“النهار” اللبنانية : حين يصبح الاستنزاف بديلاً من القرار
مقالات وكتاب
“الرياض والقاهرة .. حين تتحدث الشراكة بلغة الإقليم”
زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة قبل أيام لا تزال تحظى باهتمام أصحاب الرأى بالصحف السعودية لما تتميز به العلاقات التاريخية بين البلدين من ثقل وأهمية كبيرة بالإضافة إلى حساسية توقيت الزيارة . الكاتب السياسي والاستراتيجي ثامر محمد سعيد كعكي كتب في مقاله بصحيفة “الرياض” السعودية تحت عنوان “الرياض والقاهرة .. حين تتحدث الشراكة بلغة الإقليم” ..
“ليست كل الزيارات السياسية تقرأ من بياناتها الرسمية؛ بعضها يقرأ من توقيتها، ومكانها، ومستوى حضورها، والملفات التي تطرح على الطاولة. ومن هنا تأتي أهمية زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى القاهرة، في لحظة إقليمية تتقاطع فيها حسابات الأمن والسياسة والطاقة والممرات البحرية، وتتغير معها موازين النفوذ في المنطقة”.
“فالعلاقات السعودية المصرية تجاوزت إطار التاريخ والمجاملات الدبلوماسية إلى مساحة تفرضها المصالح المشتركة، خصوصًا مع تداخل أمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس، وما يرتبط بها من حركة التجارة والطاقة والاستقرار الإقليمي”.
“وقد عكست مباحثات الأمير محمد بن سلمان والرئيس عبدالفتاح السيسي هذا المستوى من التنسيق، بما في ذلك التأكيد على أمن وحرية الملاحة في هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، ودعم مصر للإجراءات التي تتخذها المملكة لحماية أمنها واستقرارها. لكن الرسالة الأعمق تتجاوز تفاصيل الاجتماع”.
“ومن هنا، فإن زيارة القاهرة ليست مجرد تأكيد على متانة العلاقة بين بلدين شقيقين فقط، بل إشارة إلى أن التنسيق السعودي المصري يكتسب أهمية أكبر كلما ازدادت تعقيدات الإقليم. ففي السياسة، ليست كل الرسائل تكتب في البيانات؛ بعضها يصنعه التوقيت، وبعضها يكشفه الحضور، وبعضها لا يظهر إلا بعد انتهاء الزيارة”.
“كيف نستطيع توجيه التضامن معنا؟”
مع مرور العقود تكتسب القضية الفلسطينية زخما لتبقى هي لب الصراع في المنطقة , فالقضية الفلسطينية هي قضية الحق والعدل والإنسانية . ومنذ السابع من أكتوبر عام 2023 زاد التأييد الشعبي على مستوى العالم لمطالب الفلسطينيين أصحاب الأرض والحق وسقط قناع التضليل والزيف الإسرائيلي الذي روج لنفسه صورة الضحية على مدار 8 عقود . الكاتب عامر بدران رأى أهمية الاستفادة من هذا التطور النوعي في مقاله بصحيفة “الأيام” الفلسطينية وتساءل تحت عنوان “كيف نستطيع توجيه التضامن معنا؟” وقال :
“مثلي مثل غيري أعتقد أن العالم يقف معنا نحن الفلسطينيين، ويريد لمأساتنا أن تصل إلى نهايتها وأن يتم طيّ هذه الصفحة التي تصدّرت أجنداته السياسية والإعلامية على مدار عقود. لكن هنا لا بد من تحديد من هو هذا العالم، أي أن توصيفه بهذه الكلمة المجردة ليس كافياً ولا يعطينا أي انطباع، لذلك لا يجب الركون إلى أن «العالم» يقف معنا ثم الذهاب إلى نوم التأملات المتفائلة. فالعالم، في هذا الصدد، ينقسم إلى مؤسسات وأطر قانونية ورأي عام شعبي ومنظمات دولية، والكثير الكثير من الدول والحكومات، وهذه في غالبيتها تؤيد حقوقنا بمستويات مختلفة وبشروط متباينة. مقابل هذا القسم الذي نحبه ويحبنا هناك قسم آخر هو مراكز القرار الدولية، أو مراكز القوة التي تملك أدوات الإلزام”.
