الأنباط الأردنية : لا يهم لون القط…المهم أن يصطاد الفئران
حماية المجتمعات وبناء المستقبل يستوجبان ترسيخ دولة المؤسسات والسيادة الوطنية، وتطبيق معايير الكفاءة والإنجاز في الإدارة، بالتوازي مع التصدّي للانحيازات الدولية وتغول المادية التجارية على حساب حقوق المواطن الأساسية .. هذا مضمون ما نتناوله اليوم في جولتنا مع مقالات الرأي في الصحف العربية .
استباحة الجنوب واختطاف السيادة: كيف تحول لبنان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟
يتناول الدكتور عادل مشموشي في مقال من صحيفة “اللواء” اللبنانية المأساة الممتدة في جنوب لبنان، مشدداً على أن مواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر وإعادة إعمار القرى المدمّرة لن يحققا الاستقرار الحقيقي ما لم تُعالج الجذور السياسية والاستراتيجية التي جعلت قرار الحرب والسلم يتسرّب من أيدي مؤسسات الدولة الشرعية .. فيبدأ برصد مشهد الدمار :
“الجنوب يحترق، والناس تهجّر، والبيوت تُدمّر، والقرى تتحوّل تدريجياً إلى مساحات معلّقة بين وقف هش لإطلاق النار واحتمال تجدّد الحرب. ففي السابع من أيلول 2026 وحده، أدّت الغارات الإسرائيلية على كفر رمان إلى سقوط ما لا يقل عن اثني عشر قتيلاً، في واحدة من أكثر موجات القصف دموية منذ أسابيع، فيما استمرت العمليات الإسرائيلية في مناطق جنوبية عدة، رغم الترتيبات الدبلوماسية والمساعي التفاوضية الهادفة إلى وقف الأعمال العدائية.”
ثم يحدد الكاتب مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي الاستغلالية للتوازنات الدولية، وفي الوقت نفسه يتساءل بوضوح عن المسائل السياسية والقرارات الداخلية التي أتاحت هذا الاختراق:
“ولا يمكن، بطبيعة الحال، تناول ما أصاب لبنان من قتل ودمار من دون تحميل إسرائيل مسؤوليتها الكاملة عن اعتداءاتها وانتهاكاتها المتكررة للسيادة اللبنانية. فمنذ عقود، ولا سيما بعد حرب غزة وما رافقها من تصعيد إقليمي، انتقلت إسرائيل تدريجياً من احتواء التهديدات المحيطة بها إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في المنطقة وفق مصالحها، مستفيدة من تفوّقها العسكري، ومن الدعم الأميركي، ومن الانقسامات الإقليمية والدولية، ومن ضعف الدور العربي وغياب موقف دولي حاسم قادر على فرض احترام قواعد القانون الدولي.
غير أن تحميل إسرائيل وحدها مسؤولية المأساة اللبنانية لا يجيب عن السؤال الأعمق: من سمح أصلاً بأن يصبح قرار الحرب في لبنان قابلاً لأن يُتخذ خارج مؤسَّساتِ الدَّولة؟ ومن يتحمَّلَ المسؤوليَّةَ السياسِيَّة عن الخيارات التي قادت إلى هذه النتائج الكارثيَّة؟”
وينتقل المقال لتفكيك مسألة السلاح وخروجه عن إطار الدفاع الوطني ليلتحق بحسابات المنظومة الإقليمية، مما عزل لبنان عن عمقه العربي الأصيل:
” ويستند قادة حزب الله في الدفاع عن خياراتهم إلى سجل المقاومة، وإلى الدور الذي أداه الحزب في مواجهة إسرائيل وإجبارها على الانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000. ولا يمكن إنكار هذا التاريخ أو تجاهله، كما لا يصح إنكار التَّضحياتِ التي بذلها الجنوبيون في مواجهة الاحتلال. لكن الإنجازات التاريخية، مهما كانت أهميتها، لا تمنح أيَّةَ قوة سياسيَّةٍ حصانةً دائمة من المساءلة عن خياراتها اللاحقة. فالسياسة لا تُقاس فقط بما حققته في الماضي، وإنما أيضاً بالنتائج التي تفضي إليها في الحاضر.
