في ذكرى رحيل الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة الأسبق ، لا نستدعي اسما في سجل الوزراء، بل نستحضر مشروعا فكريا وثقافيا غير ملامح الحياة الثقافية في مصر، رحل عن عالمنا ، إلا أن البنية التي أسسها ما زالت قائمة، والوعي الذي زرعه لا زال ممتدا عبر الأجيال. كان يؤمن بأن الثقافة ليست زينة دولة، بل روحها الحقيقية.
النشأة والتكوين العلمي
ولد ثروت عكاشة بالقاهرة عام 1921 في أسرة تهتم بالعلم والمعرفة، وهو شقيق الدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسي بكلية الطب جامعة عين شمس ومؤسس معهد الطب النفسي ، حصل على بكالوريوس العلوم العسكرية من الكلية الحربية عام 1939، ثم واصل دراسته في كلية أركان حرب وتخرج عام 1948 ، لم يكتف بالتكوين العسكري، بل نال الماجستير في الصحافة عام 1951، والدكتوراه في الآداب من جامعة السوربون في باريس عام 1960.
جمع بين الانضباط العسكري والانفتاح الفني ، فكانت شخصيته مزيجا نادرا من الصرامة والرؤية الثقافية العميقة ، كان يعتبر القراءة رفيقه الدائم، ويرى في الفن ملاذا ووسيلة لفهم العالم ، حتى في مذكراته ظهر إنسانا ناقدا لذاته صريحا في تقييم تجربته السياسية والثقافية بعيدا عن المبالغة أو الادعاء.
المسيرة المهنية
تقلد عكاشة العديد من المناصب قبل وبعد توليه وزارة الثقافة ، بدءا من عمله كضابط بالقوات المسلحة ، مرورا برئاسته لتحرير مجلة التحرير (1952- 1953) ، وملحقا عسكريا في السفارات المصرية ببون وباريس ومدريد (1953- 1956) ، ثم سفيرا لمصر في روما (1957- 1958) .
تولى وزارة الثقافة والإرشاد القومي “وزارة الثقافة حاليا” عام ( 1958- 1962)، ثم رئاسة المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعبة (1962) ، ورئاسة مجلس إدارة البنك الأهلي المصري ( 1962 -1966) ، وأعيد تعيينه وزيرا للثقافة (1966- 1970) ، كما شغل منصب نائب رئيس اللجنة الدولية لإنقاذ مدينة البندقية (1967-1977) ، ثم مساعدا لرئيس الجمهورية للشؤون الثقافية (1970-1972) ، واستاذا زائرا بالكوليج دو فرانس في باريس (1973) .
انتخب زميلا مراسلا بالأكاديمية البريطانية الملكية عام (1975)، ورئيسا للجنة الثقافة الاستشارية بمعهد العالم العربي بباريس (1990–1993)، وكان عضوا بالمجلس التنفيذي لليونسكو (1962–1970) ، وعضوا في مجلس الأمة (1964–1966)، وعضوا عاملا في المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية.
إنجازاته الثقافية
خلال فترتيه الوزاريتين (1958- 1962) و (1966- 1970)، حول عكاشة الثقافة من نشاط متفرق إلى منظومة متكاملة ، ومن أبرز إنجازاته : تأسيس أكاديمية الفنون ومعاهدها المتخصصة ، دعم الهيئة العامة لقصور الثقافة ونشر بيوت الثقافة في المحافظات ، إطلاق معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1969 ، إنشاء فرق فنية مثل فرقة باليه أوبرا القاهرة والفرقة القومية للفنون الشعبية، وتدشين مشروع الصوت والضوء بالمواقع الأثرية، مؤكدا أن الثقافة حق عام، وأن الدولة مسؤولة عن إتاحتها لكل مواطن.
ملحمة إنقاذ آثار النوبة
عندما هدد بناء السد العالي آثار النوبة بالغرق ، قاد الدكتور ثروت عكاشة حملة دولية بالتعاون مع منظمة اليونسكو لإنقاذ معابد أبو سمبل وآثار فيلة ، في واحدة من أعظم عمليات حماية التراث في القرن العشرين، ونجحت مصر من خلالها الجمع بين مشروعها التنموي الضخم والحفاظ على إرثها الحضاري ، وحاز عن ذلك تكريمات دولية عدة، ليصبح اسمه رمزا لملحمة ثقافية ذات بعد إنساني عالمي.