وصنف الكاتب في مقاله المتضامنين مع الفلسطينيين إلى أنواع ثلاثة أولهم يشمل 4 فئات “المتعاطفين”, “الداعمين سياسيا”,”الداعمين قانونياً ودبلوماسياً” و”الداعمين “اقتصادياً وإنسانياً” . وانتقل الكاتب في مقاله إلى التصنيف الثاني قائلا :
“التصنيف الثاني للتضامن مع الفلسطينيين وقضيتهم، والذي يستحق أن نفحص وضعنا تحته هو الاستمرارية، أي هل هذا التضامن ينشأ تحت ضغط حدث عابر أم هو سياسة ثابتة لا يمكنها أن تتغير لا في وقت الحرب ولا في وقت السلم، حتى وإن غلب عليها منطق الصعود والهبوط حسب الحدّة التي يمتاز بها الوضع السياسي”.
ونبه الكاتب بدران إلى أن “طبيعة التضامن تحت هذا التصنيف يمكن أن تكون موسمية، أي أن غزارة الدم والزيادة في بطش العدو تدفع الناس للخروج إلى الشوارع احتجاجاً ورفضاً، لكن مع أي انخفاض لحدة القتل أو لأعداد المقتولين اليوميين يختفي هؤلاء المتضامنون، ويعودون إلى شؤونهم اليومية”.
وفي إشارة إلى “مستوى التأثير، ومتى يكون هذا التضامن قادراً على إحداث الفرق” طرح كاتب المقال عامر بدران مجموعة من التساؤلات وقال :
“وهنا لا بد من أسئلة نقوم بتوجيهها إلى كل شكل من أشكال التضامن الواردة في تصنيفنا الأول؛ أسئلة من طبيعة: هل يستطيع هذا الشكل أن يغيّر الرواية الإسرائيلية مثلاً، هل هو قادر على خلخلتها لصالح روايتنا؟ نعم. هل هو قادر على تغيير سلوك المعتدي وجعله أقل إجراماً، وهل سيساهم في تقليل حجم المأساة؟ لا. هل يمكنه أن يغيّر من قرارات الدول المؤثرة ومراكز القرار، حالياً وفي المستقبل؟ ربما. وتوجيه التضامن مهمة صعبة، تقتضي أولاً فهم أن أقوى أشكال التضامن ليست هي الأكثر صخباً إعلامياً. بمعنى أن دولة تقوم بإجراءات تقييدية على تصدير السلاح أو التجارة البينية مع عدونا، أهم لنا بكثير من شباب يرسمون بطيخة بدل العلم، أو شاعر يكتب لنا قصيدة عمودية على البحر الطويل، مع شكرنا لهم بالتأكيد. أما السياسة فليس فيها لا شكراً ولا عفواً”.
“حسابات الكلفة”
تشهد المنطقة العربية صراعات وتطورات متلاحقة ومتسارعة يعجز العقل عن استيعابها إذ أن التكلفة أصبحت باهظة الثمن ويدفع ثمنها الشعوب . الكاتب جعفر العائدي في مقاله بصحيفة “الصباح” العراقية حذر من استمرار الصراع اليمني السعودي لما له من عواقب وخيمة ودعا إلى تغليب لغة الحوار والدبلوماسية وكتب تحت عنوان “حسابات الكلفة” ..
“في الصراعات والحروب لا أحد يدفع الثمن في لحظة واحدة من الزمن ، لأن الكلفة تتراكم ببطء في خزائن الدول، وفي الخوف الذي يسكن الشعوب، والأعوام التي تُسرق من عمرها. هكذا يمكن قراءة المشهد في اليمن حيث الحربٌ بدأت بحسابات عسكرية وسياسية، لكنها سرعان ما تحولت إلى معادلة أكبر من قدرة طرف واحد على حسمها”.
“دخلت المملكة العربية السعودية هذه الحرب وهي تنظر إلى اليمن من زاوية الأمن القومي. لأن الجغرافيا التي تفصل البلدين لم تكن بالنسبة إلى الرياض مجرد جدار عازل أمام صواريخ وطائرات مسيّرة تهدّد الأراضي والمنشآت السعودية. في المقابل تأكد عند الحوثيين أن استمرار المواجهة وسيلة لتثبيت موقعهم كقوة عسكرية وسياسية يصعب تجاوزها في أي ترتيبات مستقبلية لليمن بعد تجاوزها لحصار دام عدة أعوام”.