وما كان يمكن تبريره في ظروف دولية وإقليمية معينة لا يصبح بالضرورة صالحاً لكل زمان ومكان، ولا سيما عندما يتوسّع دور أي تنظيم مسلح من مقاومة الاحتلال إلى المشاركة في صراعات إقليمية تتجاوز حدود لبنان. وهنا تكمن المشكلة الأساسية: إذ لم يعد السلاح مرتبطاً حصراً بتحرير الأراضي اللبنانية والدفاع عن السيادة، بل أصبح جزءاً من منظومة إقليمية أوسع، الأمر الذي جعل لبنان طرفاً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في صراعات تتجاوز قدرته على التحكّم بمساراتها ونتائجها. ولم تقتصر انعكاسات هذا التموضع على الجوانبِ العسكريَّةِ والأمنيَّة، بل طالت علاقة لبنان بمحيطه العربي، وأضعفت قدرته على الاستفادة من الدعم السياسي والاقتصادي والمالي الذي كان يشكّل تاريخياً أحد أهم عناصر قوة لبنان واستقراره.”
كما يسلط المقال الضوء على خطورة القطيعة مع الدول العربية جراء الممارسات السياسية والخطابات العدائية الشائعة خلال السنوات الماضية:
“لم تكن تلك المواقف تُقرأ في الخارج باعتبارها مجرد آراء حزبية منفصلة، بل كانت تُفسَّر أحياناً باعتبارها جزءاً من المشهد السياسي اللبناني، وهو ما ساهم في إضعاف الثقة بلبنان وتراجع علاقاته العربية والدولية. وليس من الواقِعي أن يطلب لبنان من أشقائه العرب الوقوف إلى جانبه في لحظة الخطر، فيما كان جزء من خطابه السياسي يتعامل معهم بوصفهم خصوماً، أو يحمّلهم مسؤولية أزمات لبنان، في الوقت الذي كان فيه الاملاءات خارجيَّة.”
ويؤكد الكاتب أن العودة للعمق العربي وحصر السلاح بالجيش اللبناني تحولا إلى شرطين إلزاميين للاستقرار واستعادة عافية الدولة:
“ومن هنا، فإن استعادة لبنان لموقعه الطبيعي في عمقه العربي ليست ترفاً سياسياً، بل شرط من شروط استعادة عافيته الاقتصادية والسياسية والأمنيَّة. فلبنان لا يستطيع أن يعيش معزولاً عن محيطه العربي، وكلما ابتعد عنه ازداد ارتهانه لحسابات خارجية، وكلما انخرط في محاور إقليمية ضاقت قدرته على إقامة علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي.”
ويرى د. مشموشي أن حماية المستقبل تفرض الشجاعة في الانتقال نحو العمل السياسي المؤسسي تحت مظلة الجيش والشرعية الوطنية:
“وفي ظل التفاوت الكبير في القدرات العسكرية، تبدو النافذة الأكثر واقعية للإنقاذ هي المسار الدبلوماسي والتفاوضي الذي تديره الدولة وحدها، لا هدنة مؤقتة تتيح إعادة إنتاج الحرب بعد أشهر. فمعالجة مأساة الجنوب لا تكون بإدارة النزوح، ولا بفتح صناديق الإعمار بعد كل حرب، بل بإزالة الأسباب التي تجعل الحرب ممكنة ومتكررة. “
ويختتم الكاتب مقالته بالتأكيد على أن حماية الأرض والإنسان لا تتحقق بالإدارة المؤقتة للخراب، بل بتولّي الدولة زمام سلطتها الحصرية وسيادتها الكاملة:
” لقد آن الأوان لأن ينتقل لبنان من إدارة الخراب إلى منع تكراره، ومن إحصاء الخسائر إلى معالجة أسبابها، ومن البحث عن ممولين لإعادة الإعمار إلى بناء دولة تمنع أن تتحول مدنها وقراها مرة أخرى إلى ساحات حرب.
