الذكاء الاصطناعي يدخل الصناعة المصرية بأول روبوت محلي
في الوقت الذي يشهد فيه العالم تحولًا متسارعًا نحو المصانع الذكية، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية حديثة تستخدم في التطبيقات الرقمية، وإنما أصبح مكونًا رئيسيًا في منظومة الإنتاج الصناعي، بدءًا من تشغيل الآلات وتحليل البيانات، مرورًا بالتنبؤ بالأعطال وفحص جودة المنتجات، وصولًا إلى إدارة خطوط الإنتاج وسلاسل الإمداد.
وفي مصر، يتزامن هذا التحول العالمي مع توجه متزايد نحو تعميق التصنيع المحلي وتوطين التكنولوجيا، لتنتقل الصناعة تدريجيًا من مجرد استخدام التكنولوجيا المستوردة إلى تطوير وتصنيع حلول تكنولوجية بأيدٍ وعقول مصرية.
ويأتي إطلاق وتسليم أول روبوت صناعي مصري بأيادٍ وعقول مصرية وتكنولوجيا محلية، الذي شهد مراسم إطلاقه المهندس خالد هاشم وزير الصناعة، ليقدم نموذجًا عمليًا لهذا التحول، ويطرح مفهومًا جديدًا لـ«صنع في مصر» يقوم على إنتاج التكنولوجيا نفسها إلى جانب المنتجات الصناعية.
أصبح الذكاء الاصطناعي أحد المحركات الرئيسية للثورة الصناعية الرابعة، مع توسع استخدامه في تحليل البيانات الصناعية والتنبؤ بالأعطال وتحسين كفاءة التشغيل ومراقبة جودة المنتجات.
وتسمح تقنيات الرؤية الحاسوبية، على سبيل المثال، بفحص المنتجات والتعرف على العيوب بصورة آلية، بينما تساعد خوارزميات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الناتجة عن خطوط الإنتاج واكتشاف الأنماط التي قد تشير إلى وجود خلل قبل حدوثه.
كما تمتد تطبيقاته إلى إدارة المخزون والطاقة وسلاسل الإمداد والتنبؤ بالطلب، بما يجعل الذكاء الاصطناعي حاضرًا في مختلف مراحل دورة الإنتاج.
ولا يقتصر التحول الرقمي للصناعة، بالتالي، على إدخال أجهزة أو برامج جديدة، وإنما يتطلب إعادة تصميم طريقة إدارة وتشغيل المصنع، وربط المعدات والبيانات والبرمجيات والعنصر البشري في منظومة واحدة.
الروبوت المصري.. عندما تصبح التكنولوجيا منتجًا محليًا
ويمثل الروبوت الصناعي المصري الذي طورته شركة «رائد بوتس» نموذجًا لهذه الرؤية، حيث يستهدف تقديم حلول محلية في مجال الروبوتات والأتمتة الصناعية.
ويشمل نطاق التطبيقات المستهدفة عمليات اللحام، ومناولة المواد، والتعامل مع ماكينات التحكم الرقمي، والتعبئة والتغليف، وأتمتة المستودعات، وهي تطبيقات يمكن أن تسهم في رفع كفاءة العمليات الصناعية وزيادة الاعتماد على الأتمتة.
وتبلغ نسبة المكون المحلي في الروبوت نحو 80%، مع استهداف زيادتها إلى 90%، بما يعكس توجهًا نحو زيادة القيمة المضافة المحلية في صناعة الروبوتات، بدلًا من الاقتصار على تجميع المكونات المستوردة.
وتتضمن المرحلة المقبلة العمل على زيادة تصنيع مكونات الروبوت محليًا، بما في ذلك المحرك، وهو ما يمكن أن يدعم بناء سلسلة توريد محلية مرتبطة بهذه الصناعة الجديدة.
وتكمن أهمية تصنيع الروبوت محليًا في أن المنتج النهائي لا يمثل مجرد آلة صناعية جديدة، وإنما يجمع مجموعة من الصناعات والتخصصات التكنولوجية، من الهندسة الميكانيكية والإلكترونيات إلى البرمجيات وأنظمة التحكم والذكاء الاصطناعي.
