الخليج الإماراتية : الشارع الأمريكي يُعيد صياغة الديمقراطية
تتكشف ملامح المشهدين الدولي والإقليمي بين مساعي إعادة صياغة الديمقراطية الأمريكية ، ومحاولات منع انهيار التسويات في الأزمة الإيرانية، وصولاً إلى تفكيك الجذور السيكولوجية للتطرف؛ تأكيداً على أن استدامة الأمن وصون الدولة لا يتحققان إلا بتكامل المؤسسات مع تحصين البناء البشري.
الخليج الإماراتية : الشارع الأمريكي يُعيد صياغة الديمقراطية
بداية جولتنا اليوم مع الكاتب منصور جاسم الشامسي الذي يحاول تشخيص أسباب اندلاع الحراك الشعبي في أمريكا :
“تعيش الولايات المتحدة مخاضاً سياسياً يتمثل في مظاهرات مليونية رفعت شعاراً دستورياً حاسماً «لا للملوك» وهو الشعار الذي جاء كرد فعل شعبي مباشر على قرارات المحكمة العليا الأمريكية التي وسعت من نطاق الحصانة الرئاسية، ما أثار مخاوف قانونية عميقة من نشوء «رئاسة إمبراطورية» فوق القانون. ويعكس هذا الشعار تنامي التحذيرات في الأوساط السياسية والقانونية من التوسع غير المسبوق في الصلاحيات التنفيذية للإدارة الحالية، وتآكل نظام «الفصل بين السلطات» وضوابط الرقابة.”
ثم يستعرض المقال :
“بالتوازي مع ضغط الشارع، تقود المعارضة التشريعية داخل الكونغرس حراكاً حثيثاً ضد قرارات الإدارة الأمريكية. وفي خطوة تصعيدية بارزة في 19 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، طالب أعضاء ديمقراطيون في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ بالكشف عن التكلفة الحقيقية للحرب على إيران. ودعت المذكرة الرسمية وزارة الحرب (البنتاغون) إلى تقديم إجابات غير سرية للجمهور حول الأضرار التي لحقت بالقواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة، مؤكدين أن الشعب والكونغرس بحاجة لهذه المعلومات لتحديد خطوات التعافي من هذه «الكارثة».
وفي سياق متصل، أشار السيناتور كريس ميرفي إلى الأزمة الداخلية بالبنتاغون عقب خطوة وزير الحرب بيت هيغسيث بإقالة جنرالات كبار، قائلاً: «يبدو أن الجنرالات ذوي الخبرة يقولون لهيغسيث إن خططه للحرب على إيران غير عملية، كارثية ومميتة».”
ويختتم :
” إن حراك «لا للملوك» بامتداداته التشريعية والعسكرية يُثبت مجدداً أن الولايات المتحدة تعيش لحظة فارقة؛ حيث يرفض المجتمع بكافة أطيافه – من المتظاهر في الشارع إلى الجندي في الميدان والسيناتور تحت قبة الكونغرس – التخلي عن جوهر النظام الجمهوري الدستوري لصالح النزعات الفردية، مما يضع الإدارة الحالية أمام خيارات صعبة قد تعيد رسم الخريطة السياسية للبلاد في الانتخابات المقبلة.”
الأيام البحرينية : مفترق طرق
مازلنا مع الانتخابات النصفية الأمريكية ووجهة نظر أخرى يعرضها د. أحمد الخزاعي تهتم بقياس تأثير النتائج على الملفات الدولية الشائكة :
“تمثل الانتخابات النصفية الأمريكية محطة مفصلية في الحياة السياسية الأمريكية واختبارًا حقيقيًا لمزاج الناخبين وتقييمهم لأداء الإدارة الحاكمة بعد عامين من وصولها إلى السلطة.
وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة لأنها لا تقتصر على إعادة توزيع المقاعد داخل الكونغرس، بل تمتد آثارها إلى اعادة تشكيل السياسات الاقتصادية والأمنية والخارجية للولايات المتحدة خلال السنوات المتبقية من الولاية الرئاسية..”
ويواصل :
“في السيناريو الأول، إذا تمكن الحزب الديمقراطي من إحداث تحول انتخابي يمنحها السيطرة على إحدى الغرف التشريعية أو كلتيهما، فإن المشهد السياسي سيدخل مرحلة الانقسام الحكومي؛ وسيترتب على ذلك تقييد مباشر للأجندة التشريعية للبيت الأبيض، وفرض رقابة مشددة على القرارات التنفيذية للإدارة القائمة. كما ستنتقل قيادة اللجان البرلمانية الفاعلة إلى أيدي المعارضة، مما يمنحها سلطة استدعاء المسؤولين وفتح التحقيقات وتعطيل أو إبطاء التشريعات الكبرى المتعلقة بالموازنة، والضرائب، والإنفاق العام. وفي ظل هذا الواقع، سيتعين على الإدارة الاعتماد على سياسات المساومة والمرونة التفاوضية للتوصل إلى تسويات حتمية مع الكونغرس لتمرير حد أدنى من أولوياتها.