وحدها الدولة القادرة على امتلاك قرارها، وحماية حدودها، وإدارة علاقاتها، وممارسة سيادتها على كامل أراضيها، تستطيع أن تنقذ الجنوب. وما عدا ذلك ليس إنقاذاً، بل تأجيلٌ للمأساة إلى حروبٍ أخرى.”
المزدوج الخادع للغرب: زوبعة اليمين الألماني في مقابل التواطؤ مع الفاشية الصهيونية
صحيفة “القدس العربي” نشرت مقالا بعنوان ” أقصى اليمين في أوروبا وإسرائيل ” يقدم فيه الكاتب جلبير الأشقر قراءة تحليليّة للمقاربة الغربية المزدوجة في التعامل مع صعود اليمين المتطرف ، مستنكراً الضجة الإعلامية الهائلة حول الانتخابات المحلية لأحد الأحزاب بداخل ألمانيا، في مقابل الصمت والدعم الممنوحين لليمين الصهيوني المتطرف وحرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني .. فيقول :
“«زلزال»، «صدمة عظمى»، «كارثة سياسية»، تلك بعض الأوصاف التي تداولتها وسائل الإعلام الغربية في وصفها لفوز حزب «البديل من أجل ألمانيا» في انتخابات ولاية سكْسن-أنهالت (وهي كتابة أقرب إلى الأصل الألماني من سكسونيا أو ساكسونيا التابعتين للتسمية الإنكليزية).
وبالرغم من أن استطلاعات الرأي كانت قد أكّدت على الفوز الأكيد للحزب المذكور قبل الاقتراع بأسابيع عديدة، جرى التعامل مع هذا الحدث وكأنه انقلاب هائل في أحوال العالم. والحقيقة أنه حدثٌ محدود الأهمية، مفاده أن إحدى جماعات أقصى اليمين الأوروبي، الذي بات حاكماً في عدد من الدول الأوروبية، منها إيطاليا، وينذر بأن يفوز بالحكم في بلدان أخرى، ومنها فرنسا في العام القادم، فازت في انتخابات ولاية ألمانية لا يزيد عدد سكانها عن المليونين ونيّف ولا يمثّلها في مجلس النواب الألماني سوى 16 نائباً من أصل 630. “
ثم يحلل المقال أثر أحداث أكتوبر في تسريع الانزلاق اليميني داخل المشهد الإسرائيلي الشامل وضياع اليسار التقليدي تماماً:
“وقد أسرعت عملية السابع من أكتوبر/ تشرين الأول انعطاف المجتمع والدولة الإسرائيليين نحو اليمين الأقصى، وهو مسارٌ طويل الأمد بدأ مع فوز الليكود للمرة الأولى في انتخابات الكنيست في عام 1977 وتجلّى في أن بقي هذا الحزب محتفظاً بالحكم طوال معظم السنوات المنصرمة منذ تلك السنة، مع مشاركة جماعات أخرى من اليمين الصهيوني بما فيه أقصاه في الحكومة خلال تلك الفترة. والنتيجة هي أن المشهد السياسي الإسرائيلي برمّته انزلق يميناً بحيث أن ما كان يُحسب أنه يشكّل اليسار الصهيوني، أي حزب العمل، وهو الذي أشرف على تأسيس الدولة الصهيونية وعلى حكمها طوال العقود الثلاثة الأولى من عمرها، تقلّص إلى حجم حزب ثانوي تحت تسمية جديدة («الديمقراطيون»)، لا يحوز سوى على أربعة من أصل 120 مقعداً في الكنيست.”
