الشرق الأوسط: ما الجديد في نظام العالم؟
تتنوع قضايا، اليوم الجمعة، في استعراض أبرز مقالات الكتاب العرب بعدد من أهم الصحف العربية، بين قراءات تحليلية في تحولات النظام الدولي وتوازنات القوى العظمى، ومتابعات للشأن الفلسطيني والانتخابات المُعطلة، إلى جانب قراءة أبعاد الصراعات الإقليمية المستعرة، وصولاً إلى استرجاع محطات تاريخية ملهمة أثرت في الوعي والهوية الوطنية المصرية. وفيما يلي استعراض لأهم ما جاء في هذه المقالات:
ما الجديد في نظام العالم؟
استهل الكاتب رضوان السيد مقاله المعنون بـ «ما الجديد في نظام العالم؟»، والمنشور في جريدة «الشرق الأوسط»، بالإشارة إلى حالة التشكك التي تحيط بمفهوم النظام العالمي في الوقت الراهن، موضحًا أن «القارئ الخبير يوشك أن يسخر عندما يقرأ مصطلح «نظام العالم»؛ لأنّ المشاهَد أنه ليس للعالم في هذا الزمان نظام يعترف به الجميع ويتبعون تعليماته».
وتابع موضحًا الفرق بين نظام العالم والنظام الدولي، لافتًا إلى أنه «يختلف الأمر بعض الشيء عندما نتحدث عن النظام الدولي؛ إذ هناك منظمة لها مقر رئيس وكل دول العالم داخلة فيها والمفروض أنها تضمن استقلالها ووحدة أراضيها وسلطاتها». وتطرق إلى المؤتمر السنوي للأمم المتحدة في نيويورك، مشيرًا إلى أن «المنظمة المذكورة (الأمم المتحدة) تعقد مؤتمرها السنوي هذه الأيام في مقرها بنيويورك، ويحرص سائر الرؤساء أو المسؤولين الكبار في الدول على الحضور والكلام في الاجتماع إثباتاً للمشروعية والاعتراف والمقام العزيز بين الدول وفي النظام الدولي».
وأضاف مستعرضًا مشهد الحضور الاستثنائي في الدورة الأخيرة، متسائلاً: «لماذا هذا الكلام الآن على النظام الدولي ونظام العالم أو لا نظامه؟!»، ومبينًا أنه «هذا العام ما حضر اجتماع نيويورك من كبار العالم غير الرئيس ترمب، وغاب الصينيون والروس والهنود. أما الأوساط، فلم يحضر منهم غير الرئيس الإيراني ورئيس الوزراء الإسرائيلي». وعن أسباب هذا الحضور المحدود، أوضح أن «لقد حضر الرئيس الأميركي لأن عنده مطالب من الأمم المتحدة كانت الولايات المتحدة في زمنها الليبرالي قد اشترعتها! ثم خفّ للاجتماع بالرئيس الصيني في واشنطن. أما الرئيس الإيراني، فقد حضر لأنّ بلاده محاصَرة وهو محتاج إلى الكلام مع الحاضرين إلى الأمم المتحدة سواء صغروا أم كبروا. أما الإسرائيلي، فقد حضر لأنه محتاج إلى المجيء إلى أميركا قبل الانتخابات وما استجابوا له فوجد في مناسبة نيويورك فرصةً ويتعذر على الأميركان بعدها ألا يقابلوه!».
وقال موضحًا أدوار المنظمة الأممية وتراجع ذراعها الأمني: «ليس من الضروري القول إنّ الأمم المتحدة ما عادت مهمة. فإن لم يعد مجلس الأمن قادراً على حفظ السلام؛ فإنّ وكالاتها ومفوضياتها شديدة الأهمية في تقديم المساعدات المتنوعة للدول الفقيرة، والأخرى التي تعاني من الحروب والنزاعات الداخلية، أو التي تثيرها دولٌ أخرى مجاورة أو بعيدة».
وأكد مستعرضًا واقع العجز الدولي في استتباب الأمن: «والحق يقال أنّ أحداث السنوات الماضية التي استشرت فيها الحروب وتوسعت مناطقها، ما استطاع مجلس الأمن رغم كثرة التصويت أن يوقف أياً منها وليس في حالات الخلاف فقط؛ بل في حالات التوافق أيضاً؛ لأن الطرف القائم بالحرب أو الداعم لها لا يستجيب رغم موافقته ظاهراً على إنهاء النزاع!».

