يمثل التسرب النفطي في الخليج العربي تحديًا بيئيًا مهمًا في ظل المتغيرات العالمية الراهنة، خاصة مع تزايد الضغوط المرتبطة بالتغيرات المناخية واستدامة الموارد الطبيعية ، حيث تكمن أهمية هذا الملف في أن تأثيراته لا تقتصر على تلوث المياه فقط، بل تمتد لتشمل المنظومة البيئية بشكل متكامل، بما في ذلك الموارد البحرية والأمن الغذائي ومصادر المياه العذبة التي يعتمد عليها ملايين السكان فيما توضح هذه التداعيات طبيعة التحديات البيئية المركبة التي تتطلب تعاملًا متوازنًا للحفاظ على الموارد الحيوية وضمان استدامتها.
وفى هذا الصدد ، أكد الدكتور مصطفى الشربيني، رئيس معهد الاستدامة والبصمة الكربونية ISCF والخبير الدولي في مجال الاستدامة وتقييم مخاطر المناخ، في تصريح خاص لوكالة أنباء الشرق الأوسط، أن التسربات النفطية في الخليج العربي تحمل أبعادًا تتجاوز التأثيرات التقليدية المعروفة، نظرًا للطبيعة الجغرافية والبيئية الخاصة بالمنطقة، والتي تجعلها أكثر عرضة لتفاقم آثار التلوث واستمراره لفترات زمنية طويلة.
وأوضح الشربيني أن وقوع تسرب نفطي في بيئة شبه مغلقة مثل الخليج العربي لا يمكن اعتباره حادثًا عابرًا، بل يمثل كارثة ممتدة زمانيًا ومكانيًا، حيث يؤدي بطء تجدد المياه وارتفاع مستويات الملوحة إلى احتجاز الملوثات داخل النظام البيئي البحري لفترات طويلة ، وتتشكل طبقات من النفط على سطح المياه تعوق تبادل الأكسجين مع الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى انخفاض مستويات الأكسجين المذاب واختناق الكائنات البحرية، كما تتسرب المركبات السامة تدريجيًا إلى الأعماق لتؤثر على الكائنات القاعية والشعاب المرجانية وغيرها من النظم البيئية الحساسة، وهو ما يؤدي إلى اختلال التوازن البيولوجي بصورة تدريجية.
وأشار الشربيني إلى أن تداعيات التسرب النفطي لا تتوقف عند حدود التلوث المباشر، بل تمتد لتشمل السلسلة الغذائية بأكملها، حيث تدخل المركبات الهيدروكربونية السامة إلى العوالق البحرية، ومنها إلى الأسماك، ثم إلى الإنسان عبر ما يُعرف بظاهرة التراكم الحيوي، التي تتزايد فيها تركيزات السموم كلما ارتفعنا في مستويات السلسلة الغذائية، ويؤدي ذلك إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي في المنطقة، خاصة في ظل اعتماد عدد كبير من الدول على الثروة السمكية كمصدر رئيسي للغذاء،
كما تتعرض الموائل البحرية، مثل الشعاب المرجانية وأشجار المانجروف، لأضرار جسيمة قد تحتاج إلى سنوات طويلة وربما عقود للتعافي، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع حاد في مستويات التنوع البيولوجي وفقدان العديد من الأنواع لقدرتها على البقاء.
وأوضح الخبير الدولي في مجال الاستدامة وتقييم مخاطر المناخ، أن تأثير التسرب النفطي على محطات تحلية المياه يمثل أحد أخطر جوانب الأزمة، نظرًا لاعتماد دول الخليج على هذه المحطات لتوفير ما يتراوح بين 70% و90% من احتياجاتها من مياه الشرب.
وقال الشربيني إن هذه المحطات لم تُصمم للتعامل مع التركيزات العالية من الملوثات النفطية، حيث يلتصق النفط بمرشحات مآخذ المياه، ما يؤدي إلى انسدادها وتعطلها، وقد تضطر بعض المحطات إلى التوقف الكامل كإجراء احترازي، كما يتسبب النفط في تراكم الرواسب على أغشية التناضح العكسي، مما يؤدي إلى تلفها وانخفاض كفاءتها التشغيلية وزيادة تكاليف الصيانة والتشغيل.