وينتقل الكاتب ليستعرض الأسماء والمنافسين المفترضين لنتنياهو ليثبت غياب أي فرق جوهري أو اعتدال حقيقي بين قيادات الكيان:
“أما الرجلان اللذان ينظر إليهما الإعلام على أنهما منافسا نتنياهو الأكثر حظاً في الانتخابات المزمع إجراؤها في نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول القادم، فيكادان لا يختلفان عنه في موقفهما من القضية الفلسطينية والسياسة الإقليمية. أحدهما، نفتالي بينيت، يميني متطرّف هو الآخر، كان عضواً في الليكود قبل أن ينشق عنه إلى يمينه على أساس «الصهيونية الدينية». والآخر، غادي أيزنكوت، أحد أبرز جنرالات الجيش الصهيوني الذين شاركوا في كافة الحروب الإجرامية التي خاضتها دولتهم، ومنها الحروب على لبنان وعلى غزة مروراً بقمع الانتفاضتين في الأراضي المحتلة سنة 1967. وقد ارتبط اسم أيزنكوت بما يُعرف بتسمية «استراتيجية الضاحية»، أي تعمُّد تدمير البيئة المدنية التي تشكّل حاضنة العدوّ الشعبية، وهي جريمة حرب بامتياز أشرف أيزنكوت على تطبيقها في عدوان عام 2006 على لبنان، سعياً وراء تدمير «حزب الله»، وقد مهّدت لحرب الإبادة والتدمير الشامل في غزة التي شارك هو بالذات في الإشراف عليها خلال أشهرها الأولى.”
ويرصد الأشقر امتداد الانزلاق نحو التكيّف مع هذا التطرف ليشمل القوائم والأحزاب العربية داخل الخط الأخضر عبر القائمة الموحدة:
“ولا يتوقف الانزلاق اليميني في المجتمع الإسرائيلي على الأحزاب اليهودية، بل طال أيضاً حزباً عربياً هو جماعة «القائمة الموحدة» المنحدرة من «الحركة الإسلامية في إسرائيل» والتي يتزعمّها منصور عبّاس. فبعد انشقاقها في مطلع عام 2021 عن «القائمة المشتركة» التي ضمّت سائر الأحزاب العربية، شاركت جماعة عبّاس في الحكومة الصهيونية التي ترأسها نفتالي بينيت في ذلك العام وحتى نهاية العام التالي، حين عاد نتنياهو إلى تولّي الحكم. وتفتخر جماعة عبّاس هذا العام بأنها أدرجت في «القائمة الموحدة» في المرتبة الثانية بعد عبّاس، ضابطاً سابقاً في الشرطة الإسرائيلية وعضواً سابقاً في حزب يائير لبيد، اسمه يوآف سيغالوفيتش.”
ويختتم الكاتب مقالته بتفنيد الرهانات السياسية القائمة على مناورة التوازنات السياسية بين أحزاب اليمين الصهيوني:
“فبعد سابقة انضمام حزب عربي إلى حكومة صهيونية، ها أن جماعة عبّاس تتميّز بإنجاز سابقة ثانية، هي إدراج مرشّح صهيوني في قائمة عربية. وإذا كان بإمكاننا تفهّم إحجام الأحزاب العربية المناهضة للصهيونية والمنضوية في إطار «القائمة المشتركة»، إحجامها عن استخدام لغة التخوين تفادياً لتعميق الشرخ في المجتمع الفلسطيني داخل أراضي 1948، تبقى الحقيقة الجليّة للعيان أن جماعة عبّاس خانت وتخون المناهضة الفلسطينية والعربية للصهيونية، وذلك في وقت يشهد شطط هذه الأخيرة نحو اليمين الأقصى. فإن المراهنة على التأثير في السياسة الإسرائيلية باللعب على التوازنات بين الأحزاب الصهيونية بدل السعي لتشجيع انسلاخ أكبر عدد ممكن من اليهود الإسرائيليين عن الصهيونية، إنما هي مراهنة محكومة بالفشل، وقد جرى تجريبها ولم تفلح قط في الحؤول دون انزلاق المجتمع الصهيوني إلى أقصى اليمين.”
