مؤتمر الهوية الوطنية.. وجهود الرئيس السيسي لبناء الإنسان المصري وترسيخ وعيه في مواجهة تحديات العصر
في توقيت تتزايد فيه التحديات التي تواجه الهوية الوطنية على مستوى العالم، من تنامي تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي، إلى التوسع المتسارع في استخدامات الذكاء الاصطناعي، مروراً بانتشار الشائعات وخطاب التطرف، تستضيف مكتبة الإسكندرية بعد غد الاثنين، تحت رعاية السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، فعاليات المؤتمر الوطني «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة»، والمقرر انعقاده على مدار ثلاثة أيام.
ويمثل هذا الحدث محطة فارقة في مسار الجهود الوطنية الرامية إلى بناء الإنسان المصري وترسيخ وعيه، تنفيذاً للتوجيهات الرئاسية المباشرة في هذا الشأن، وسط استعدادات مكثفة بدأت منذ أكثر من عام، ومتابعة حكومية دقيقة لكل تفاصيل التنظيم.
اهتمام رئاسي واستعداد حكومي
وحظي المؤتمر منذ لحظة عرض فكرته باهتمام رئاسي مباشر، إذ وضعه الرئيس عبد الفتاح السيسي تحت رعايته فور الاطلاع على الفكرة، معلقاً آمالاً كبيرة على ما سيسفر عنه من مخرجات وتوصيات.
وفي إطار المتابعة الدقيقة للتجهيزات، كان رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، قد التقى بمقر الحكومة الصيفي في العلمين، وفداً ضم وزير التعليم العالي والبحث العلمي، ومستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية، ووفداً من قيادات مكتبة الإسكندرية، لمراجعة الاستعدادات النهائية، مؤكداً دعم الحكومة الكامل لضمان خروج المؤتمر بالصورة الحضارية المنشودة.
كما شهدت الأيام الأخيرة السابقة على الانعقاد لقاءً جمع الدكتور عبدالعزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بعمل وزير الثقافة، بوفد من مكتبة الإسكندرية برئاسة مديرها الدكتور أحمد زايد، وبحضور اللواء الدكتور خالد فودة مستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية، لمراجعة التفاصيل النهائية والتجهيزات المشتركة بين الوزارات المعنية ومحافظة الإسكندرية، إلى جانب استعراض أهم المحاور المقرر مناقشتها وقائمة المدعوين والمشاركين.
ترسيخ قيم الهوية المصرية لدى الأجيال الشابة
ويستهدف المؤتمر في جوهره التأكيد على أهمية ترسيخ قيم الهوية المصرية، وبصفة خاصة لدى الأجيال الشابة؛ وذلك استجابة لتحديات معاصرة متعددة تواجه الشخصية الوطنية، في مقدمتها التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي، والنمو المتسارع لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب انتشار الشائعات والخطاب المتطرف.
وتنطلق فلسفة المؤتمر من ضرورة فتح حوار مجتمعي واسع لصياغة رؤية متجددة تحافظ على الجذور التاريخية والثقافية للهوية المصرية، بما يوازن بين الأصالة والانفتاح على متغيرات العصر.
ويشهد المؤتمر مشاركة نحو 450 شاباً وشابة يمثلون 27 محافظة مصرية، من طلاب المدارس والجامعات، إلى جانب الاتحادات الشبابية، والكشافة، ونماذج المحاكاة البرلمانية، ليكونوا شركاء حقيقيين في صياغة الرؤية المتجددة لشخصيتهم الوطنية.
وتتضمن فعاليات الأيام الثلاثة للمؤتمر جلسات علمية ونقاشية موسعة، وحلقات نقاش متوازية يشارك فيها وزراء وخبراء وكتاب وباحثون وفنانون، إلى جانب ورش عمل تفاعلية، وعروض ثقافية متنوعة، ومعارض مخصصة للحرف اليدوية والفنون تقيمها وزارة الثقافة.
وتُختتم الفعاليات بجلسة ختامية لعرض التوصيات، ويعقبها حفل موسيقي متميز تقدمه أوركسترا مكتبة الإسكندرية.