إنتاج فكري موسوعي بارز
لم يكن الر احل ، الذي يعد أشهر وزراء الثقافة في تاريخ مصر، قياديا إداريا فحسب ، بل كان مفكرا موسوعيا غزير الإنتاج ، فقد أصدر أكثر من سبعين كتابا، من أبرزها مذكراته في ثلاثة مجلدات بعنوان “مذكراتي في السياسة والثقافة” (1987- 1989) وثق فيها تجربته السياسية والثقافية منذ ثورة يوليو وحتى نهاية الستينيات، ، وموسوعته الكبرى “العين تسمع والأذن ترى” التي بدأ نشرها في السبعينيات وتوالى صدورها تباعا حتى اكتملت في 38 مجلدا ، وتعد من أضخم الموسوعات العربية في تاريخ الفنون عبر العصور .
ومن أعماله أيضا موسوعة “فنون عصر النهضة ” فى ثلاثة مجلدات “الروكوكو” ،”الباروك” و”الرنيسانس” (1963- 1997) ، وهي أهم المؤلفات العربية في تاريخ الفن ومرجع أساسي لدارسيه في العالم العربي ، وكتب كذلك “القيم الجمالية في العمارة الإسلامية” (1981) ، وموسوعة “التصوير الإسلامى” ( 1999) التى أحدثت دويا هائلا فى أنحاء العالم .
كما ترجم أعمال الشاعر أوفيد مثل “العشق” و”التحولات”، و “الحرب الآلية” بقلم جيه إف سي فولر (1942) ، ومسرحية “فاغنر المثالية” لجورج برنارد شو (1965) ، وقد اتسمت كتاباته بالعمق والتحليل، وحرصه فيها على تبسيط المعرفة دون الإخلال بقيمتها العلمية ؛ إذ كان كاتبا ومترجما مصريا عرف بلقب “مؤسس المؤسسات الثقافية المصرية”.
الجوائز والتقديرات
حصل عكاشة على جوائز عديدة منها :الجائزة الأولى في مسابقة فاروق الأول العسكرية ، وسام الفنون والآداب الفرنسى ( 1965) ، وسام اللجيون دونير “وسام جوقة الشرف” الفرنسى بدرجة كوماندور (1968) ، الميدالية الفضية لليونسكو تتويجا لإنقاذ معبدي أبو سمبل وآثار النوبة (1968) ، الميدالية الذهبية لليونسكو لجهوده من أجل إنقاذ معابد فيلة وآثار النوبة عام (1970) ، كما حصل على جائزة الدولة التقديرية فى الفنون من المجلس الأعلى للثقافة (1987) ، ودكتوراه فخرية فى العلوم الإنسانية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة (1995)، وجائزة مبارك فى الفنون من المجلس الأعلى للثقافة عام (2002).
حياته الشخصية ووفاته
تزوج الراحل ولديه ابنان : د. محمود عكاشة، بجامعة يال في أمريكا، ونورا عكاشة، وله 4 أحفاد هم عمر اللبان، نهى اللبان، وتيمور عكاشة، شريف عكاشة طبيب بأمريكا.
ودع العالم الدكتور ثروت عكاشة في 27 فبراير 2012 عن عمر يناهز 91 عاما، وشيعت جنازته من مسجد آل رشدان بمدينة نصر بحضور أسرته ومحبيه ، إلى جانب عدد من الشخصيات العامة والمثقفين والفنانين.
لم يكن ثروت عكاشة وزيرا عابرا، بل صانع رؤية ، أدرك مبكرا أن بناء الإنسان هو جوهر النهضة، وأن الثقافة قوة تحفظ الهوية وتفتح أبواب المستقبل ، ويبقى اسمه علامة فارقة في تاريخ مصر الثقافي، ورمزا للمثقف الذي جمع بين الفكر والإدارة، وبين الحلم والتنفيذ، فاستحق أن يذكر بوصفه أحد أهم بناة الثقافة الحديثة في مصر.
المصدر: أ ش أ