أما السيناريو الثاني، والمتمثل في احتفاظ الحزب الجمهوري بأغلبيته أو تعزيز نفوذه داخل الكونغرس، فإنه سيمنح الإدارة القائمة مساحة أوسع للمضي في تنفيذ أولوياتها السياسية والاقتصادية. وسيسهل ذلك تمرير التشريعات المرتبطة بالإنفاق الفيدرالي والميزانيات السنوية، ويمنح صناع القرار قدرة أكبر على تثبيت التعيينات القضائية والإدارية المهمة، فضلا عن تقليص احتمالات المواجهات الحادة المرتبطة بسقف الدين أو الإغلاقات الحكومية. غير أن هذا السيناريو لا يعني غياب التحديات بالكامل، إذ ستظل الاعتبارات الاقتصادية ومستويات التضخم وأسواق العمل عوامل رئيسية تحدد مستوى الدعم الشعبي خلال المرحلة المقبلة.”
ويختتم :
“وتبقى نتائج هذا الاستحقاق الانتخابي مرآة دقيقة لتحولات المزاج السياسي الأمريكي بين الرغبة في التغيير والحاجة إلى الاستقرار، وبين توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية أو فرض مزيد من الضوابط عليها. وفي جميع الأحوال، فإن ما ستفرزه صناديق الاقتراع لن يقتصر تأثيره على واشنطن وحدها، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي والتحالفات الدولية وملفات الأمن والاستقرار في مناطق عديدة من العالم، بما يجعل الانتخابات النصفية الأمريكية حدثا يتجاوز حدوده المحلية ليصبح مؤشرا على المسار الذي ستسلكه الولايات المتحدة ودورها في تشكيل ملامح النظام العالمي خلال السنوات القادمة.”
الأهرام : أزمة إيران.. الحل واضح.. لكن من يضمن تنفيذه؟
الكاتب محمد صابرين يتناول الأزمة الإيرانية، ويطرح السؤال الغائب عن النقاش العام : من يضمن تنفيذ أي اتفاق ويمنع انهياره مع تبدل الإدارات والحسابات السياسية؟ فيقول :
“في حوار مرهق مع مسئول إيراني مطلع، برزت مسألة تستحق أن تكون في صدارة النقاش حول الأزمة الإيرانية، وهي أن المشكلة ليست في غياب صيغة للحل يمكن التفاوض عليها، بل في السؤال الأصعب: من يضمن تنفيذ أي اتفاق، ومن يمنع انهياره عندما تتغير الحسابات السياسية أو تتبدل الإدارات في واشنطن؟ وأيضًا من يضمن سلوك إيران.
هذا السؤال يكشف جانبًا مهمًا من المعضلة التي يغفلها النقاش العام. فمعظم الاهتمام ينصرف إلى تفاصيل التسوية، من الملف النووي ومستويات تخصيب اليورانيوم إلى العقوبات والملاحة في مضيق هرمز، بينما تبقى الضمانات في مرتبة متأخرة، رغم أنها قد تكون العامل الحاسم في نجاح أي اتفاق أو فشله.”
ثم يوضح الكاتب :
“إلا أن الحوار، مهما اتسع، ومهما أفرز من أفكار ومقترحات للتسوية، لا يتحول تلقائيًا إلى ضمانات.
ففي النهاية هذه الأفكار تصطدم بالسؤال نفسه: إذا التزمت إيران، فمن يضمن استمرار تخفيف العقوبات؟ وإذا التزمت واشنطن الآن، فمن يضمن ألا تنسحب إدارة أمريكية لاحقة كما حدث سابقًا؟
أن إيران تريد ما يطمئنها إلى أن أي تفاهم لن يصبح مقدمة لضربة عسكرية جديدة، أو أن تتراجع واشنطن عن التزاماتها بعد أن تقدم طهران تنازلات.
وفي المقابل، تريد الولايات المتحدة وشركاؤها ضمانات قابلة للتحقق بشأن البرنامج النووي، ومعالجة المخاوف المتعلقة بأمن الملاحة ودول الخليج.”
ويختتم باقتراح :
“ولذلك، فإن المطلوب ليس بالضرورة العودة إلى الصيغة القديمة، وإنما التفكير في إطار أوسع للضمانات يستفيد من تجربتها، ويعالج نقاط ضعفها. ويمكن أن يبدأ ذلك بتوسيع دائرة المشاركة لتشمل دولًا من مجموعة العشرين، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، مع دور للأمم المتحدة في التحقق من الالتزامات وتوفير غطاء قانوني ودولي للتفاهمات.