وثيقة الإسكندرية للهوية الوطنية.. خارطة طريق مستقبلية
وتُعد «وثيقة الإسكندرية للهوية الوطنية» أحد أبرز مخرجات المؤتمر المرتقبة، وهي وثيقة وطنية مرجعية وإعلان فكري يُعتزم إطلاقها رسمياً في الجلسة الختامية.
وتُصنف هذه الوثيقة كخارطة طريق ومبادرة استراتيجية تتبناها أجهزة الدولة لحماية الوعي العام، ولا تقتصر على كونها مجرد توصيات ختامية، بل تحمل رؤية مستدامة تسعى إلى ترسيخ العمل المؤسسي المستمر في مجال الهوية الوطنية، وتحويل توصيات المؤتمر إلى تقليد سنوي متجدد يواكب المتغيرات المتسارعة دون التفريط في الثوابت، وسيتم عرض الوثيقة عقب صياغتها على السيد رئيس الجمهورية.
ويقوم على تنظيم هذا الحدث الاستراتيجي منظومة عمل مشتركة تضم مكتبة الإسكندرية، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة الشباب والرياضة، ووزارة الثقافة، بحضور رفيع المستوى من الوزراء والرموز الفكرية والثقافية وكبار الإعلاميين.
الهوية المصرية.. مكوّنات متراكمة ومتجددة
وتشكل مناقشة عناصر الهوية المصرية محوراً جوهرياً في فلسفة المؤتمر، إذ تتكوّن هذه الهوية من مجموعة متداخلة من العناصر التاريخية والجغرافية والثقافية والقانونية، لا يمكن اختزالها في بُعد واحد، فهي نتاج تراكم حضاري طويل امتزجت فيه روافد فرعونية وقبطية وعربية وإسلامية وإفريقية ومتوسطية ونيلية.
وتقوم هذه الهوية على مزيج من الأرض والنيل والتاريخ واللغة والثقافة والدين والمواطنة والذاكرة الوطنية، وتكمن خصوصيتها في كونها هوية تراكمية ومنفتحة استوعبت تأثيرات حضارية متعددة، لكنها احتفظت بقدرتها على إعادة صياغتها داخل إطار مصري مميز.
وقد كرّس الدستور المصري هذا المفهوم، حيث تنص المادة (19) على أن التعليم حق لكل مواطن هدفه بناء الشخصية المصرية والحفاظ على الهوية الوطنية وتأصيل المنهج العلمي في التفكير، بينما تلزم المادة (47) الدولة بالحفاظ على الهوية الثقافية المصرية بروافدها الحضارية المتنوعة.
الموقع الجغرافي والتاريخ المشترك
ويمثل الموقع الجغرافي عنصراً أساسياً في الهوية المصرية، فمصر دولة وادي النيل، تمتد بين قارتي إفريقيا وآسيا، وتطل على البحرين المتوسط والأحمر، وهو ما جعلها نقطة اتصال بين الحضارات والشعوب ومركزاً للتبادل التجاري والثقافي والسياسي.
ويشكل التاريخ المشترك، بدءاً من الحضارة المصرية القديمة، مروراً بالعصور اليونانية والرومانية والقبطية والإسلامية، ووصولاً إلى الدولة الحديثة، أساساً مهماً لهذه الهوية؛ حيث لم تُلغِ هذه المراحل بعضها بعضاً، بل تركت كل منها آثارها في اللغة والفنون والعمران والعادات والذاكرة الجماعية.
النيل واللغة والدين
ويُعد نهر النيل أحد أعمق رموز الهوية المصرية؛ حيث ارتبط به الاستقرار والعمران والزراعة وتكوين المجتمع منذ أقدم العصور، ويحضر في الأدب والغناء والفنون والاحتفالات باعتباره مصدراً للحياة وعنصراً جامعاً للمصريين.
وتمثل اللغة العربية اللغة الرسمية، بينما تتميز اللهجة المصرية بخصوصيتها وانتشارها الواسع عربياً عبر السينما والمسرح والتليفزيون والأغنية، مع احتفاظها بآثار لغوية وحضارية من القبطية والمصرية القديمة.
