فاينانشيال تايمز: إيران تستنزف مخزون الأدوية وتبحث عن طرق بديلة لتأمين الواردات
حذر صيادلة إيرانيون من تفاقم أزمة نقص الأدوية، في ظل تداعيات الحرب والعقوبات الأمريكية التي تعرقل قدرة البلاد على استيراد الأدوية وتأمين المدفوعات اللازمة لشرائها.
ودفعت تداعيات الأزمة طهران إلى السحب من مخزوناتها الاستراتيجية من الأدوية، بالتزامن مع تكثيف البحث عن مسارات برية بديلة لتأمين الواردات، وفقا لمسؤولين.
وقالت صحيفة “فاينانشيال تايمز” في تقرير لها من العاصمة الإيرانية لمتابعة أحوال سوق الأدوية هناك، إنه في الوقت الذي تنتج فيه إيران ، التي يبلغ عدد سكانها 90 مليون نسمة، معظم أدويتها محلياً، فإنها تعتمد على استيراد المكونات والخامات الفعالية من دول من بينها الهند، فضلاً عن شرائها لأدوية ولقاحات من أوروبا ومناطق أخرى.
وأشارت إلى أن “الوزراء أقروا في الأسابيع الأخيرة بأن تأمين هذه الإمدادات بات أكثر صعوبة”.
وتفرض الولايات المتحدة منذ أشهر حصاراً على الموانئ الجنوبية الإيرانية، وهي الممر الرئيسي لاستيراد الأدوية، في حين تسببت العقوبات الأمريكية المفروضة على شركات الطيران في عدد من الدول الأخرى، في إلغاء عدد متزايد من الرحلات الجوية الدولية، التي تُنقل على متنها الأدوية أيضاً.
وصرح المتحدث باسم نقابة الصيادلة الإيرانية، هادي أحمدي، بأن هناك نحو 60 دواءً تستخدم لعلاج أمراض خطيرة، مثل الثلاسيميا (فقر الدم الوراثي)، تعاني نقصاً حاداً.
وأضاف أحمدي أنه “لم تدخل أي مواد خام، أو أدوية، أو معدات ضرورية إلى البلاد عن طريق البحر” خلال الحصار البحري الأمريكي”.
وأقر وزير الصحة الإيراني، محمد رضا ظفرغاندي، هذا الأسبوع بأن الحصار الاقتصادي يعطل سلسلة التوريد، قائلاً: “على الرغم من إعلانهم الرسمي أن الأدوية غير خاضعة للعقوبات، فإن القيود المفروضة على تحويل العملات الأجنبية والشحنات تعيق الإمدادات”.
من جانبها، تقول الولايات المتحدة إن الأدوية مستثناة من العقوبات. لكن في حين أن النقص يتفاقم منذ أشهر في ظل الحصار، يرى محللون أن الأدوية عرضة أيضاً لتأثير جهود واشنطن لقطع الرحلات الجوية إلى إيران، في إطار حملتها لإجبار النظام على إعادة فتح مضيق هرمز والتوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي.
وقًالت الصحيفة البريطانية إن مسؤول في البيت الأبيض لم يتطرق في تصريحاته تحديدًا إلى نقص الأدوية في إيران، لكنه أشار إلى أن الحصار البحري الأمريكي يمثل عائقاً لوجستياً كبيراً أمام قدرة إيران على إيجاد طرق نقل بديلة من وإلى البلاد. وأضاف أن البلاد تعاني كذلك تضخماً مرتفعاً وتراجعاً حاداً في القدرة الشرائية.
وفي تقرير لمؤسسة “بورصة وبازار”، وهي مركز أبحاث مقره المملكة المتحدة، فإن البنوك الدولية تبدي حذراً متزايداً في التعامل مع المؤسسات الإيرانية حتى لو كانت المعاملات مستثناة من العقوبات.
وكتبت “مؤسسة بورصة وبازار”: “لذا، تمثل الإجراءات الجديدة أحدث مثال على أن تشديد العقوبات يهدد بإلحاق ضرر كبير بالمواطنين الإيرانيين العاديين، وذلك بسبب تأثيره على توافر السلع الطبية الحيوية وأسعارها” لطالما كانت الهند مورداً رئيسياً للمنتجات الصيدلانية الإيرانية عبر مضيق هرمز. إلا أن انقطاع الشحنات والرحلات الجوية المباشرة بين البلدين قد فاقم المشكلة.
وصرحت نائبة وزير التراث الثقافي الإيراني، أنوشيروان محسني بندبي، بأن الرئيس مسعود بيزشكيان استغل زيارته للهند لحضور قمة “البريكس” هذا الشهر لنقل أطنان عدة من المكونات الصيدلانية إلى إيران على متن طائرته الخاصة.
وقال صيدلي في طهران، فضل عدم الكشف عن اسمه: “في السابق، كان النقص يقتصر بشكل رئيسي على الأدوية البيولوجية أو أدوية الأمراض المستعصية. أما الآن، فقد أصبح حتى مسكنات الألم الأساسية والأدوية النفسية الشائعة غير متوفرة”.
وأفادت إحدى شركات الأدوية الأوروبية الرائدة أنها لم تقيد أي إمدادات من أدويتها إلى إيران نتيجة للعقوبات، لكنها لم تتلق أي طلبات لبعض أدويتها من السلطات الإيرانية منذ يونيو الماضي.
وقالت ممرضة متقاعدة ، كانت تنتظر دورها في صيدلية بطهران، إنها اضطرت لزيارة عدة صيدليات في أنحاء المدينة على مدار أيام مختلفة للعثور على دواء العلاج الكيميائي الخاص بزوجها.
وقالت: “في إحدى المرات، لم يكن الدواء متوفراً في الصيدليات الحكومية، واضطررنا لشرائه من السوق السوداء بثلاثة أضعاف سعره المعتاد”.
ويواجه العديد من المرضى تكاليف باهظة للغاية. يبلغ معدل التضخم السنوي حالياً 90 في المائة، وقد أوقفت الحكومة في مارس الماضي توفير العملات الأجنبية الرخيصة لدعم معظم الأدوية.
وأضاف أحمدي المتحدث باسم “نقابة الصيادلة الإيرانيين”: “ارتفعت تكلفة المواد الخام فجأة خمسة أضعاف. هذا، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، أدى إلى ارتفاع أسعار الأدوية بنسبة تتراوح بين 150 و500 في المائة”.
وصرحت شركة “نوفارتس”، إحدى أكبر شركات الأدوية في العالم، لـ”فايننشال تايمز” بأنها تمتلك “خبرة واسعة في ضمان استمرار سلاسل إمداد الأدوية خلال فترات الاضطرابات أو النزاعات، ما مكننا من الحفاظ على إمداداتنا للمرضى في إيران”.
كما يسارع المسؤولون لاستيراد كميات كافية من لقاحات الإنفلونزا تحسباً لقرب قدوم فصل الشتاء، وصرح رئيس إدارة الغذاء والدواء الإيرانية، مهدي بيرسالي، بأنه تم استيراد 700 ألف جرعة من لقاح الإنفلونزا من الصين هذا الأسبوع، مع وصول المزيد من روسيا وأوروبا.
لكن رئيس “الجمعية الإيرانية لمرضى الثلاسيميا”، يونس عرب، قال إن الوضع قد تجاوز مرحلة الأزمة بالنسبة لمرضى “الثلاسيميا”، حيث لم تعد الأدوية المستوردة الضرورية متوافرة، بما في ذلك دواء “جادينو” من شركة “نوفارتس” السويسرية.
المصدر : أ ش أ
