التراث الأثرى المغمور بالمياه.. مخاطر متصاعدة وحلول رقمية للحماية
يواجه التراث الأثري المغمور بالمياه تهديدات متزايدة بفعل الصيد بشباك الجر القاعية والتعدين والتلوث وتغير المناخ، في وقت لا تحظى فيه سوى نسبة ضئيلة من حطام السفن بالحماية الكاملة.
وفي مواجهة هذه المخاطر، تفتح تقنيات المسح ثلاثي الأبعاد عالية الدقة، التي تتيح توثيق المواقع الأثرية البحرية بسرعة وبتكلفة أقل، آفاقا جديدة لرصد هذا التراث وحمايته، والحد من مخاطر فقدان شواهد تاريخية لا يمكن تعويضها.
وتكشف دراسات حديثة عن اتساع نطاق المخاطر التي تهدد المواقع الأثرية تحت سطح البحر، بدءا من الأضرار المباشرة الناجمة عن أنشطة الصيد، وصولا إلى التغيرات الكيميائية في مياه المحيطات التي قد تسرّع تآكل الآثار الحجرية، في ظل قصور الأطر القانونية عن توفير الحماية الكافية لهذا التراث، وفق تقرير نشرته “صحيفة الفن” (The Art Newspaper) البريطانية.
ففي عام 2011، اكتشفت بعثة السفينة الاستكشافية “إي في نوتيلوس” (E/V Nautilus) حطام سفينة تجارية قديمة في قاع البحر الأسود، غرب مدينة إيرغلي التركية، كانت قد غرقت قبل أكثر من ألفي عام، لكن حالتها ربما كانت ستظل أفضل لولا مرور قوارب الصيد بشباك الجر القاعية مرارا فوق الموقع، إذ تسببت معدات الصيد في إتلاف الجرار الفخارية القديمة، وجرف الأخشاب التي كانت تشكل هيكل السفينة من مواضعها الأصلية.
ولا تمثل هذه الواقعة حالة منفردة، إذ أجرى روري كوين، من جامعة ألستر في أيرلندا الشمالية، وزملاؤه دراسة جمعت بيانات عن نحو 150 ألف حطام سفينة معروف، إلى جانب تحركات سفن الصيد، لتحديد المواقع الأثرية المغمورة الأكثر تعرضا للخطر بسبب التعدين في أعماق البحار والصيد بشباك الجر.
ووفقا للدراسة المنشورة في “المجلة الدولية لعلم الآثار البحرية” (The International Journal of Nautical Archaeology)، لا يقع سوى 0.2% من حطام السفن المعروف عالميا داخل مناطق مصنفة محميات كاملة ياحظر فيها التعدين، بينما يوجد 95% من الحطام في مياه ضحلة نسبيا وغير محمية، حيث يمكن لشباك الجر القاعية أن تجتاح المواقع الأثرية، سواء المكتشفة أو التي لم تاكتشف بعد.
وعلى الرغم من أن معظم عمليات الصيد بهذه الشباك تجري بعيدا عن حطام السفن، فإن احتمالات إلحاق الضرر بالمواقع تظل قائمة. ويقترح الباحثون تحويل الممارسة التي تتبعها بعض أطقم الصيد، والمتمثلة في تجنب الحطام تفاديا لإتلاف معداتها، إلى التزام قانوني يضمن حماية المواقع الأثرية.
غير أن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه لا تزال تواجه تحديات تشريعية، إذ إنه على الرغم من أن اتفاقية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” لعام 2001 بشأن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه تلزم الدول الأطراف بعدم العبث بهذا التراث أو إتلافه، فإن دولا رئيسية، من بينها الصين والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، لم تصادق عليها.
واعتمدت بعض الدول تشريعات وطنية خاصة لحماية المواقع المغمورة، لكن ذلك لا يوفر بالضرورة حماية كافية في أعالي البحار.
كما أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 لا تتناول علم الآثار إلا بصورة محدودة، ما يترك ثغرات في منظومة الحماية القانونية لهذا الإرث التاريخي.
ولا تقتصر التهديدات على الصيد والتعدين، إذ يشكل التلوث بمختلف أنواعه خطرا إضافيا، بعدما تراكمت النفايات في بعض المواقع إلى درجة أعاقت عمليات مسحها ومراقبتها.
