وزير الخارجية الفرنسي : سنطالب حكومة إسرائيل الجديدة بخطة السلام لاستعادة استقرار المنطقة
أكد وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، أن بلاده عازمة على العمل من أجل إعادة السلام والاستقرار إلى منطقة الشرق الأوسط، مشددا على ضرورة ضبط النفس من جانب جميع
الأطراف، ورفض أي تصعيد جديد من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم الأوضاع في المنطقة.
وقال بارو – في حديث تلفزيوني اليوم – إن فرنسا لم تدعم الحرب الدائرة التي بات واضحا للجميع أنها لم تسفر سوى عن خاسرين، مؤكدا أن الأولوية تتمثل في احتواء التوترات والعمل على استعادة
الاستقرار، لا سيما في ظل التداعيات الاقتصادية وأزمة الطاقة الناجمة عن الصراع.
وفيما يتعلق بالمفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران والتكهنات بشأن احتمال استئناف الضربات الأمريكية، جدد وزير الخارجية الفرنسي دعوته إلى جميع الأطراف لضبط النفس، مؤكدا
رفض بلاده شن هجمات جديدة على إيران أو الدخول في موجة أخرى من التصعيد، لما قد يترتب على ذلك من مخاطر تفاقم أزمة الطاقة وانعكاساتها المباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين.
وقال إن بلاده لا ينبغي أن تتحمل كلفة حروب ليست طرفا فيها، مشيرا إلى أن نائب الرئيس الأمريكي نفسه ربط جانبا من تراجع أداء المعسكر الجمهوري في الولايات المتحدة بتداعيات الحرب في إيران، وما أسفرت عنه من آثار جسيمة على القدرة الشرائية، لا سيما داخل الولايات المتحدة، فضلا عن تداعياتها على دول أخرى.
وأوضح بارو أن فرنسا لا تشعر بقلق خاص إزاء احتمال أن يلجأ الرئيس الأمريكي إلى تصعيد عسكري جديد على الساحة الدولية، وإنما تركز على العمل من أجل إعادة السلام والاستقرار إلى المنطقة
وخفض كلفة تداعيات الأزمة، منوهاً إلى أن هذا كان أحد الأهداف التي سعى إليها الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى منطقة الخليج قبل بضعة أيام، والتي رافقه خلالها، حيث عملت فرنسا على
تأمين عدد من إمدادات الديزل وتجنب أي نقص محتمل فيها.
وفيما يتعلق بحركة الملاحة البحرية، أكد وزير الخارجية الفرنسي أن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل ضرورة أساسية لخفض أسعار الطاقة، مشددا على ضرورة عدم السماح لإيران باحتجاز المضيق أو
فرض رسوم على عبور السفن من خلاله.
وفيما يتعلق بإسرائيل، أكد بارو أن فرنسا تدين بشكل منتظم الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي، مشيرا إلى أنها اتخذت في مناسبات عديدة إجراءات عقابية على المستويين الوطني والأوروبي،
وصلت إلى حد فرض عقوبات على وزير إسرائيلي، بسبب تشجيعه الاستيطان غير القانوني في الضفة الغربية وتمجيده الاعتداءات على الفلسطينيين.
وردا على سؤال بشأن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وإمكانية وضع حد لسياسات حكومة تل أبيب واليمين المتطرف، أشار وزير الخارجية الفرنسي إلى أن التطور الأبرز
يتمثل في تكليف الرئيس الإسرائيلي لجادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة، موضحا أن هذا التكليف يأتي في أعقاب الانتخابات التي شهدتها إسرائيل قبل أيام، والتي عكست رغبة واضحة في التغيير،
مع تراجع كبير في أداء الائتلاف الحاكم، وارتفاع نسبة المشاركة، وصعود الأحزاب العربية، وهي نتائج يتعين أخذها في الاعتبار عند تشكيل الحكومة الجديدة.
وفيما يتعلق بدور الأمم المتحدة إزاء الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، أقر بارو بوجود عجز دولي عن بلورة موقف متماسك بشأن ما يحدث في فلسطين، مشيرا إلى أن فرنسا والمملكة العربية
السعودية أطلقتا، في خريف عام 2024، مبادرة دبلوماسية كبرى أسفرت، للمرة الأولى، عن دفع الأمم المتحدة إلى اعتماد نص شامل بشأن الوضع، يلزم جميع الأطراف المعنية بتحمل مسؤولياتها
وبذل الجهود اللازمة لإنقاذ خيار حل الدولتين، باعتباره البديل الوحيد لحالة الحرب الدائمة، من خلال إقامة دولتين معترف بهما، تحترم حقوق كل منهما، وتعيشان جنبا إلى جنب في سلام وأمن.
وأضاف بارو أن الحرب الدموية في غزة توقفت، رغم الانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار، معتبرا أن التقليل من أهمية ما تحقق والقول بأنه لم يحدث أي تغيير يتجاهل حقيقة توقف الحرب والتوصل
إلى خطة للسلام، مشددا على ضرورة تطبيق هذه الخطة، وهو ما ستؤكده فرنسا بقوة للحكومة الإسرائيلية الجديدة فور تشكيلها.