كما يشكل الإسلام والمسيحية جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي والثقافي، وتنعكس القيم الدينية في السلوك العام والعادات والتقاليد، فيما أسهم التراث القبطي والإسلامي في تشكيل العمارة والفنون والموسيقى.
الثقافة والعادات والتماسك الاجتماعي
وتتجسد الهوية المصرية في الأدب والشعر والموسيقى والسينما والمسرح والفنون الشعبية والعمارة، ومن أبرز سماتها قدرة الثقافة المصرية على الجمع بين التراث والتجديد، وتحويل التجارب التاريخية والاجتماعية إلى أعمال فنية مؤثرة تمثل احدى أدوات القوة الناعمة المصرية.
وتظهر الهوية أيضاً في أنماط الحياة اليومية، من عادات الأسرة والضيافة والجيرة، والاحتفال بالمناسبات، والأمثال الشعبية، والحرف التقليدية، والأطعمة المحلية، والملابس والفنون الشعبية، وهي مظاهر تختلف بين الريف والصعيد والدلتا والمدن والسواحل، مع احتفاظها بإطار مصري مشترك.
وتحتل الأسرة مكانة مركزية في المجتمع المصري، كما تمثل علاقات القرابة والجيرة والتكافل الاجتماعي، مكونات مهمة في الشخصية المصرية.
الدولة والذاكرة الوطنية والتنوع
وتتضمن الهوية الوطنية الانتماء إلى الدولة ومؤسساتها ورموزها، كالعلم والنشيد الوطني والمناسبات القومية والقوات المسلحة، وترتبط بالمواطنة والحقوق والواجبات المشتركة..كما تضم ذاكرة جماعية تشكلت من مقاومة الاحتلال والحركات الوطنية والثورات والحروب، تؤدي دوراً في ترسيخ الشعور بالانتماء والاعتزاز بالدولة.
ولا تعني الهوية المصرية التشابه الكامل بين المواطنين، بل تستوعب تنوعاً دينياً وثقافياً واجتماعياً ومناطقياً، وتمتاز بقدرتها على دمج روافد متعددة في شخصية وطنية واحدة، بحيث لا تُفهم العناصر الفرعونية أو القبطية أو العربية أو الإسلامية أو الإفريقية كهويات متنافسة، بل مكونات متراكمة للهوية المصرية.
الهوية بين الماضي والحاضر والمستقبل
وتتجلى هذه الثلاثية الزمنية في فلسفة المؤتمر عبر ثلاثة أبعاد متكاملة: فالماضي يمثل الجذور الراسخة المتمثلة في التاريخ العريق والحضارات المتراكمة الفرعونية واليونانية الرومانية والقبطية والإسلامية والعربية، التي تشكل الأساس الصلب والعمق التاريخي الذي تنطلق منه الشخصية المصرية.
أما الحاضر فيتناول التحديات المعاصرة، من العولمة والثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي وتيارات الفكر المختلفة، وكيفية التعامل معها بحصافة لتجنب الذوبان أو الانعزال.
وأخيراً، تتركز الرؤية المتجددة للمستقبل على بناء جيل واعد من الشباب والنشء، وتوظيف أدوات العصر الحديث كالابتكار والذكاء الاصطناعي والتعليم الحديث لتطوير الهوية وتحديثها دون التفريط في الثوابت والأصالة.
ويمثل مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة» محطة استثنائية في مسيرة الجهود الوطنية لصون الشخصية المصرية وتعزيز تماسكها في مواجهة تحديات العصر المتسارعة، بما يحمله من رعاية رئاسية مباشرة، ودعم حكومي شامل، ومشاركة واسعة من الشباب الممثلين لكافة محافظات الجمهورية.
ومع اقتراب موعد انعقاده، تتجه الأنظار إلى «وثيقة الإسكندرية للهوية الوطنية» بوصفها ثمرة حوار مجتمعي موسع، ونقطة انطلاق لعمل مؤسسي متجدد يوازن بين صون الجذور التاريخية العميقة للهوية المصرية والانفتاح الواعي على معطيات المستقبل، بما يرسخ لدى الأجيال الجديدة اعتزازها بانتمائها الوطني وقدرتها على حمل رسالة مصر الحضارية إلى آفاق أرحب.