فلسفة القطط والفئران في الإدارة: كيف تتجاوز الدول تقديس الشعارات إلى معيار الإنجاز؟
وإلى صحيفة “الأنباط” الأردنية اخترنا لكم مقالا بعنوان ” لا يهم لون القط…المهم أن يصطاد الفئران” بقلم البروفيسور عبدالله سرور الزعبي .. يشرح خلاله الجوهر الفلسفي والتطبيقي للإدارة الناجحة، مؤكداً أن العبرة في تولي المسؤوليات وإدارة مؤسسات الدولة ليست بالمرجعيات الأيديولوجية أو المظاهر والعلاقات الشخصية، بل بالقدرة على تحقيق نتائج ملموسة وحل المشكلات المعقدة . . واستحضر الصين كنموذج :
“وأنا أقرأ عن نهضة الصين خلال العقود الأخيرة، من دولة فقيرة ومنهكة إلى قوة عملاقة، استوقفتني عبارة دنغ شياو بينغ: “لا يهم لون القط، المهم أن يصطاد الفئران”، ردًا على منتقديه في اختيار قيادات لا تتفق أيديولوجيًا مع الحزب. وهنا يمكن للمرء أن يتساءل: كيف تختصر جملة تبدو أقرب إلى مثل شعبي فلسفة كاملة في صناعة القرار وإدارة المؤسسات؟ فدنغ لم يكن يتحدث عن القطط ولا الفئران اصلاً، بل عن فلسفة في القيادة والادراة: فقيمة الوسيلة لا تُقاس بلونها ولا بمصدرها ولا بتصنيفها الأيديولوجي، بل بقدرتها الفعلية على تحقيق الهدف.
وفي التراث الإسلامي قاعدة شديدة الوضوح في اختيار من يتولى المسؤولية: لا تكفي التقوى وحدها، كما لا تكفي الكفاءة وحدها؛ بل لا بد من اجتماع القدرة والأمانة. ولعل أبلغ مثال على ذلك موقف رسول الله ﷺ من أبي ذر الغفاري؛ ذلك الصحابي المعروف بالزهد والصدق والورع، الذي طلب من النبي ﷺ أن يوليه، فلم يجامل مكانته ولا صلاحه، بل قال له: “يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها”. وهنا تكمن دلالة بالغة: أبو ذر كان من كبار الصحابة، معروفًا بالصدق والزهد والورع والتقوى، ومع ذلك لم يرَ النبي ﷺ أن هذه الصفات وحدها تؤهله لتولي الولاية. وهذا هو المعنى ذاته الذي قررته الآية الكريمة: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾؛ أي أن الاختيار الرشيد يحتاج إلى قوة في الأداء وأمانة في المسؤولية.
والقوة هنا لا تعني القوة الجسدية فقط، وإنما القدرة والكفاءة والمهارة على أداء المهمة، بينما الأمانة تعني النزاهة وحفظ الحقوق وتحمل المسؤولية. ومن هنا، فإن وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب ليس مفهومًا إداريًا حديثًا فحسب، بل مبدأ أصيل في التاريخ: الأمانة بلا قدرة قد تعجز، والقدرة بلا أمانة قد تفسد، أما اجتماع القوة والأمانة فهو معيار الاختيار.”
ثم ينتقل الكاتب للحديث عن تجارب نهوض الأمم عبر البدء بتحديد المشكلات أولاً قبل الانشغال بالأسماء والأشخاص:

“من هذه الزاوية، تصبح قصة الصين قصة تحوّل في التفكير: من تقديس الشعارات إلى اختبار النتائج، ومن الدفاع عن الخيارات السابقة إلى تعديلها حين تفشل، ومن اختيار الأشخاص بالأسماء والعلاقات والايدولوجيا إلى سؤال أكثر إنصافًا: ماذا أنجزوا فعلًا؟ وهي حكمة تستحق أن تُقرأ خارج سياقها الصيني، كسؤال في إدارة مؤسسات الدول: هل نُعنى باللون أكثر من عنايتنا بالقدرة على حل المشكلات؟ فالدول تنهض حين يصبح الإنجاز معيار الاختيار، والنتيجة معيار التقييم.
وهنا تحضر مقولة نعوم تشومسكي “لا يوجد شيء اسمه بلد فقير، يوجد نظام إدارة فاشل في إدارة الموارد”. فالفقر، كما أثبتت تجربة الصين، لم يكن قدرًا جغرافيًا بل نتاج نظام إداري، وحين تغيّر النظام الاداري تغيّرت النتيجة.”