وأضاف أن الخطر لا يتوقف عند هذا الحد، بل يمتد إلى احتمالية تسرب بعض المركبات العضوية السامة إلى المياه المعالجة في حال عدم كفاءة عمليات التنقية، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا لصحة الإنسان.
ولفت الشربيني الى أن النفط الخام لا يمثل مادة واحدة، بل يحتوي على مزيج معقد من المركبات الكيميائية الخطرة، من بينها الهيدروكربونات البترولية الكلية التي قد تصل تركيزاتها إلى مستويات مرتفعة بالقرب من موقع التسرب، إلى جانب الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات التي تُعد من أخطر المواد المسرطنة.
كما تشمل هذه الملوثات مركبات البنزين ومشتقاته، مثل التولوين والإيثيل بنزين والزيلين، والتي تؤثر على الجهاز العصبي والكبد، فضلًا عن المعادن الثقيلة مثل النيكل والفاناديوم والرصاص والكادميوم والزنك، خاصة في المناطق القريبة من الأنشطة الصناعية ، وتتميز هذه المواد بقدرتها على البقاء لفترات طويلة في البيئة دون تحلل، مما يزيد من خطورتها وتأثيراتها الممتدة.
وذكر الشربيني أن الخصائص الطبيعية للخليج العربي تضاعف من حدة التأثيرات البيئية للتسربات النفطية، حيث ترتفع ملوحة مياهه إلى مستويات تفوق المتوسط العالمي، كما أن معدل تجدد المياه فيه بطيء نسبيًا بسبب طبيعته شبه المغلقة.
وأشار إلى أن وجود عدد كبير من محطات تحلية المياه التي تقوم بتصريف مياه عالية الملوحة تحتوي على مواد كيميائية مثل الكلور ومواد منع الترسبات يسهم في زيادة الضغوط البيئية، وقد يؤدي في حال حدوث تسرب نفطي إلى ما يمكن وصفه بتراكم التلوث المزدوج داخل النظام البيئي.
ونوه الشربيني بأن التفاعل بين الملوثات النفطية والمواد الكيميائية المستخدمة في عمليات التحلية قد يؤدي إلى تكوين مركبات أكثر سمية وخطورة، كما أن ارتفاع مستويات الملوحة يزيد من الضغط البيئي على الكائنات البحرية ويحد من قدرتها على التكيف مع التغيرات المفاجئة.
ولفت إلى ظاهرة التلوث الرأسي، حيث تبقى طبقات النفط على سطح المياه بينما تغوص المياه المالحة الثقيلة إلى الأعماق، حاملة معها الملوثات، وهو ما يؤدي إلى تلوث النظام البيئي البحري بالكامل من السطح إلى القاع.
تداعيات صحية محتملة على المدى الطويل
وحذر الشربيني من التداعيات الصحية الخطيرة المرتبطة بهذه الكارثة، مؤكدًا أن التعرض المستمر للمياه أو الأغذية الملوثة قد يؤدي إلى الإصابة بعدد من الأمراض الخطيرة، من بينها السرطان واضطرابات الجهاز العصبي وتلف الكبد والكلى وأمراض الجهاز التنفسي.
وأشار إلى أن بعض هذه المركبات تتميز بقدرتها على التراكم داخل جسم الإنسان بمرور الوقت، مما يجعل آثارها طويلة الأمد أكثر خطورة وتعقيدًا.
واختتم الشربيني تصريحاته بالتأكيد على أن هذا السيناريو لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد حادث تلوث عابر، بل يمثل تهديدًا بيئيًا مركبًا قد تمتد آثاره لأجيال، مشيرًا إلى أن ما يحدث يمكن وصفه بأنه شكل من أشكال الحروب الكيميائية البيئية التي تستهدف موارد المياه والغذاء بشكل غير مباشر، وهو ما يستدعي تكاتف الجهود الإقليمية والدولية لوضع آليات فعالة للوقاية والاستجابة السريعة والحد من تداعيات مثل هذه الكوارث.
المصدر:وكالة أنباء الشرق الأوسط ( أ ش أ )