هواجس ترامب تحكم لقاءاته مع تشي
تناول الكاتب محمد السعيد الإدريسي في مقاله المعنون بـ «هواجس ترامب تحكم لقاءاته مع تشي»، والمنشور في صحيفة «الخليج» الإماراتية، التحول الجوهري في العلاقات بين واشنطن وبكين، مشيرًا إلى أنه «في زيارته الأخيرة للصين في مايو (أيار) الماضي، وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطاراً جديداً حاكماً للعلاقات الأمريكية – الصينية، لم يسبق أن تجرأ رئيس أمريكي غيره على أن يفصح عنه، أو يعترف به».
وأضاف شارحًا أبعاد هذا التغير الهيكلي، أن «مضمون هذا الإطار هو اعتراف ترامب بجدية ما يروّج عن «أفول العصر الأمريكي»، وأن الولايات المتحدة لم تعُد القوة الأحادية المتفردة بالقرار الدولي، وأن الصين أضحت شريكاً وندّاً للولايات المتحدة في زعامة النظام العالمي، ضمن هيكيلية أخذت تتجه نحو «ثنائية قطبية» مجدداً، بدلاً من الأحادية القطبية التي لم تعد تُعبِّر عن حقائق توازن القوى العالمية».
وتابع مبرزًا تصريحات ترامب بقاعة الشعب في بكين، حيث قال للرئيس الصيني شي جين بينغ: ««إن القوتين العظميين سيكون لهما مستقبل رائع»»، و««إنه لشرف لي أن أكون معكم.. إنه لشرف لي أن أكون صديقكم، وستكون العلاقات بين الصين والولايات المتحدة أفضل من أيّ وقت مضى»».
وأشار موضحًا تأكيد هذه المعاني خلال الزيارة المتبادلة، إلى أنه «ربما يقول قائل إن هاتين العبارتين قد تفصحان عن مدى صعوبة الظروف التي حكمت هذه الزيارة، وقد لا تكون لها استمرارية في زمن لاحق، لكن زيارة الرئيس الصيني وزوجته لواشنطن، الشهر الماضي، أكدت تلك المعاني، وزادتها وضوحاً»، لافتًا إلى أن «فقد توجه الرئيس الأمريكي شخصياً إلى قاعدة أندروز الجوية لاستقبال الرئيس الصيني وزوجته لدى وصوله».
وأكد مستعرضًا أجواء المحادثات المغلقة، أنه «وعلى الرغم من كثافة الملفات الخلافية التي كانت مطروحة على طاولات المحادثات، كان ترامب حريصاً، في كلمته الافتتاحية على إبراز متانة علاقته بالرئيس الصيني، قائلاً: «منذ انتخابي الأول عام 2016، بنينا، أنا والرئيس شي، صداقة عظيمة حقاً، قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح الحيوية لشعبينا»»، مستعيداً أجواء زيارته لبكين بوصفه إياها بأنها «كانت «شرفاً عظيماً»».

استعصاء الإصلاح والانتخابات فلسطينياً
تطرق الكاتب ماجد كيالي في مقاله المعنون بـ «استعصاء الإصلاح والانتخابات فلسطينياً»، والمنشور في صحيفة «النهار» اللبنانية، إلى ملف الانتخابات الفلسطينية المتعثر، مشيرًا إلى أنه «على الأغلب، فإن الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيصدر قريباً مرسوماً يقضي بتأجيل الانتخابات الفلسطينية، المقرّرة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، ربما لمدة عام، أي حتى أواخر العام المقبل (2027)؛ وهو الموعد الملتزم به مع الدول المانحة، خاصة الاتحاد الأوروبي، علماً بأن تلك الانتخابات لم تجر سوى مرتين في العام 1996، والعامين 2005-2006، في غضون ثلاثين عاماً».
