العلمين الجديدة .. مدينة تحمل عبق الماضي لتجسد روعة الحاضر
من أرض كانت مسرحًا لمعركة غيرت مسار الحرب العالمية الثانية إلى مدينة أصبحت تستقبل قادة الدول وتحتضن العديد من المناسبات والفعاليات تبدو العلمين اليوم أمام فصل جديد من تاريخها فصل لا يمحو ذاكرتها القديمة وإنما يعيد توظيف موقعها وتاريخها في صناعة مستقبل مختلف على ساحل البحر المتوسط.
فالعلمين التي ارتبط اسمها بمعركتي العلمين الأولى والثانية عام 1942 وما خلفتاه من متحف ومقابر ونصب تذكارية، لم تعد مجرد شاهد على مرحلة مفصلية من تاريخ العالم وإنما أصبحت جزءا من رؤية أوسع لتنمية الساحل الشمالي الغربي تقوم على التوسع العمراني والسياحي والاستثماري، وإنشاء مجتمعات متكاملة قادرة على استيعاب أنشطة الحياة والعمل والإقامة على مدار العام.
وتتجاور في العلمين ثلاث صور للمكان تاريخ قديم تكشفه الآثار ، وذاكرة عسكرية رسختها معارك الحرب العالمية الثانية، وواقع جديد تمثله مدينة العلمين الجديدة بما تضمه من مشروعات عمرانية وسياحية وثقافية وخدمية.
ولم تقتصر التحولات التي شهدتها المنطقة على العمران والسياحة، إذ انعكست كذلك على مكانة العلمين في المشهد الرسمي فأصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى الواجهات التي تستضيف لقاءات رئاسية واستقبالات لقادة ومسئولين عرب.
وشهدت المدينة لقاءات للسيد الرئيس عبدالفتاح السيسي مع عدد من القادة العرب من بينهم الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، والملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البحرين، والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني إلى جانب مسئولين ووفود عربية، في لقاءات تناولت العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية.
وامتد الحضور الرسمي للمدينة إلى المناسبات الوطنية والرياضية، حيث استقبل السيد الرئيس في مدينة العلمين في يوليو 2026 لاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم والجهازين الفني والإداري ، وحرص على تكريم أعضاء البعثة تقديرا لما قدموه من جهد وأداء خلال مشاركتهم في بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026.
ولم تتوقف الفعاليات التي تستضيفها العلمين عند اللقاءات الرسمية والمناسبات الوطنية وإنما امتدت إلى فعاليات دولية متخصصة من بينها معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء الذي تستضيف المدينة نسخته الثانية خلال الأسبوع الجاري، في حدث يجمع قطاعات الطيران والفضاء والتكنولوجيا ويعزز حضور المدينة على خريطة الفعاليات الدولية.
حيث من المقرر أن تقام فعاليات المعرض خلال الفترة من 8 إلى 10 سبتمبر بمطار العلمين الدولي بمشاركة جهات ومؤسسات وشركات مرتبطة بقطاعات الطيران والفضاء، بما يعكس تنوع الأنشطة التي أصبحت المدينة قادرة على استضافتها.
ولم تعد العلمين مجرد مدينة تحمل ذاكرة الحرب أو مقصدا صيفيا على البحر المتوسط وإنما تحولت تدريجيا إلى مدينة متعددة الوظائف، تجمع بين التاريخ والسياحة والعمران والثقافة والرياضة واللقاءات الرسمية والفعاليات الدولية.
ولمدينة العلمين جذور تاريخية تسبق الحرب العالمية الثانية، إذ تحمل المنطقة شواهد على استقرار ونشاط بشري يعودان إلى عصور أقدم ، حيث تعد منطقة مارينا العلمين الأثرية من أبرز المواقع التي تكشف تاريخ الساحل الشمالي حيث أسفرت أعمال الحفائر عن اكتشاف بقايا مدينة ساحلية تعود إلى العصرين اليوناني والروماني، بما تضمه من منشآت سكنية وتجارية وعامة ومبان جنائزية.
وتكشف هذه الآثار عن أهمية الساحل الشمالي ضمن شبكة المدن والموانئ التي ارتبطت بحركة التجارة والنقل في منطقة البحر المتوسط خلال العصور القديمة، بما يجعل العلمين نموذجا لمكان تتجاور فيه طبقات تاريخية مختلفة، ولا تقتصر هويته على مرحلة واحدة من تاريخه.
كما اكتسبت العلمين أهمية استراتيجية كبيرة خلال الحرب العالمية الثانية بفضل موقعها على ساحل البحر المتوسط وطبيعة المنطقة الواقعة جنوبها؛ فوجود البحر شمالا والامتداد الصحراوي جنوبا، إلى جانب طبيعة التضاريس، حد من مسارات الحركة العسكرية وجعلها نقطة مناسبة لإقامة خطوط دفاعية.