إن غياب الضامن لا يعني استحالة الحل، لكنه يجعل أي اتفاق عرضة للتآكل والانهيار. فالتسوية المستدامة لا تحتاج فقط إلى إرادة سياسية لحظة التوقيع، بل إلى منظومة مصالح وآليات رقابة وتفاهمات دولية وإقليمية تحميها عندما تتغير الظروف.”
الصباح العراقية : سيكولوجية الإرهاب في العالم العربي
يؤكد الكاتب قاسم علي خضر أن العنف المسلح لا ينشأ فجأة، بل تسبقه تحولات نفسية وفكرية معقدة :
“في غرفة صغيرة أنهكت جدرانها آثار الحرب، يجلس شابٌّ يحدّق في صورة عائلته التي فرّقتها الأحداث. فقد بيته وانقطعت أحلامه، وأصبح المستقبل بالنسبة إليه سؤالاً بلا إجابة. وبينما يبحث عن معنى لما حدث، تمتد إليه يدٌ تعده بالقوة والانتماء، وتمنحه تفسيراً جاهزاً لألمه، وتخبره بأن العنف هو الطريق إلى استعادة كرامته. ليست هذه الصورة حكاية تختصر جميع مسارات التطرف، لكنها تفتح نافذة على سؤال إنساني بالغ التعقيد: كيف يمكن للألم والخوف والشعور بالخذلان أن تصبح مدخلاً تستغله الجماعات المتطرفة لاستقطاب بعض الأفراد؟
في العالم العربي، حيث عاشت مجتمعات عديدة تجارب الحروب والنزوح والتهميش، تبرز أهمية فهم سيكولوجية الإرهاب بوصفها مدخلاً ضرورياً لتفسير الظاهرة ومواجهتها. فالإرهاب لا يبدأ دائماً بانفجار أو بعمل مسلح، بل قد تسبقه تحولات نفسية وفكرية تتداخل فيها أزمات الهوية والإحباط مع خطابات التحريض والاستغلال الأيديولوجي. وفهم هذه المسارات لا يعني تبرير العنف، بل كشف آلياته والبحث عن وسائل أكثر فاعلية للوقاية منه.”
ثم يضيف شارحا :
“تُعد الحاجة إلى الانتماء والتقدير من الدوافع الإنسانية الأساسية. وعندما يشعر الفرد بالعزلة أو فقدان الأمل أو غياب فرص المشاركة، قد يصبح أكثر قابلية للتأثر بجماعات تقدم له شعوراً بالقوة والهوية والهدف.
وتستغل بعض التنظيمات المتطرفة هذه الحاجة، فتمنح أتباعها إحساساً بالمكانة، وتطرح تفسيرات مبسطة لمعاناتهم، وتحمّل الآخرين مسؤولية مشكلاتهم. لكن الفقر والبطالة والتهميش لا تؤدي تلقائياً إلى الإرهاب، إذ تتشكل مسارات التطرف نتيجة تفاعل عوامل متعددة، تشمل التجارب الشخصية والبيئة الاجتماعية والخطاب الأيديولوجي.”
ويختتم الكاتب برسم مقاربة شاملة :
“إن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تتطلب مقاربة شاملة تعزز التفكير النقدي، وتنشر ثقافة الحوار والتسامح، وتوفر خدمات الصحة النفسية، وتفتح أمام الشباب فرصاً حقيقية للتعليم والعمل والمشاركة المجتمعية.
كما تبرز أهمية دور الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية في مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز قيم التعايش واحترام الاختلاف، مع الالتزام بحقوق الإنسان وسيادة القانون.
إن فهم سيكولوجية الإرهاب في العالم العربي يبدأ بإدراك أن التطرف لا ينشأ من عامل واحد، ولا يمثل نتيجة حتمية للمعاناة أو التهميش. فبين الألم والعنف مساحة يمكن أن تتدخل فيها الأسرة والمجتمع والمؤسسات لحماية الأفراد من الاستغلال الفكري والنفسي.
وفي نهاية المطاف، لا تُقاس قوة المجتمعات بقدرتها على مواجهة العنف بعد وقوعه فحسب، بل بقدرتها على منع أسبابه، ومداواة جراح أبنائها، ومنحهم أملاً حقيقياً بالمستقبل.
فحين يجد الإنسان من يسمعه، وبيئة تحترم كرامته، وفرصة يبني بها حياته، تتراجع المساحة التي يستغلها المتطرفون لإقناعه بأن الكراهية طريق للخلاص، وأن العنف وسيلة لإثبات الوجود.”
تحرير : مروة عبد الحفيظ