وتابع مسترجعًا المحطات التاريخية لتأجيل الاستحقاق: «للتذكير، فتلك هي المرة الثالثة التي يقوم بها الرئيس الفلسطيني بالتخلي عن الالتزام بمرسوم تنظيم انتخابات تشريعية فلسطينية، إذ حصل ذلك للمرة الأولى في مطلع العام 2010، بتأجيلها إلى أجل غير مسمى، وفي المرة الثانية في أيار/مايو من العام 2021، في مناخات “هبّة الشيخ جراح”، إذ ألغيت بسبب رفض إسرائيل تمكين السلطة من إجرائها في القدس الشرقية، في حين ثمة سبب آخر تمثل بغياب الإجماع في حركة “فتح”، بالنظر إلى تعدد القوائم الانتخابية المحسوبة على تلك الحركة، ما يشتت أصواتها، الأمر الذي قد يهدد بخسارتها، على غرار ما حصل لتلك الحركة في الانتخابات التشريعية الثانية (2006)، الأمر الذي مكّن “حماس” من الاستحواذ على عدد أكبر من مقاعد المجلس التشريعي في حينه».
وأضاف مفصّلاً أسباب التأجيل الراهن: «في هذه المرة، الثالثة، هناك العديد من العوامل التي تدفع الرئيس الفلسطيني إلى التراجع عن مرسوم إجراء الانتخابات بتأجيل ذلك الاستحقاق الذي يخضع لرقابة دولية، بسبب صعوبة إمكان إجرائها في القدس وغزة، بسبب الممانعة الإسرائيلية، وبحكم ظروف فلسطينيي غزة، بعد ثلاثة أعوام من حرب الإبادة الجماعية ضدهم. وتالياً، بواقع صعوبة التوافق في حركة “فتح” على قائمة واحدة، في ظل تعدد مراكز القوى، والمرجعيات، وتضارب المواقف، فيها. كذلك، بحكم عدم جاهزية الفصائل، خصوصاً حركة “حماس”، للاستحقاق الانتخابي».
وقال مبيّنًا المخرج السياسي المتوقع: «لذا ربما سنشهد بعد أيام مطالبات الفصائل، هذه المرة، للرئيس الفلسطيني بتأجيل الانتخابات؛ وهو مخرج سيكون مناسباً، ومريحاً، للرئيس أمام شعبه وأمام الدول المانحة».
واختتم تحليله ملخصًا الانشغال السياسي العام: «باختصار، فإن الساحة الفلسطينية انشغلت في الأسابيع الماضية بقصة الانتخابات التي بدت كملهاة، في ظروف حرب الإبادة الإسرائيلية ضد فلسطينيي غزة، ووسط تغوّلها في الضفة الغربية، مع تآكل مكانة السلطة، على الصعد كافة».

شرق أوسط على جمر النار
حلل الكاتب رجب أبو سرية في مقاله المعنون بـ «شرق أوسط على جمر النار»، والمنشور في صحيفة «الأيام» الفلسطينية، طبيعة الحرب الراهنة وتمددها، مؤكدًا أن «كل من اعتقد أنه يمكن حسم الحرب على إيران خلال أيام أو أسابيع أو أشهر، تبين أنه كان واهماً، وكل من يعتقد أن الحرب في الشرق الأوسط قاب قوسين أو أدنى من الانتهاء أو الحسم، فهو واهم أيضاً».
وتابع موضحًا دوافع استمرار المواجهة: «ليس لأن الرئيس الأميركي «الجعجاع» كثيراً ما ادعى وأعلن ما لم يستطع فعله وتحقيقه، من سحق إيران أو تدميرها بهدف استسلامها وحسب، ولكن لسبب آخر، وهو طالما أن بنيامين نتنياهو وائتلافه الفاشي في الحكم سيظل يواصل الحرب لأنه لم يحقق أهدافه الأساسية منها، وكذلك هو حال شريكه فيها دونالد ترامب، أما إيران وحلفاؤها، فستظل تقارعهما، ولا تكتفي بالصمود فقط، لأنه ليس أمامها خيار آخر، بعد أن ألصقت الحرب ظهرها بالحائط، ولا تبقي أمامها سوى خيار الاستسلام أو مواصلة الحرب، وهي كانت مستعدة منذ البداية لحل وسط، لحل سياسي، والأهم مما يجعل خيار الحرب قائماً، ليس ما يتعلق بظروف الطرفين فقط، بل لأن الحرب أولاً وأخيراً هي تعبير عن صراع إقليمي/كوني».