ثم يسقط الكاتب هذه الفلسفة الإدارية على الواقع الأردني وتحدياته الهيكلية في قطاعات الماء، الطاقة، والتعليم، والبطالة:
“من هنا تبدأ الحكاية الأردنية بكل ما فيها من فرص وتحديات، ويصبح السؤال ملحًّا: ما المشكلات التي نريد حلّها؟ الماء لا يحتمل التأجيل: كم يصل فعلًا للمواطن وبأي كلفة؟ والطاقة تحتاج أرقامًا واضحة عن الإنتاج المحلي للنفط والغاز وغيرها، والاستيراد والتكلفة الفعلية، وما يتحول من موارد وطنية إلى قيمة مضافة وفرص عمل وإيرادات، والتعليم الأخطر، لأن خسارته تظهر في إنتاجية جيل كامل، فيجب أن يُقاس بما يتعلمه الطالب فعلًا لا بعدد الخطط، والقرارات المتلاحقة. والبطالة تحتاج وظائف منتجة لا خفض نسبة إحصائية. والبيروقراطية كلفة صامتة وفرصة ضائعة. ثم يأتي النمو والإنتاجية والاستثمار كمحددات لقدرة الدولة على تمويل مستقبلها. فنحن لا نحتاج فقط أن نسأل: من هو الشخص الذي اخترناه؟ بل: هل أعطيناه الفرصة الكافية ليصطاد؟ وهل أمضى سنوات في موقعه دون صيد ثمين؟ وهل تخبط في القرارات ذات اليمين والشمال؟ المعيار ليس الاسم ولا العمر ولا اللون السياسي، ولا العلاقات، بل القدرة على نتيجة قابلة للقياس ضمن صلاحيات ووقت واضحين.
ويجب هنا الدقة والإنصاف: ليس كل إخفاق تقصيرًا، فقد تتأثر النتائج بالموارد والصلاحيات ومقاومة مؤسسية للتغيير. لكن الخطر يبدأ حين تغيب معايير الاختيار الواضحة، فيصبح الانطباع أقوى من سجل الأداء الموثّق، وتصبح المعرفة الشخصية أهم من معرفة ما يستطيع أن ينجزه فعليًا. ومن المهم التمييز بين إخفاق ناتج عن قرار جريء اتُخذ بأفضل معلومة متاحة واوقف لاسباب مختلفة، وبين تكرار النتائج الضعيفة نتيجة ضعف إداري فعلي وسياسة الوعود والمجاملة وغياب المتابعة. كما أن الإصلاح نفسه غير مريح احياناً، لا لأنه خاطئ في جوهره، بل لأنه يغيّر عادة راسخة، فتلجاء بعض الادارات الى اسلوب المراهنة على انقضاء الوقت بهدوء، لا المواجهة المزعجة.”
ويواصل المقال تفكيك آليات القياس في التحديث الاقتصادي والرؤى الملكية التوجيهية للوصول للأثر الملموس:
“وهذه الفكرة تكتسب أهمية مضاعفة للأردن اليوم. في التعليم، لا يكفي تغيير الخطط والمسميات المتلاحقة، إذا لم تتحسن جودة التعليم، ولا تؤسس جيل يستطيع المنافسة بجدارة في اقتصاد المعرفة وعصر الذكاء الاصطناعي المتسارع؛ وقد أطلق الأردن الخطة الاستراتيجية للتعليم 2026-2030، لكن الصيد الحقيقي يبدأ حين نقول فعلًا: ارتفع مستوى التعلّم وتحسنت جودة إعداد المعلمين، وارتبط التعليم بسوق العمل. وفي المياه، يجب أن يُعامل كل متر مكعب كأصل استراتيجي، وكل دينار يُنفق يجب ان يتحول فعليًا إلى خدمة أفضل. وفي الاقتصاد: هل ارتفعت الإنتاجية والصادرات وزادت الاستثمارات فعلًا، وهل يشعر المواطن بالأثر في حياته اليومية؟ وفي الطاقة والثروة المعدنية، لا يُقاس النجاح بعدد الاتفاقيات أو الإعلانات الاحتفالية، بل بالإنتاج الفعلي والإيرادات؛ فمثلًا يشير احد تقارير شركة البترول لعام 2025، إلى ان عدد الابار المحفورة والجاري العمل عليها وصل الى 74 بئرًا في الريشة، وخطة لحفر 80 بئرًا جديدة ووعود برفع الإنتاج إلى 418 مليون قدم مكعب يوميًا عام 2029 (بحسب تصريحات وزير الطاقة)، وكلنا سنكون سعداء ان تحقق ذلك، الا ان هذا يستدعي معرفة الإنتاج الفعلي اليومي، والإيرادات الفعلية، وعدد الآبار المنتجة فعلًا، وكم ينتج كل واحدأً منها؟ وفي الإدارة العامة، السؤال: كم إجراءً ألغينا، وكم خدمة أصبحت رقمية، وكم يومًا اختصرنا من رحلة المواطن؟ فالهدف ليس أن نعلن أننا نحارب البيروقراطية، وإنما أن يشعر المواطن فعلًا بأنها تراجعت. أما الترهل الإداري فيعيش سنوات دون أن يراه أحد، والسؤال يجب أن ينتقل من “من يشغل الموقع؟” إلى “هل ما زال الموقع نفسه ضروريًا؟”.