كما تسهم أنشطة البحث عن الكنوز والسياحة غير الخاضعة للرقابة في زيادة الضغوط على المواقع الأثرية البحرية.
ويشير التقرير إلى أن تغير المناخ يمثل أحد أبرز مصادر الخطر على المدى الطويل، مع ارتفاع حموضة مياه المحيطات نتيجة زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهو ما قد يسرّع تآكل الآثار الحجرية ويؤدي إلى اختفاء تفاصيلها الدقيقة.
وفي دراسة نشرتها مجلة “الاتصالات.. الأرض والبيئة” (Communications Earth & Environment)، بحث لويجي جيرميناريو، من جامعة بادوفا الإيطالية، وزملاؤه تأثير ارتفاع حموضة المحيطات على الأحجار الأثرية القديمة، محذرين من أن استمرار ارتفاع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون قد يؤدي إلى تسارع تآكل هذه الأحجار خلال العقود المقبلة، بما يهدد بقايا أثرية لا يمكن تعويضه؟
واستخدم الباحثون نموذجا رقميا لمنحوتة رخامية عُثر عليها تحت الماء في مدينة باياي الرومانية الغارقة، لاختبار ثلاثة سيناريوهات حاسوبية تحاكي تأثير مستويات مختلفة من حموضة المحيطات على مدى 500 عام.
وأظهرت النتائج أن سطح المنحوتة يظل شبه مستقر عند مستويات الحموضة التي سادت قبل الثورة الصناعية، لكن عند مستويات الحموضة المتوقعة بحلول نهاية القرن الحالي، قد تفقد المنحوتة أكثر من مليمتر واحد من سطحها، بما يؤدي إلى تلاشي تفاصيلها الدقيقة.
أما في السيناريو الأكثر تطرفا بين السيناريوهات المختبرة، فقد تجاوزت خسارة الطبقة السطحية سنتيمترا واحدا، ما يترك المنحوتة متآكلة بشدة. وحذر الباحثون من أن الأحجار الأقل متانة، مثل الحجر الجيري المسامي، قد تتعرض لتآكل كارثي خلال قرن واحد في ظل مستويات الحموضة القصوى نفسها، وهي عملية قد تستغرق آلاف السنين في الظروف الحالية.
وفي مقابل هذه المخاطر، تبرز تقنيات المسح ثلاثي الأبعاد بوصفها أداة واعدة لتوثيق المواقع الأثرية المغمورة ورصد التغيرات التي تطرأ عليها، غير أن إعداد سجلات رقمية دقيقة لهذه المواقع يتطلب عادة معدات متخصصة ومعقدة ونادرة، لا يتوافر بعضها إلا في صورة نماذج أولية، ما يحد من قدرة الباحثين على توثيق المواقع ومتابعتها بصورة منتظمة.
لكن فريقا بحثيا بقيادة دينيس فيلكن، من جامعة كيل الألمانية، توصل إلى طريقة تتيح إجراء مسح ثلاثي الأبعاد عالي الدقة لحطام سفينة مغطى جزئيا بالرواسب في بحر البلطيق، بسرعة وبتكلفة أقل.
ووفقا للدراسة المنشورة في مجلة “التنقيب الأثري” (Archaeological Prospection)، تمكن الباحثون من مسح مساحة تبلغ هكتارين خلال ساعتين فقط، باستخدام معدات معدلة من النوع الذي تحمله عادة سفن الأبحاث.
وقد تتيح هذه الطريقة للمتخصصين اكتشاف المواقع الأثرية الموجودة تحت قاع البحر وتوثيقها ومراقبتها بدرجة أعلى من الدقة، دون الحاجة إلى الاعتماد الكامل على معدات نادرة أو باهظة التكلفة.
وفي ظل تزايد التهديدات التي تواجه التراث الأثري المغمور بالمياه، يمكن أن تسهم هذه الابتكارات في تحسين توثيق المواقع المعرضة للخطر، وتوفير بيانات تساعد الباحثين على متابعة حالتها وتحديد أولويات الحماية، قبل أن تتعرض شواهد تاريخية فريدة لأضرار يتعذر إصلاحها.
المصدر: أ.ش.أ
