القدس العربى : فلسطين… حين لا تكفى عدالة القضية
بين أروقة الدبلوماسية الدولية وحسابات الميدان العسكري، وإلى عمق الصراعات الأيديولوجية والسوسيولوجية التي تشكل الوعي الجمعي للشعوب؛ يقدم كُتّاب الرأي اليوم قراءة تحليلية رفيعة المستوى تتناول أبرز التحولات السياسية والفكرية في المنطقة والعالم.
معركة الرواية وتحديث أدوات الدبلوماسية الفلسطينية
في قراءة نقدية وتحليلية عميقة لطبيعة الصراع المعاصر وأهمية تطوير الأداء الدبلوماسي في خوض المعارك الدولية، يحلل الكاتب نادر العالول في مقاله بصحيفة القدس العربي تحت عنوان “فلسطين… حين لا تكفي عدالة القضية”، التحول الهيكلي في مفهوم الأمن القومي ووسائل التأثير الحديثة، مسجلاً ما نصّه:
“لم تعد الحروب تُخاض على الحدود الجغرافية وحدها، ولا تُحسم في ميادين القتال فقط. فقد أصبح الوعي ميداناً للصراع، وأصبحت الصورة والخبر والجامعة ومركز الأبحاث والمحكمة الدولية ووسيلة الإعلام أدواتٍ تضاهي في أثرها أدوات القوة التقليدية. ولم يعد الأمن القومي يعني حماية الحدود فحسب، بل أيضاً حماية الرواية.”
ويرسخ الكاتب حقيقة أن عدالة القضايا الوطنية تحتاج دائماً إلى أداء مؤسسي واحترافي يواكب حجم التحديات وأساليب الخصوم:
“نحن نملك قضية أكثر عدالة، لكن عدالة القضية وحدها لا تكفي إذا كان خصمها أكثر تنظيماً، وأسرع حضوراً، وأقدر على استخدام الأدوات. ولعل المشكلة الأهم، بعد ذلك كله، ليست فقط في الأشخاص، بل في المنظومة.”
ويشدد على ضرورة الانتقال بالتمثيل الدبلوماسي من إطاره البيروقراطي الشكلي إلى منصات صناعة التأثير الحقيقي والانفتاح على الطاقات الوطنية:
“إن إصلاح الدبلوماسية الفلسطينية لا يبدأ بتغيير الأسماء فقط، بل بتغيير فلسفة الإدارة. نحتاج إلى معايير واضحةً ومعلنةً للتعيين، ومنافسة عادلة، وتقييم دوري للأداء، وإلى ربط الاستمرار في المنصب بالإنجاز، لا بطول مدة الخدمة. ونحتاج أيضاً إلى أن تتحول السفارات إلى منصات لإنتاج التأثير، لا إلى مكاتب لإدارة البروتوكول.”
ازدواجية الشعارات والتحولات في الخطاب السياسي الدولي
وفي تفكيك نقدي لواقع الرهانات الإقليمية والدولية على عملية السلام ومفاهيم السياسة الأمريكية-الإسرائيلية، يحلل الكاتب نصر القفاص في مقاله بصحيفة الأهرام تحت عنوان “«جحا الأمريكانى» و«جحا الصهيونى»!!”، تناقض الخطاب المعلن مع السلوك الميداني الواقعي، مسجلاً ما نصّه:
“أصبحنا نسمع كلاما عن «السلام» ونرى أفعال العدوان والقتل والتدمير والإبادة.. ومطلوب منا تصديق الكلام, وتكذيب أعيننا وعقولنا مع الوقائع – الحرب – لمجرد أنه صادر عن «سيد البيت الأبيض» بآدائه الاستعراضى.. فهو يحاول إقناع الدنيا بأن «السلام يتحقق بالقوة والحرب» حتى كاد يجعل كلامه كما العقيدة.. وللحقيقة فهذا تطور كنا نسمعه حول «الأرض مقابل السلام» الذى جوده قادة الكيان الصهيونى, فجعلوه «السلام مقابل السلام « “.