ويرسم المقال إطار الحل المباشر لمعالجة التدوير الوظيفي والوعود غير المحققة لربط المناصب بالنفع العام والمساءلة الموضوعية:
” وحين يتحول تدوير بعض الأشخاص بين المواقع إلى عادة بلا نتائج، ودون مساءلة حقيقية، ويبدأ التخوف من ان ينطبق على المجتمع ما قاله عبدالوهاب المسيري: “عندما يدرك الناس أن الدولة تُدار لحساب نخبة وليس لحساب الأمة، يصبح الفرد غير قادر على التضحية، وينصرف للبحث عن مصلحته الخاصة”. وهذا بالضبط ما يجب أن نتجنبه: أن يتحول غياب المعيار إلى قناعة عامة بأن الموقع حق مكتسب ومحسوم، لا مسؤولية.
وثمة مشكلة أخرى تعيش في ذاكرة الناس: الوعود الاستثمارية بالمليارات منذ نحو عقد، وقيل بانها ستغير وجه الاقتصاد وتوفر آلاف فرص العمل، والتي اختفى معظمها دون توضيح ما حدث لها، ومن كان مسؤولًا عن الاعلان وقتها ومتابعته؟ واليوم، نسمع عن فرص واعدة في النفط والغاز واليورانيوم والتعدين وغيرها، فالفرق بين الوعد والاكتشاف والإنتاج، والاستثمار، لا تصنعه المؤتمرات، بل الآبار المنتجة فعلياً، وكميات الانتاج، والإيرادات التي تحققت والوظائف التي ظهرت. والحل أن يكون لكل وعد رقم واسم واضح ومرحلة تنفيذ ومسؤول متابعة ومسألة حقيقية اذا لم تتحقق الوعد.”
ويختتم الكاتب مقالته بالدعوة إلى ترسيخ العقد الإداري الجديد القائم على حسم النتيجة وتجاوز الأقوال إلى الأفعال:
” وربما تكون المشكلة الأعمق أن يعتاد البعض وجود المشاكل أو يستفيد من وجودها، فيتحول القائد الساعي للاصلاح إلى مصدر إزعاج؛ وهنا لا يكفي إحداث التغيير، بل يجب مراجعة تصميم المؤسسة نفسها. فأن يطلب من القائد أن يصطاد، وفي الوقت ذاته نمنعه من الاقتراب من هذا أو ذاك، ثم نسأله لماذا لم تتحسن المؤسسة، فهذه ليست مشكلة المسؤول، بل مشكلة تصميم المؤسسة نفسها.
