بمنطقة برلين-براندنبورج، قبل إعادة تقديم المشروع في متحف الفن الحديث بنيويورك في صورة معرض “ويت لاند”.
المصدر: أ ش أ