وبعد عقود من انتهاء الحرب، بدأت ملامح جديدة تتشكل للمنطقة مع توجه الدولة إلى تنمية الساحل الشمالي الغربي وإنشاء مدينة العلمين الجديدة لتتحول المنطقة تدريجيا من موقع ذي أهمية تاريخية إلى مركز عمراني وسياحي واقتصادي حديث.
وجاء إنشاء مدينة العلمين الجديدة على مساحة 48 ألف فدان ؛ ليعكس توجها نحو بناء مدن عمرانية متكاملة لا تقتصر وظيفتها على النشاط السياحي خلال أشهر الصيف، وإنما تضم مقومات للحياة والعمل والاستثمار على مدار العام.
وتضم المدينة مشروعات سكنية وسياحية وخدمية ومناطق للأعمال، إلى جانب بنية تحتية حديثة وشبكات طرق ومرافق، بما يدعم خطط الدولة لجعلها إحدى المدن الرئيسية على ساحل البحر المتوسط..كما أسهمت المشروعات الجديدة في تغيير الصورة الذهنية للساحل الشمالي من منطقة يرتبط نشاطها بالموسم الصيفي إلى نطاق عمراني واقتصادي أكثر تنوع.
ومن أبرز معالم العلمين الجديدة .. الأبراج الشاطئية التي تمثل أيقونة معمارية حديثة بارتفاعات شاهقة تصل إلى 170 مترا مثل أبراج “نورث إيدج” و”ذا جيت” ، والممشى السياحي الذي يمتد بطول 14 كيلومترا على الواجهة البحرية ويضم مسارات للمشي والدراجات ومطاعم ومقاهي، ويعد القلب النابض للمدينة.
كما تشمل المعالم ، المدينة التراثية التي تقام على مساحة 260 فدانا وتضم مسرحا رومانيا ، مجمع سينمات، دار أوبرا، ومباني البلازا إلى جانب مسجد المولى والحي اللاتيني الذي يعد منطقة سكنية كلاسيكية على مساحة 400 فدان مصممة على الطراز المعماري الروماني واليوناني بالإضافة إلى جامعة العلمين الدولية التي تعد صرحا أكاديميا
وبحثيا متطورا يهدف لجعل المدينة مركزا تعليمياً متكاملا طوال العام.
ومع تسارع وتيرة التنمية .. برز مطار العلمين الدولي باعتباره أحد العناصر الرئيسية الداعمة للمدينة والساحل الشمالي الغربي ، حيث شهد نموا ملحوظا في حركة الركاب والرحلات بالتزامن مع زيادة الطلب على السفر إلى المنطقة حيث ارتفع عدد الركاب المتوقع خلال عام 2026 إلى 266.6 ألف راكب مقابل 169.5 ألف راكب في 2025 بنسبة نمو 57% كما ارتفع عدد الرحلات إلى 3193 رحلة مقابل 2542 رحلة خلال العام السابق.
ولم تعد العلمين الجديدة مجرد مساحة للمشروعات والإنشاءات وإنما بدأت تتحول إلى مركز للفعاليات والأنشطة المختلفة، وهو ما منحها حضورا متزايدا على خريطة السياحة والترفيه والثقافة في مصر.
وكانت الفعاليات الفنية والترفيهية أحد أبرز مظاهر هذا التحول ، حيث استضافت المدينة حفلات لعدد من نجوم الغناء والفن، وفعاليات جماهيرية متنوعة الأمر الذي جعل اسم العلمين حاضرا بقوة خلال موسم الصيف، وجذب إليها أعدادا كبيرة من الزائرين من داخل مصر وخارجها.
ويعد مهرجان العلمين أحد أبرز الفعاليات التي ارتبط اسمها بالمدينة خلال السنوات الأخيرة، حيث جمع بين الحفلات والعروض الفنية والأنشطة الرياضية والترفيهية وأسهم في تقديم صورة جديدة للعلمين باعتبارها مدينة قادرة على استضافة فعاليات جماهيرية كبرى.
وتعد كل هذه المؤشرات دليلا على أن العلمين تسطر اليوم فصلا جديدا في تاريخها ، فبعدما غيرت الحرب ملامحها، أعادت التنمية رسم مستقبلها لتتحول إلى مدينة تجمع بين عراقة التاريخ وحيوية الحاضر بما تشهده من مشروعات عمرانية وسياحية وفعاليات فنية وثقافية ودولية.
المصدر : أ ش أ