“دارت عجلات الزمن لأكثر من نصف قرن.. بحثنا خلاله عن «السلام» فكانت الإجابة دائما هى «الحرب» والتوسع وإنشاء المستوطنات مع قضم المزيد من أراضى دول عربية.. ثم جاء الإعلان الواضح حول «إسرائيل الكبرى» وهو ما كانت إسرائيل تحرص على نفيه وتكذيبه طوال الوقت “
ويلفت الكاتب الانتباه إلى حجم المتغيرات في الرأي العام والداخل السياسي لدى الحليف الأمريكي الرئيسي:
“خرج علينا مؤخرا «جى دى فانس» نائب الرئيس الأمريكى الحالى, بتصريحات مزلزلة حول الحرب والذين يدمنون الحياة حول نيرانها من كبار القادة والمسئولين فى «بلاد العم سام» وأتباعهم من الذين يقودون «الكيان الصهيونى» بوضوح لا يقبل أدنى شك…
وما يهمنى فى سياق قضيتنا الرئيسية وهى «البحث عن السلام» أنه أكد على ارتباط «إيبستين» ذائع الصيت بقضية القرن حول فضائحه وجرائمه, بالموساد.. ثم أوضح أن إسرائيل تخسر الرأى العام فى أمريكا بسبب سياساتها.. وحذرهم من خسارة أمريكا التى وصفها بأنها حليفهم الوحيد..
وهو تطور يثير الذهول, وله مغزاه ودلالته من حيث المعنى والتوقيت.. لذلك يستحق أن نتوقف عنده طويلا بجدية, بما يمثله من تحول خطير وعميق.”
ويستحضر النماذج التاريخية لتطور النضال وتحرر الشعوب أمام نموذج الاستعمار الاستيطاني المسدود الأفق:
“هنا يجب علينا مراجعة الاستعمار الاستيطانى, فى كل من «الجزائر» و«جنوب إفريقيا» وهما نموذجان لا يختلفان عن نموذج «الاستعمار الصهيونى».. وبما أن السلوك هو نفسه.. الجرائم واحدة.. العناد والغرور واحد.. اعتماد منهج القوة فقط متطابق فى الحالات الثلاث.. فكانت النتيجة إستقلال وتحرر الجزائر, ثم سقوط النظام العنصرى فى جنوب إفريقيا.. وبقيت قضية فلسطين شاهدا على آخر محطات هذا النموذج.”
موازين القيادة في «حماس» وآفاق خيارات قطاع غزة
وفي تحليل سياسي فلسطيني داخلي يرصد مخرجات الانتخابات القيادية لحركة “حماس” وانعكاساتها المباشرة على المعادلة الميدانية ومستقبل قطاع غزة، يسلّط الكاتب أشرف العجرمي في مقاله بصحيفة الأيام الفلسطينية تحت عنوان “انتخاب الحية: مستقبل «حماس» ومصير غزة”، الضوء على طبيعة انقسام الرؤى بين تيارات الحركة، مسجلاً ما نصّه:
“اختتمت حركة «حماس» انتخاباتها الداخلية بفوز خليل الحية برئاسة المكتب السياسي للحركة… ومن دون شك يشكل التصويت في الانتخابات لصالح رئاسة المكتب السياسي للحركة اختياراً لخط سيرها في المرحلة المقبلة، وهذا سينعكس بالضرورة على مستقبل «حماس» وكذلك على مصير غزة الذي بات مرتبطاً بصورة كبيرة بسياسة وقرارات الحركة.”