وأضاف مبرزًا الامتداد التاريخي لهذا الصراع الدولي: «والصراع الكوني الذي يحدث في الشرق الأوسط، ليس الحلقة الأولى، فالحلقة الأولى ظهرت على الحدود بين روسيا وأوكرانيا، قبل عامين من اندلاع الحرب الشرق أوسطية، ومع أنها حرب برية بالدرجة الأولى، تمخض عنها منذ البداية احتلال الجيش الروسي لنحو خُمس الأرض الأوكرانية، ورغم فارق القوة أيضاً بين الجيشين المتحاربَين، إلا أن حسم الحرب لم يحدث لا في العام الأول ولا الثاني ولا يبدو أنه يلوح في الأفق قريباً، ومن يعد بالذاكرة قليلاً للأيام الأولى لحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، سيجد أنها كانت الحلقة الأولى في الحرب الإقليمية المستعرة حالياً، ولم تكن قد فتحت جبهات الإسناد بعد، حين تفهم الغرب دوافع إسرائيل لشن حرب محدودة كردّ فعل على عملية «طوفان الأقصى»».
واستطرد مبيّنًا الخلافات السياسية حول المدى الزمني للحرب: «ومع بدء إعلان تقديرات المستويَين العسكري والسياسي الإسرائيليَّين عن الفترة التي ستستمر فيها الحرب، بدأت الخلافات تظهر بين تلك المستويات في إسرائيل أولاً، وبين إسرائيل وإدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن من جهة ثانية، وأول من تحدث عن شهور، بل ربما عام إلى عام ونصف العام، لتحقيق مهمة الجيش الإسرائيلي الأمنية في قطاع غزة، كان يوآف غالانت، وزير الحرب الإسرائيلي في ذلك الحين، عند ذلك أبدى الأميركيون دهشتهم، لأن ذلك يلقي عبئاً ثقيلاً على كاهلهم، لأنهم مطالبون بتغطية سياسية على المستوى العالمي لحرب إبادة طوال تلك المدة».
وقال كاشفًا عن الغايات الاستراتيجية للحرب: «ولأن للحرب أهدافاً سياسية أبعد من الأهداف الأمنية التي تجعل منها حرباً محدودة جغرافياً في قطاع غزة، ومحدودة زمنياً لمدة أشهر، تقترب من العام، أكثر أو أقل قليلاً، فإن الحرب تدحرجت أولاً لتفتح جبهات عدة، كلها محيطة بإسرائيل، وليس صحيحاً أنها فتحت بالضد من رغبتها، لأنها أولاً كانت تعرف ردود فعل قوى المقاومة الإقليمية، ولأنها واصلت إغلاق باب عقد الصفقة التي كان من شأنها أن توقف الحرب مبكراً، رغم المطالبة الداخلية الإسرائيلية، وكذلك الرغبة الأميركية المدفوعة باستحقاق الانتخابات الرئاسية عام 2024، وأبلغ دليل على ما نقول، هو إقدام إسرائيل على تنفيذ عمليات تطهير عرقي بالشراكة مع جماعات المستوطنين الإرهابية في الضفة الفلسطينية، حتى تربط هدفها بتهجير سكان قطاع غزة، مع تهجير متزامن لسكان الضفة، لتنفيذ قرار ضم أرض دولة فلسطين لدولة إسرائيل، كخطوة أولى ضرورية لمتابعة تنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى».

مصر.. «عندما جاها نهار قِدِر يدفع مهرها»
استعاد الكاتب خليل فاضل في مقاله المعنون بـ «مصر.. «عندما جاها نهار قِدِر يدفع مهرها»»، والمنشور في جريدة «المصري اليوم»، ذكرياته مع حرب أكتوبر وتأثيراتها النفسية والوطنية، مستذكرًا مشاعره: «كنت فى التاسعة عشرة من عمرى عندما وقعت هزيمة ٥ يونيو ١٩٦٧. وأقول «وقعت» لأننى لا أذكرها كخبر سمعناه فى الراديو، بل كشىء وقع فوق رؤوسنا بالفعل».
