رحيل اليونيفيل عن جنوب لبنان.. مخاوف من الفراغ الأمني ومصير الانسحاب الإسرائيلي
مع اقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، يقف الجنوب اللبناني أمام مرحلة دقيقة تتجاوز مجرد مغادرة القوات الدولية، لتطرح تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل الأمن والاستقرار، وقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها على كامل أراضيها، ومصير آليات مراقبة وقف إطلاق النار وتوثيق الخروقات الإسرائيلية.
فبعد أكثر من 45 عاما من الوجود الدولي، لا يتعلق التحدي المقبل بمن سيتولى المهام الميدانية فحسب، بل بكيفية ضمان انتقال المسؤوليات من دون ترك فراغ أمني أو غياب الشاهد الدولي القادر على توثيق ما يجري على الأرض.
وفي ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وبقاء قواتها في نقاط داخل الأراضي اللبنانية، تزداد المخاوف من أن يؤدي انتهاء المهمة الدولية إلى تغيير قواعد التعامل مع الوضع الميداني، ولا سيما في المناطق التي لا ينتشر فيها الجيش اللبناني حاليا. كما تبرز تساؤلات بشأن ما إذا كانت إسرائيل ستسمح للجيش بالانتشار في هذه المناطق، وما إذا كانت ستنسحب تدريجيا من المواقع التي تحتلها، أم ستستغل غياب اليونيفيل لتوسيع تحركاتها العسكرية وتعزيز ما يُعرف بـ«الخط الأصفر».
وفي هذا السياق، يرى منير شحادة، المنسق السابق للحكومة اللبنانية لدى اليونيفيل، أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالا مدروسا للمسؤوليات، مدعوما بضمانات سياسية ودولية وآلية بديلة لمراقبة الخروقات، محذرا من أن غياب القوة الدولية قد يضعف القدرة على التحقق المحايد من الوقائع الميدانية، ويفتح المجال أمام تضارب الروايات بشأن المسؤولية عن أي تصعيد جديد.
ويؤكد شحادة أن الجيش اللبناني هو الجهة الوطنية والقانونية المؤهلة لتولي المسؤوليات الأمنية في الجنوب، إلا أن نجاح هذه المهمة يرتبط بتوفير الإمكانات البشرية والتقنية واللوجستية اللازمة، إلى جانب وجود مرحلة انتقالية تضمن استمرارية التنسيق والمراقبة، وتحول دون استغلال أي فراغ من جانب إسرائيل أو أي طرف آخر.
ويشير شحادة إلى أن الجيش اللبناني أثبت جهوزية عالية على مستوى الانتشار والانضباط، لافتا إلى أن عدد عناصره المنتشرين حاليا في الجنوب يقارب 10 آلاف عنصر، مع وجود خطة لزيادة العدد. لكنه يوضح أن تحديات عدة لا تزال قائمة، خصوصا فيما يتعلق بتجهيزات المراقبة الليلية والاتصالات ووسائل النقل، ما يستدعي استمرار الدعم الخارجي لضمان قدرته على تنفيذ المهام المطلوبة.
ويشدد على أن المرحلة الانتقالية ليست خيارا، بل ضرورة لتفادي أي فراغ أمني، مقترحا أن تمتد بين 6 و12 شهرا، مع استمرار شكل من أشكال الإشراف الأممي غير المباشر. ويحذر من أن التسليم المتسرع للمسؤوليات، من دون توفير الإمكانات والضمانات المطلوبة، قد يخلق ظروفا تستفيد منها إسرائيل لتكثيف تحركاتها أو توسيع نطاق عملياتها.
ولا يقتصر التحدي، وفق شحادة، على انتشار الجيش اللبناني، بل يشمل طبيعة تعاطي الجيش الإسرائيلي مع هذا الانتشار، ومدى السماح للقوات اللبنانية بالوصول إلى المناطق التي لا يوجد فيها الجيش الإسرائيلي حاليا. كما يطرح تساؤلات بشأن مستقبل اتفاق الإطار والالتزامات المترتبة عليه، وما إذا كانت إسرائيل ستنفذ ما هو مطلوب منها بموجبه، أم أن انتهاء مهمة اليونيفيل سيزيد الغموض المحيط بآليات التنفيذ.
وتعد آلية مراقبة وقف إطلاق النار وتوثيق الانتهاكات من أبرز الملفات التي ستتأثر بانتهاء مهمة اليونيفيل. ويوضح شحادة أن الآلية الحالية ترتبط بالقوة الدولية من خلال اللجنة الثلاثية التي تضم الجيش اللبناني واليونيفيل والجانب الإسرائيلي، محذرا من أن رحيل القوة سيحرم هذه الآلية من أحد أبرز عناصرها، وهو وجود جهة دولية محايدة تتابع الوقائع الميدانية.