ويستعرض الكاتب التباين في التوجهات السياسية داخل أروقة القيادة وحجم التحديات التي تطرحها التفاهمات والمبادرات الدولية المقترحة للحل:
“عملياً كان الاختيار في «حماس» بين التيار المتشدد الذي يقوده الحية… وبين تيار آخر أكثر اعتدالاً يقوده مشعل… يحاول أصحابه النأي بالحركة عن إيران والاقتراب أكثر من الدول المعتدلة التي على علاقة جيدة بأميركا، حفاظاً على وجود الحركة وتأمين مستقبلها كلاعب مقبول في الإقليم حتى لو بثمن تقديم تنازلات مؤلمة.”
ويختتم بالتشديد على ضرورة إنجاز مراجعة استراتيجية شاملة تضع المصلحة الوطنية العليا فوق الحسابات الحزبية الضيقة:
“الآن توجد فرصة بعد استقرار الوضع القيادي في «حماس» لإجراء مراجعة حقيقية لخياراتها ارتباطاً ليس فقط بمستقبلها الذي هو من دون شك يحتل أولوية في حساباتها، ولكن أيضاً بمصير ومستقبل الشعب الفلسطيني… وخليل الحية الآن مطالب بأن يكون قائداً وطنياً فلسطينياً قبل أن يكون قائداً حمساوياً أو إخوانياً.”
سوسيولوجيا الاستقطاب الاجتماعي وحرب الثقافات في أمريكا
وفي قراءة تحليلية عميقة لأبعاد التحولات الاجتماعية وأشكال الفرز الأيديولوجي داخل المجتمع الأمريكي الحديث، يسلّط المستشار السياسي د. أحمد الخزاعي في مقاله بصحيفة الأيام البحرينية تحت عنوان “كيف تحوّلت الموسيقى الأمريكية إلى ساحة لحرب الثقافات؟” ، الضوء على تحول الأدوات الجمالية والفنية إلى مؤشرات دقيقة للهوية السياسية والانتخابية، مسجلاً ما نصّه:
“لم تكن الموسيقى في الولايات المتحدة الأمريكية يومًا مجرد أداة للترفيه أو التعبير الجمالي الخالص، بل كانت دائمًا صوتًا للتحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى. ومع تعاظم الهوة المجتمعية وتعمق حالة الاستقطاب الحاد التي تعيشها أمريكا، فقدت الأغنية حصانتها التاريخية كمساحة جامعة للأمريكيين. وبدلاً من أن تكون الموسيقى جسرًا عابرًا للاختلافات، تحولت التصانيف الموسيقية، وقوائم التشغيل، وحتى الحفلات الحية، إلى رموز للهوية الحزبية والأيديولوجية.”
ويرصد الكاتب الانقسام الجغرافي والثقافي الحاكم لاتجاهات الشارع الأمريكي وتأثيره المباشر في تشكيل التكتلات السياسية والحزبية:
“وتتضح معالم هذا الانقسام بشكل جلي عند تفكيك الجغرافيا الثقافية للأنواع الموسيقية في أمريكا، حيث تمثل الموسيقى الريفية، الحصن الرمزي والقاعدة الخلفية للتيار المحافظ والحزب الجمهوري… على الجانب الآخر، يقف الهيب هوب وموسيقى البوب البديلة كقوة ضاربة للتيار الليبرالي والتقدمي المرتبط بالحزب الديمقراطي.”
ويختتم بالتشديد على دور التكنولوجيا والخوارزميات الرقمية والنخب السياسية في تكريس هذا الفرز داخل الحياة اليومية للمواطنين:
“هذا التفتيت الثقافي لم يعد عفويا، بل باتت تديره خوارزميات منصات البث الرقمي… علاوة على ذلك، لم تعد النخب السياسية تتردد في استخدام الموسيقى كأداة لإدارة النفوذ وصناعة الوعي في المعارك الانتخابية… لتصبح محاولات مستميتة من الفنانين لحظر توظيف علاماتهم التجارية الفكرية في تعميق الفرز السياسي.”
تحرير : مروة عبد الحفيظ




