لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، وما ارتكبه النظام النازي بحق ملايين أسرى الحرب الذين تم إعدامهم، تتجرأ دولة على إصدار قانون بإعدام أسرى لديها، في خطوة تؤكد فيها نهجها الخبيث الذي يعبّر عن أفكار ومعتقدات تتنافى بالمطلق مع كل الشرائع السماوية والقانونية والإنسانية التي يتفق عليها البشر.
لم يكن إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في الكنيست الإسرائيلي الذي قدمه وزير الأمن إيتمار بن جفير، زعيم حزب «قوة يهودية» المتطرف، بأغلبية 62 صوتاً ومعارضة 48، مجرد قرار عادي، بل أعقبه احتفال بن جفير مع نواب اليمين في مشهد كرنفالي مقزز، واصفاً تمرير القانون ب«اليوم التاريخي»، في خطوة تعكس مدى الحقد العنصري الذي يتملك هذا الوزير وأتباعه، باعتبار القانون هو الأول في العالم بعد النازية، وما يمثله من انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني الذي يعتبر إعدام الأسرى جريمة حرب استكمالاً لجرائم الحرب التي قامت بها إسرائل على مدى سنتين وما زالت في قطاع غزة، ذلك أن القانون صمم فعلياً لاستهداف الفلسطينيين فقط، من دون الإسرائيليين، من جنود ومستوطنين يرتكبون يومياً جرائم قتل بحق الفلسطينيين الأبرياء، ويستبيحون ممتلكاتهم ومنازلهم.
تشير الإحصاءات إلى أن عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي بلغ حتى نهاية شهر ديسمبر الماضي نحو 9350 أسيراً ومعتقلاً، وبلغ عدد الأسيرات نحو 53 أسيرة بينهن طفلتان، إضافة إلى نحو 350 طفلاً يحتجزهم الاحتلال في سجني مجدّو وعوفر. ويبلغ عدد المعتقلين الإداريين نحو 3385 معتقلاً، وهذا الرقم لا يشمل معتقلي غزة، كما أن هذا الرقم لا يشمل الأسرى الذين اعتقلوا بعد ديسمبر الماضي.
إن القانون لا يطبق على إسرائيلي يقتل فلسطينياً، إلا أنه يطبق على الفلسطيني فقط، وتتم عقوبة الإعدام شنقاً على يد ضابط سجون ملثم لضمان مجهولية القاتل وحمايته، ومنح منفذي الإعدام حصانة جنائية ومدنية كاملة، كما يتم الإعدام بلا استئناف، وحظر أي تخفيف أو إلغاء بعد صدوره، ويمكن إصدار حكم الإعدام من دون طلب من المدعي العام، مع وجوب التنفيذ خلال 90 يوماً من صدور القرار النهائي.
إن القانون يضع الآف الأسرى الفلسطينيين أمام حبل المشنقة من دون دفاع أو حصانة قانونية، لأن إسرائيل تضرب القانون الدولي الإنساني عرض الحائط، وخصوصاً اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول الذي يوفر حماية شاملة للأسرى ويضمن احترام حياتهم وكرامتهم ومعاملتهم إنسانياً، ويحظر تعذيبهم أو قتلهم أو الانتقام منهم، ويفرض على الدولة الحاجزة للأسرى توفير الرعاية الطبية والغذاء والملبس، مع ضمان تواصلهم مع الخارج.
دول عربية وإسلامية ، أدانت القانون واعتبرت أنه «يرسخ نظام الفصل العنصري، ويتبنى خطاباً إقصائياً ينكر الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف»، وأكدت أن مثل هذه الإجراءات «تؤجج التوترات وتقوض الاستقرار الإقليمي». كما أن المفوض العام للأونروا فيليب لازيريني اعتبر القانون «تمييزياً لأنه يستهدف الفلسطينيين فقط»، أما الأمين العام لمجلس أوروبا الآن بيرسيه فاعتبر القانون «لا يتوافق مع حقوق الإنسان الأساسية وكرامته»، كذلك دعت 31 منظمة دولية من بينها العفو الدولية و«هيومن رايتس ووتش» الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة ضد القانون باعتباره ينتهك اتفاقيات جنيف ولوائح لاهاي والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب.
وكي لا يمر هذا القانون العنصري الجائر، يجب اتخاذ خطوات فعلية من خلال توحيد الخطاب الفلسطيني والعربي والإسلامي على المستوى الدولي، وفضح انتهاكات الاحتلال والتحرك من جانب الأمم المتحدة لفرض عقوبات على إسرائيل، وعقد اجتماع عاجل للدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، لاتخاذ إجراءات فورية لوقف تنفيذ القانون، ومن أجل إجبار إسرائيل على احترام القوانين الدولية وردعها عن ارتكاب المزيد من جرائم الحرب.