وتابع واصفًا حالة الحزن العميق التي خيمت على البلاد: «رأيت الحسرة يومها، لا فى عيون الناس فقط، وإنما فى الأرض والطريق والسماء والشوارع. القاهرة نفسها بدت لى كأنها انطفأت. الناس يمشون ولا يكادون يتكلمون، والوجوه لا تسأل لأنها تخشى الإجابة. شىءٌ ثقيل كان جاثمًا على البلد، دخلت الهزيمة البيوت وجلست معنا إلى المائدة ونامت معنا فى الفراش. وقتئذٍ كان ينبغى أن يحلم الشاب بالحب والحياة والمستقبل، لكننى كنت أحلم بسيناء. والأغرب أننى لم أكن قد رأيتها. كنت أتخيل أرضًا كاملة ضاعت منا، وأرسمها فى يقظتى وفى نومى، وأشعر بشىءٍ يكاد يكون شخصيًا تجاه أرضٍ لم تطأها قدماى. «كنت باتقطع حتة حتة». وكان منتهى ما أتمناه أن أمسك سلاحًا وأذهب إلى الجبهة. وكان كثيرون من زملائى الطلبة يحملون ذلك الغضب نفسه، وذلك الإحساس المهين بأننا شباب فى مقتبل العمر بينما جزء من بلدنا محتل ونحن نقف هنا عاجزين».
وأضاف مستحضرًا مشاهد الرحلة الطلابية إلى مدينة السويس: «وحين ذهبت مع الكلية فى رحلة إلى السويس، رأيت الجدران التى انكشف ما وراءها كأن أحدًا شقّ بطن المدينة وترك أحشاءها فى الهواء، ولأول مرة فهمت أن المدن أيضًا يمكن أن تُجرَح. ربما لهذا لم تكن الحركة الطلابية فى ١٩٧٢ و١٩٧٣ وما تلاهما بالنسبة إلى جيلى مجرد سياسة. كان تحتها جرحٌ نفسى مفتوح. كنا نريد أن نعرف: متى ستنتهى حالة الانتظار التى تأكل الأعصاب؟ كان هناك جيلٌ كامل يخشى أن يكبر قبل أن يفعل شيًا. كانت سنوات ما بعد ١٩٦٧ ثقيلة لأن الهزيمة إذا طالت تتحول من واقعة عسكرية إلى حالة نفسية؛ يتسلل الشك من قدرة الجيش إلى قدرة المجتمع، ثم من قدرة المجتمع إلى قدرة الإنسان على نفسه».
وأكد شارحًا البُعد النفسي لنصر أكتوبر: «ومن هنا أرى حرب أكتوبر بطريقة ربما تختلف قليلًا عما نقرؤها الآن فى كتب التاريخ. أنا لا أراها فقط قوات عبرت القناة، ولا طائرات أقلعت، ولا مدفعية فتحت نيرانها، ولا جنودًا حطموا خط بارليف. أراها أيضًا اللحظة التى بدأ فيها جيل بأكمله يسترد نفسه. كانت هزيمة ١٩٦٧ جرحًا هائلًا فى «الأنا» الجمعية المصرية. والأخطر أنها هدَّدَت العلاقة بين المصرى ونفسه، وبين الفرد ومجتمعه، وبين الناس ومؤسساتهم، وبين الحاضر والتاريخ الذى تربوا على الاعتزاز به. ولذلك لم يكن الخروج منها ممكنًا بخطاب حماسى. كان لا بد من الفعل».
واختتم مقاله بالحديث عن مراحل استعادة الثقة: «وجاء الفعل بالتدريج. حرب الاستنزاف بمثابة تدريب نفسى على إمكانية المواجهة. الجندى يضرب ويصيب ويعود. ثم جاءت منظومة الدفاع الجوى وحائط الصواريخ، والاستطلاع والعمليات خلف خطوط العدو، والتدريب المتواصل، والخداع الاستراتيجى، حتى جاءت الثانية ظهر السادس من أكتوبر ١٩٧٣. وهنا حدث التحول؛ فالجيش الذى عاش كارثة ١٩٦٧ عبر القناة. الطيران المصرى ضرب أهدافه. المدفعية فتحت الطريق. واجه الجنود كل الأسلحة. وأصبح عبدالعاطى، صائد الدبابات، وأمثاله أكثر من أبطال عسكريين؛ فى الوعى الشعبى برهانًا حيًّا على أننا نستطيع».

أحمد علي