ثم أشار كاتب المقال جعفر العائدي إلى أن “اختزال المشهد اليمني في ثنائية “السعودية والحوثيين” خطأ فادح لأن الحرب منذ بدايتها كانت شبكة من القوى المحلية والإقليمية لكل منها حسابات ومصالح وأدوات” .. وتابع ..
“ربما يدفع اليمنيون الفاتورة الأعلى كلفة بشرياً بعدما أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 21 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية في عام 2026، نتيجة تفاقم الصراعات السياسية ، فيما قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الحرب وتداعياتها تسببت حتى السنوات القليلة الماضية بنحو 377 ألف حالة وفاة بصورة مباشرة وغير مباشرة، إضافة إلى خسائر اقتصادية ضخمة. والملاحظ هنا أن هذه الأرقام لا تختصر المأساة بقدر ما تكشف عن حجمها”.
وفي ختام مقاله قال : “في النهاية يبقى السؤال الأكثر أهمية هو من استطاع أن يخفض كلفة الحرب عسكرياً وسياسياً واقتصاديا وبشرياً ؟ فليس مهماً كم صاروخاً أطلق أو سقط وإنما المهم هو الذهاب إلى تسويات وتفاهمات تضمن للطرفين عدم زيادة كلفة الحرب على الشعبين الجارين وذلك من خلال وضع قواعد جديدة تتماشى مع التغيرات والتحولات على أرض الواقع”.
“حين يصبح الاستنزاف بديلاً من القرار”
مع انطلاق أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الجاري تتجه الأنظار إلى مدينة نيويورك حيث الاجتماعات والتصريحات واللقاءات والتي تأتي هذا العام في ظل عالم يموج بالحروب والصراعات. الكاتبة رغدة درغام حاولت بقلمها رصد كواليس هذه الاجتماعات المرتقبة لا سيما لقاء الرئيسين الصيني والأمريكي وكتبت في مقالها بصحيفة “النهار” اللبنانية تحت عنوان “حين يصبح الاستنزاف بديلاً من القرار” ..
“في نيويورك، يستمع إلى وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة. في واشنطن، يستقبل الرئيس الصيني شي جين بينج في الرابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر. بين الموعدين تُختبر الجدية الأمريكية، والقدرة الخليجية على مخاطبة واشنطن بصوت استراتيجي واحد، والمدى الذي ستذهب إليه الصين دفاعاً عن شراكتها مع إيران. الحصيلة ستحدد اتجاه الاستنزاف في العد التنازلي إلى الانتخابات النصفية الأمريكية وانتخابات إسرائيل: إما أن تستنزف واشنطن إيران اقتصادياً، أو تستنزف طهران الولايات المتحدة وحلفاءها بحرب معلقة وأذرع متحركة”.
“مفترق القرار لا يضع ترامب أمام خيارين مبسطين بين ضربة عسكرية وصفقة. فالاستنزاف يملأ فراغ الحسم: عمليات عسكرية متتالية ومحسوبة لا تعلن حرباً شاملة ولا تنهيها، بالتوازي مع حصار بحري وعقوبات وخنق مالي. الخطر أن تتحول الصيغة المؤقتة إلى نمط مفتوح يشبه ما سمّاه فلاديمير بوتين «عملية عسكرية خاصة» في أوكرانيا، ثم امتد سنوات. هذا ليس مرغوباً به خصوصاً عشية انتخابات نصفية للكونجرس الأمريكي في ظل أسعار طاقة مرتفعة، لكنه احتمال قائم ما دام الحسم غائباً وما دامت أطراف عدة ترى في إدامة الحرب ضماناً لبقائها”.