ويشير إلى أن هناك نقاشا داخل الأمم المتحدة بشأن صيغ بديلة، من بينها إنشاء مكتب ارتباط تابع للأمانة العامة للأمم المتحدة في بيروت، أو تشكيل بعثة مراقبة مصغرة غير مسلحة تتولى التوثيق والإبلاغ عن الخروقات. إلا أنه يؤكد أن بديلا جاهزا لم يتبلور حتى الآن، ما يجعل الاتفاق على آلية واضحة للمراقبة أولوية لتفادي ترك توثيق الأحداث بيد طرف واحد.
ويحذر شحادة من أن غياب المراقبة الميدانية المستقلة سيجعل تحديد المسؤولية عن أي تصعيد أكثر تعقيدا، إذ ستعتمد الأمم المتحدة بصورة أكبر على تقارير الجيش اللبناني وصور الأقمار الصناعية ومصادر أخرى، وهي وسائل لا توفر بالضرورة مستوى الرصد الميداني المباشر الذي كانت تتيحه الدوريات الدولية. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة التباين في الروايات بشأن الانتهاكات، بدلا من حسم الوقائع استنادا إلى تقارير ميدانية محايدة.
وفيما يتعلق بمستقبل الوجود الأممي، يرى شحادة أن هناك توجها لدى لبنان وعدد من الدول الأوروبية للإبقاء على شكل من أشكال الحضور الدولي في الجنوب، وإن لم يكن بالصيغة العسكرية الحالية لليونيفيل. ومن بين الخيارات المطروحة بعثة سياسية أو فريق مراقبين مدنيين أو مكتب تنسيق دولي يتولى متابعة تطبيق القرار الدولي 1701 والإبلاغ عن الانتهاكات.
ويلفت إلى وجود تباين في المقاربات الدولية؛ إذ تميل الولايات المتحدة إلى تقليص الوجود العسكري الأممي ونقل المسؤوليات الميدانية إلى الجيش اللبناني، في حين تفضل فرنسا ودول أوروبية أخرى الإبقاء على حضور دولي، ولو محدودا، لضمان استمرار الرقابة وتفادي التصعيد. كما يشير إلى أن إنشاء غرفة عمليات مشتركة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي يثير رفضا لبنانيا قاطعا، ما يضع شكل التنسيق المستقبلي في صلب النقاش حول ترتيبات ما بعد اليونيفيل.
ويعتبر شحادة أن السيناريو الأقرب قد يتمثل في حل وسط يجمع بين تولي الجيش اللبناني المهام الأمنية الميدانية، والإبقاء على بعثة مراقبة مدنية أو قوة دولية محدودة تتولى التوثيق والإبلاغ. ويشدد على أهمية دور الاتحاد الأوروبي، ولا سيما فرنسا وإيطاليا وألمانيا، في توفير المعدات والتدريب والوقود والدعم اللوجستي للجيش، إلى جانب الإسهام السياسي في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة لمنع سوء التقدير.
مع استمرار الوجود الإسرائيلي في نقاط داخل الأراضي اللبنانية، تبرز مخاوف من أن يؤدي غياب اليونيفيل إلى تغيير الواقع الميداني، خصوصا في المناطق التي لا ينتشر فيها الجيش اللبناني، أو التي لم تستكمل فيها ترتيبات الانسحاب والانتشار وفق الصيغ التجريبية السابقة.
ويحذر شحادة من احتمال استغلال إسرائيل غياب الشاهد الدولي لتكثيف عملياتها الجوية والبرية أو توسيع ما تسميه الحزام الأمني أو المنطقة الصفراء. ويرى أن مواجهة هذا الاحتمال تتطلب توثيق كل خرق بالصوت والصورة والإحداثيات، ورفع شكاوى فورية إلى مجلس الأمن، والاستفادة من ضغط الدول الصديقة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي يصفها بالدولة الضامنة لاتفاق الإطار، فضلا عن تعزيز انتشار الجيش اللبناني في النقاط الحساسة.
لكن السؤال الأساسي، وفق ما تطرحه المرحلة المقبلة، يبقى مرتبطا بمدى استعداد إسرائيل للانسحاب من المواقع التي لا تزال توجد فيها، وما إذا كان الانسحاب سيتم بصورة تدريجية تسمح للجيش اللبناني بالانتشار، أم أن بعض المناطق ستبقى خارج السيطرة الميدانية الكاملة للدولة. كما يبرز التساؤل بشأن مصير المناطق التجريبية التي لم تستكمل فيها ترتيبات الانسحاب، وما إذا كانت ستشكل نموذجا يمكن البناء عليه أم ستبقى شاهدا على تعثر تنفيذ الالتزامات.