فالسؤال بعد اليوم ليس من يعرف المشكلة أو يستطيع الحديث عنها، بل من يستطيع أن يغيّر الرقم فعلًا: من يزيد كميات المياه، ويخفض الفاقد التعليمي، ويرفع مستوى التعلّم، ومن يحوّل استثمارًا متعثرًا إلى مشروع منتج؟ عندها يصبح الاختيار قائمًا على الكفاءة، والمساءلة عادلة، والتحديث قابلًا للقياس. “
خريف الأعباء وارتعاش الجيوب: كيف تحول شهر سبتمبر إلى كابوس سنوي لأولياء الأمور؟
شهر سبتمبر هو بداية فصل الخريف , وقد ارتبط ببداية العام الدراسي وما تتحمله الأسر من أعباء اقتصادية ونفسية ضاغطة .. هذا ما يسلط الضوء عليه الكاتب علاء الغطريفي في صحيفة المصري اليوم مؤكداً أن منظومة التعليم تحولت لدى الكثير من المؤسسات إلى أداة استغلال وتجارة محضة تستنزف ميزانيات أولياء الأمور بعيداً عن جوهر التعليم ورسالته .. ويعبر عن ذلك بشكل مميز :
“فى أنشودة المطر، يقول الشاعر العراقي بدر شاكر السياب: «وارْتِعَاشَةُ الخَرِيف، وَالمَوْتُ، وَالميلادُ والظلامُ، وَالضِّيَاء»؛ ذلك الوصف عن الخريف قد يناسب فى جانبٍ منه شهر سبتمبر لدى أولياء الأمور فى مصر، فهنا ترتعش الجيوب وتُطحَن العظام، ولكن لا يحضُر الضياء!.
مع سبتمبر، لا هدوء كما يحدثنا الخريف، فهنا الخريف قاسٍ، صاخب، ملتهب، يحرق العقول والقلوب من فرط الضغوط والحاجة، فى هذا الشهر لن تسقط ورقة لتعلن ميلادًا جديدًا، بل تسقط ورقة لتعلن ميلاد الضجر والضيق، مع بؤسٍ وإحباطٍ يصحبه سؤالٌ وجودى: لماذا يحدث ذلك معنا؟ ومَن يحمى الإنسان من أخيه الإنسان فى عالم المدارس التى لم تعد مدارس؟!”
ثم يفصل المقال تفاصيل ومكونات هذا “الخريف المدرسي” القاسي، محذراً من تحول العملية التعليمية إلى مجرد مظاهر وشكليات مكلفة على حساب المضمون:
“فى وصفة الخريف المدرسى، تحيط الظلمة بالآباء من جحيم الأقساط و«السابلاى ليست» والتغذية والانتقالات والدروس، فى ذلك الخريف نتحدث عن كل شىء.. إلا التعليم نفسه.. فهناك مبانٍ ومكاتب وفصول وتلاميذ، كأنه تعليم.. فى حين أن الواقع يؤكد أن الخريف طال العقول بعد الجيوب!. “
وينتقل الكاتب إلى بيان فشل محاولات التكيف الأسرية مع هذه الارتفاعات المتتالية في التكاليف، وإجبار الكثيرين على الاقتراض:
“حلول التأقلم مع الخريف المدرسى فشلت، رغم التجريب عامًا وراء عام، فجميع الحيَل تهاوت أمام الزيادات الطاحنة. معنى التكيُّف صار عصيًّا، فلم يعد بإمكان أى أسرة مهما كانت أن تفلت من هذا العقاب السنوى. أولياء الأمور صاروا ضحايا لمأساة إغريقية لا سبيل للفكاك منها. “
ويختتم الكاتب مقالته بنقد هيمنة المنطق التجاري والاستثماري على قطاع التعليم وغياب المظلة الحامية لأولياء الأمور:
“فى سبتمبر، لا يجد أولياء الأمور من يحنو عليهم، فهم مستهدفون من الجميع.. هكذا يشعرون فعليًّا؛ هُم الفلك الذى تدور حوله منظومة الاستغلال المدرسية السنوية، المنظومة التى لا ربَّ لها سوى الربح.
انتحر هنا المنطق السليم واندفنت الرسالة.. والسائد منطق واحد، هو الدفع دون شكوى.. لا باب لطَرْقه، ولا عون للمساعدة.. ليس أمام ولى الأمر سوى التسليم بالقَدَر فى مواجهة تجار التعليم، فهم يعبدون الربح ولا دِين لديهم سواه.. أما الوطن والمواطن، فهما خارج تلك المعادلة تمامًا.. هما يخسران فقط!.”
تحرير : مروة عبد الحفيظ