وسلطت الكاتبة رغدة في مقالها الضوء على الأهمية البالغة التي يحظى بها لقاء (ترامب – بينج) المرتقب وما ستحمله طاولة المفاوضات من ملفات ساخنة من بينها الرسوم الجمركية وتقنية الذكاء الاصطناعي وقضية تايوان وكذلك الصراعات في منطقة الشرق الأوسط وغيرها واصفة إياه بـ “الامتحان” وقالت :
“لن يقدم الأسبوع المقبل الجواب النهائي، لكنه سيكشف اتجاهه. سيستمع ترامب إلى الخليج، ثم يساوم الصين، ويراقب ما إذا كانت إيران ستقرأ الرسائل أو تراهن مرة أخرى على تردده. الاستنزاف مرشح لأن يكون سيد الساحة حتى انتهاء الاستحقاقات الانتخابية، لا لأن قراراً بالحرب الطويلة اتُخذ، بل لأن قرار الحسم لم يُتخذ. الرهان على مفاجأة موسمية ليس استراتيجية. الجدية الأمريكية تستطيع تغيير حسابات بكين. الوحدة الخليجية تستطيع منع الآخرين من تقرير مصير المنطقة بالنيابة عن أهلها. ما عدا ذلك أننا في صدد إدارة للاستنزاف، لا صناعة للقرار”.
“من الحمام الزاجل إلى الخوارزميات .. أين تقف الحقيقة؟”
الكاتبة تهاني روحي نقلت إلى قرائها في مقالها بصحيفة “الغد” الأردنية تجربة مشاركتها “في أروقة قمة دبي للإعلام والتي استمرت ثلاثة أيام” وكان “محورها مواكبة الإعلام للتطور والذكاء الاصطناعي”. وفي المقال استعرضت الكاتبة مخاوف أصحاب الرأي والقلم والمعلومة من التقدم التكنولوجي الهائل وتأثيره على المتلقي وكتبت تحت عنوان “من الحمام الزاجل إلى الخوارزميات .. أين تقف الحقيقة؟” ..
“التكنولوجيا هنا لا تطلب منا أن نثق بها ثقة عمياء، بل تساعدنا على التحقق منها. وهي صورة مختلفة عن الاعتقاد الشائع بأن المستقبل معركة بين الإنسان والآلة؛ فقد يكون مستقبل الإعلام، في أحسن حالاته، شراكة تؤدي فيها الآلة ما تتقنه، ويبقى القرار والمسؤولية في يد الإنسان”.
“ولعل الثقة هي المطلب الضروري، فنحن نعيش وسط سيل لا يتوقف من الأخبار والمنشورات ومقاطع الفيديو، ويستطيع المحتوى المضلل أن يسبق الحقيقة بمسافات. كما أن كثرة تكرار المعلومة قد تمنحها مظهر الحقيقة، من دون أن تجعلها صحيحة. لذلك قد لا تكون قيمة الإعلام في أن يصل بسرعة، بل في أن يمنح الناس سببا واضحا لتصديقه، مصدرا يمكن تتبعه، وسياقا لا يؤمن بأخبار مجتزأة”.
“ولا تقف الأسئلة عند المصداقية. فمن يملك المحتوى الذي تتغذى عليه نماذج الذكاء الاصطناعي؟ وهل تتحول سنوات من عمل الصحفيين والمصورين إلى مادة مجانية تعيد الآلة إنتاجها بلا مقابل؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يُنتحل صوت شخص أو تُصنع له صورة أو تصريح لم يصدر عنه؟ كانت هذه محور النقاشات في أروقة ومنصات قمة الإعلام”.
“مع ذلك، لم أخرج من القمة خائفة من المستقبل الإعلامي، بل أكثر اقتناعا بأن مقاومة التكنولوجيا لن توقفها، كما لم يوقف الخوف من الإنترنت انتقال الإعلام إليه. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يخفف الأعمال الروتينية، وأن يساعد الإعلام على اكتشاف قصص داخل كميات هائلة من المعلومات. لكن التفاؤل هنا مشروط. فالتكنولوجيا التي تختصر الوقت تستطيع أيضا أن تختصر الحقيقة إذا غاب التدقيق. ولهذا لن يكون المستقبل للآلة وحدها، ولا لمن يصر على العمل بعقلية الأمس، بل سيكون لمن يعرف كيف يستفيد من قوة الأدوات الجديدة دون أن يتخلى عن الحس الإنساني وميثاق الشرف الصحفي والذاكرة والسياق والمسؤولية”.
تحرير : منى شلتوت