ويؤكد شحادة أن الرادع الأساسي لأي تحرك إسرائيلي يبقى وجود جيش لبناني منتشر على الأرض، إلى جانب توثيق الانتهاكات وتحريك القنوات الدبلوماسية، محذرا من أن غياب آلية دولية محايدة قد يحول أي حادث ميداني إلى مواجهة مفتوحة على تفسيرات متضاربة.
وفي شأن الضمانات الدولية، يوضح شحادة أن لبنان لم يحصل حتى الآن على ضمانات مكتوبة وملزمة تضمن استمرار الرقابة الدولية بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، مشيرا إلى أن ما صدر عن فرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يندرج في إطار التعهدات باستمرار دعم الجيش اللبناني ماليا ولوجستيا ومواصلة الاهتمام بالملف اللبناني في مجلس الأمن.
ويرى أن المطلوب هو تحويل هذه التعهدات إلى قرار دولي واضح يحدد طبيعة الآلية البديلة للمراقبة، ويضمن استمرار متابعة الوضع على الحدود، وعدم تراجع الاهتمام الدولي بالجنوب. كما يشدد على أن العلاقة بين الجيش اللبناني والأمم المتحدة ستستمر، لكن طبيعتها قد تتغير من التنسيق الميداني اليومي إلى التواصل على مستوى القيادة في بيروت ونيويورك، وهو ما قد يحد من سرعة تبادل المعلومات ودقتها مقارنة بالدوريات المشتركة.
ويربط شحادة نجاح المرحلة المقبلة بقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها على كامل الجنوب، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وتأمين التمويل المستدام للجيش، وتوفير الغطاء السياسي الداخلي اللازم لتنفيذ مهامه. ويحذر من أن انتهاء المهمة الدولية من دون استكمال هذه الشروط قد يعيد لبنان إلى ظروف أمنية شبيهة بتلك التي سبقت عام 2006.
ويدعو الحكومة اللبنانية إلى إقرار خطة واضحة لانتشار الجيش تتضمن جدولا زمنيا محددا، وتأمين التمويل اللازم من الموازنة والمساعدات الدولية، وفتح حوار وطني حول استراتيجية الدفاع وحصر السلاح، إلى جانب التواصل مع مجلس الأمن لإقرار آلية بديلة للمراقبة. كما يشدد على أهمية تعزيز حضور الوزارات والمؤسسات الخدماتية في الجنوب، حتى لا يقتصر حضور الدولة على الجانب العسكري والأمني.
أما إلى سكان الجنوب، فيوجه شحادة رسالة تقوم على ضرورة التعاون مع الجيش اللبناني والتمسك بالأرض وعدم الاستسلام لفكرة أن مغادرة اليونيفيل تعني حتمية الفراغ الأمني. ويؤكد أن القوة الدولية أسهمت في دعم الاستقرار لأكثر من 45 عاما، لكن الاستقرار الدائم، في رأيه، يحتاج إلى دولة قادرة على حماية مواطنيها، وجيش يمتلك الإمكانات اللازمة، ودعم دولي لا يتوقف بانتهاء مهمة عسكرية.
في المحصلة، لا يبدو انتهاء مهمة اليونيفيل مجرد تغيير في طبيعة الوجود الدولي في لبنان، بل اختبارا مزدوجا لقدرة الدولة على تولي مسؤولياتها الأمنية، ولمدى استعداد المجتمع الدولي للحفاظ على الاستقرار ومنع نشوء فراغ في واحدة من أكثر مناطق المنطقة حساسية.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستسمح إسرائيل للجيش اللبناني بالانتشار في المناطق التي لا توجد فيها قواتها، وهل ستنفذ انسحابا تدريجيا من المواقع التي لا تزال تحتلها، بما يتيح للدولة استعادة سيطرتها على كامل أراضيها؟ أم أن غياب المراقبة الدولية سيمنحها هامشا أوسع للتحرك، ويجعل تحديد المسؤولية عن الانتهاكات أكثر صعوبة؟.
وبين هذه الاحتمالات، تبدو الحاجة ملحة إلى صيغة انتقالية واضحة تجمع بين انتشار الجيش اللبناني، واستمرار الدعم الدولي، وإنشاء آلية محايدة لتوثيق الخروقات، بما يضمن ألا يتحول رحيل اليونيفيل إلى بداية مرحلة من الغموض الأمني والسياسي، بل إلى مسار منظم يعزز سيادة الدولة ويحمي سكان الجنوب من مخاطر التصعيد.
المصدر : أ ش أ