ومن هذا المنطلق، فإن زيادة المكون المحلي في صناعة الروبوتات تعني خلق قيمة مضافة في قطاعات تكنولوجية متعددة، وفتح المجال أمام شركات جديدة للعمل في تصنيع المكونات والبرمجيات والخدمات المرتبطة بها.
ولا يمكن بناء صناعة متقدمة للروبوتات والذكاء الاصطناعي دون الاستثمار في العنصر البشري، وهو ما يبرز أهمية الشراكة بين القطاع الصناعي والجامعات ومراكز البحث والتطوير.
وفي هذا الإطار، شهد إطلاق الروبوت توقيع 3 بروتوكولات تعاون بين شركة «رائد بوتس» وكل من مركز تحديث الصناعة، وكلية الهندسة بجامعة المنصورة، وشركة «كيوبى».
وتستهدف هذه الشراكات دعم استخدام الروبوتات في القطاع الصناعي، إلى جانب توفير تطبيقات تعليمية وتدريبية لطلاب الهندسة، وربط الدراسة الأكاديمية بالاحتياجات الفعلية لسوق العمل والصناعة.
ويمثل هذا الربط أحد العناصر الأساسية لبناء صناعة تكنولوجية مستدامة، إذ تحتاج مصر إلى كوادر تجمع بين المعرفة الهندسية والقدرة على التعامل مع البرمجيات والذكاء الاصطناعي وأنظمة التحكم الحديثة.
ويمثل تصنيع الروبوت خطوة ضمن منظومة أوسع للتحول نحو المصانع الذكية، فالروبوت بمفرده يستطيع تنفيذ مهام محددة بدقة وسرعة، لكن دمجه مع أنظمة الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات يفتح المجال أمام تطبيقات أكثر تقدمًا.
وفي هذه الحالة، يمكن للروبوت أن يتعامل مع بيانات التشغيل، ويتعرف على أنماط مختلفة، ويشارك في عمليات الفحص والجودة، ويتكامل مع باقي معدات المصنع.
ومن هنا، فإن الرهان الأكبر أمام الصناعة المصرية لا يتعلق فقط بتصنيع روبوت محلي، وإنما ببناء منظومة قادرة على تطوير الروبوتات وتوظيف الذكاء الاصطناعي لإنتاج حلول تناسب احتياجات المصانع المصرية.
ويكتسب هذا التوجه أهمية في ظل ارتفاع قيمة التكنولوجيا في هيكل المنتجات الصناعية عالميًا، حيث أصبحت القدرة على الابتكار وتطوير البرمجيات والأنظمة الذكية جزءًا من القدرة التنافسية للمصانع والدول.
ومن شأن توطين صناعات مثل الروبوتات والأتمتة أن يفتح مجالات جديدة أمام الصناعة المصرية، سواء من خلال إحلال بعض الواردات أو تطوير منتجات قابلة للتصدير أو تقديم خدمات تكنولوجية للمصانع في الأسواق الإقليمية.
كما يمكن أن يؤدي انتشار هذه الحلول إلى دعم قطاعات صناعية مختلفة، من الصناعات الهندسية ومواد البناء إلى الأغذية والأدوية والمنسوجات، بحسب طبيعة العمليات التي يمكن أتمتتها داخل كل مصنع.
وبينما يمثل إطلاق أول روبوت صناعي مصري محطة جديدة في مسار توطين التكنولوجيا، فإن الأهمية الأوسع للتجربة تتمثل في إمكانية تحويلها إلى نواة لصناعة متكاملة تضم التصميم والتصنيع والبرمجة والبحث والتطوير والخدمات الفنية.
فالمعادلة الجديدة للصناعة لم تعد تقوم فقط على إنتاج سلعة تنافس في السوق، وإنما على امتلاك التكنولوجيا اللازمة لإنتاجها وتطويرها.
ومن ثم، فإن دخول مصر مجال تصنيع الروبوتات يفتح فصلًا جديدًا في مسيرة الصناعة المحلية؛ فصلًا يتسع فيه مفهوم «صنع في مصر» من صناعة المنتج إلى صناعة التكنولوجيا التي تصنع المنتج، مدفوعًا بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والاعتماد المتزايد على الأتمتة.
المصدر : أ ش أ