وشدد على أن بلاده تتوقع من الحكومة الإسرائيلية المقبلة الالتزام الصارم بالقانون الدولي، والعمل على حماية الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، وتنفيذ خطة السلام دون تحفظ،
وبذل جهود جادة لتجسيد حل الدولتين، باعتباره البديل الوحيد لإنهاء الصراع والحروب في المنطقة.
وبشأن الوضع في لبنان ومستقبل الوجود العسكري الدولي في جنوب البلاد، أكد بارو أن فرنسا تضع إمكاناتها تحت تصرف السلطات اللبنانية، وتتابع احتياجاتها، تفاديا لأن يؤدي انتهاء ولاية قوة
الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في 31 ديسمبر المقبل إلى حدوث فراغ أمني من شأنه زيادة تعقيد الأوضاع، مشيرا إلى أن القوة تضم حاليا نحو 7 آلاف جندي منتشرين في لبنان.
وأوضح أن أي قوة دولية جديدة قد تتدخل في لبنان، بناء على قرار ودعوة من السلطات اللبنانية، ستسترشد بقرارات الأمم المتحدة ونصوصها، ولا سيما القرار 1701، الذي يمثل أهمية بالغة للبنان،
بهدف تحقيق الأهداف التي تعمل فرنسا من أجلها، والمتمثلة في انسحاب القوات الإسرائيلية، ونزع سلاح حزب الله، وإعادة بناء دولة لبنانية قوية تحتكر حيازة السلاح، وتكون قادرة على حماية
جميع مكونات المجتمع اللبناني.
وردا على سؤال بشأن ما إذا كانت السلطات اللبنانية طلبت بالفعل استمرار القوات الدولية بعد انتهاء ولاية اليونيفيل، أوضح وزير الخارجية الفرنسي أن الأمر لم يُحسم نهائيا بعد، وأن المباحثات
لا تزال جارية، لافتاً إلى أن المهمة المرتقبة ستكون دولية، وقد تشارك فيها دول أخرى، من بينها الدول التي تساهم حاليا بقوات في اليونيفيل وترغب في مواصلة المشاركة في جهود حفظ الاستقرار.
وفي سياق آخر، أوضح بارو أن فرنسا ستطلق، غدا، مع شركائها في مجموعة السبع، المشروعات التي عملت عليها طوال العام الجاري في إطار رئاستها للمجموعة لعام 2026، وفي مقدمتها إنشاء شبكة تضم 14 من الموانئ الرئيسية في العالم، يعقد ممثلوها اجتماعهم الأول يوم الاثنين المقبل في مدينة مرسيليا، بالتوازي مع اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في باريس، بهدف تجميع
وتنسيق مجموعة من الأدوات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لتعقب الشحنات وتعزيز الربط والتنسيق بين الموانئ.
وفيما يتعلق بتأمين الذكاء الاصطناعي ومخاطره، أكد وزير الخارجية الفرنسي أن إنشاء هيئة دولية لتنظيم هذا المجال والوقاية من مخاطره يمثل هدفا تسعى إليه بلاده، لكنه شدد على ضرورة التحلي
بالواقعية والتواضع، إذ إن إقامة آليات تنظيمية دولية قد تستغرق وقتا، رغم أن المجتمع الدولي بدأ بالفعل وضع اللبنات الأولى لهذا المسار.
وأوضح أن مخاطر فقدان السيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب احتمالات إساءة استخدامها في إلحاق الضرر، تتطلب استجابة دولية، نظرا لتجاوز تداعياتها الحدود الوطنية وتأثيرها على
السلم والأمن الدوليين.
وأضاف أن فرنسا جمعت، في سبتمبر الماضي، الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي بحضور رؤساء كبرى الشركات العاملة في هذا المجال، كما تعمل خلال الأسبوع الجاري، بالتزامن مع اجتماع
وزراء خارجية مجموعة السبع ومنتدى باريس للسلام، الذي سيعقد الرئيس إيمانويل ماكرون اجتماعا على هامشه بشأن هذه القضية، على حشد توافق دولي حول ضرورة إنشاء منظمة دولية لتنظيم
الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل.
وفي سياق متصل، اعتبر بارو أن العالم دخل مرحلة تتسم بمنافسة شديدة بين القوى الكبرى، وما يصاحبها من حالة متزايدة من عدم الاستقرار وانعدام الأمن، والتي قد تستمر خلال السنوات والعقود
المقبلة، مؤكدا أن السبيل الوحيد للتخفيف من هذه الضغوط وحماية الدول من تداعيات النزاعات المتزايدة يتمثل في بناء أوروبا مستقلة وقوية، قادرة على الصمود أمام الضغوط العسكرية والتكنولوجية والتجارية التي تمارسها القوى الكبرى، وطرح خيار ثالث أمام دول العالم.
وأضاف أن غالبية دول العالم قد تسير في هذا الاتجاه إذا نجحت أوروبا في تحقيق هذا الهدف، إذ لا ترغب هذه الدول، مثل الأوروبيين، في أن تكون تابعة لأي طرف، وإنما تسعى إلى الحفاظ على حريتها والعيش في سلام، مشددا على أن تحقيق ذلك يتطلب امتلاك الإمكانات اللازمة، وهو ما يمنح الانتخابات الرئاسية المقبلة في فرنسا، باعتبارها دولة مؤسسة للاتحاد الأوروبي، أهمية خاصة.
المصدر : أ ش أ
