حول تداعيات الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية على قطاع غزة، كتب يونس السيد فى صحيفة الخليج الإماراتية قائلا:
تلقي الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران بظلالها الكثيفة على قطاع غزة، لما لها من انعكاسات أو تأثيرات مباشرة على مختلف المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية في القطاع، لاعتبارات متعددة كلها تؤكد أن غزة ليست معزولة عن التطورات الجارية في الإقليم.
نشير أولاً إلى أن إسرائيل أغلقت، منذ اليوم الأول لاندلاع هذه الحرب، كل المعابر الحدودية مع قطاع غزة، بما في ذلك معبر رفح، ما يعني توقف دخول المساعدات نهائياً، على ضآلتها، وإحكام الحصار وتعميق عزل القطاع عن العالم، وبالتالي مفاقمة الأزمة الإنسانية هناك. كما أبقت إسرائيل على مستوى معين من التصعيد العسكري، رغم الانخفاض النسبي في الخروقات وعمليات القتل للحفاظ على إدامة التصعيد الميداني بما يسمح لها لاحقاً باستئناف العمليات العسكرية على نطاق واسع.
لكن الأهم هو أن إسرائيل تستفيد من تراجع اهتمام واشنطن بخطة غزة وتحول أولوياتها إلى الحرب مع إيران، في الهروب من تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من تلك الخطة، بما تحمله من نقاط حساسة مثل الانسحاب الإسرائيلي وفتح المعابر وإدخال المساعدات، وأيضا نزع سلاح القطاع وإعادة الإعمار، بانتظار ما ستسفر عنه تلك الحرب من نتائج.
غير أن الخطورة هنا تكمن في استغلال إسرائيل للإنشغال العالمي بالتطورات الناشئة وتداعياتها، في تضييق الخناق على أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع يعيشون ظروفاً معيشية بائسة وأزمة إنسانية متعددة الوجوه، من مياه الشرب إلى نفاد الغذاء والطحين والأدوية والمحروقات وانعدام كل الخدمات ومقومات الحياة، إلى الحد الذي ينبئ بعودة المجاعة، من دون أن يلقى ذلك اهتماماً من المجتمع الدولي باستثناء أصوات قليلة لم تعد مؤثرة.
ولعل الأخطر من ذلك كله، هو المخاوف الناجمة عن تطورات تلك الحرب، والتي قد تحمل معها إعادة ترتيب الأولويات على مستوى الإقليم، ما ينعكس سياسياً على مسار وقف إطلاق النار في غزة. إذ إن إطالة أمد الحرب سيعني بالضرورة فقدان أي إمكانية لضغط أمريكي على إسرائيل لاستكمال المرحلة الثانية من الاتفاق، والمجمدة حالياً، وربما يدفع إلى تأجيل الالتزامات المتعلقة بغزة أو حتى إعادة التفاوض تحت ذريعة الظروف الأمنية الإقليمية الناشئة.
بهذا المعنى، تجد غزة نفسها تلقائياً تحت تأثير التصعيد الإقليمي، أولاً: لكونها ليست ساحة معزولة عما يجري في المحيط، وثانياً: لأنها جزء من المعادلات القائمة في الإقليم. وبالتالي ففي ضوء نتائج تلك الحرب، إما أن تجد نفسها في مواجهة تصعيد إسرائيلي كبير قد يجرف معه كل الاتفاقيات الموقعة، ويدفع إسرائيل نحو تحقيق كل الأهداف التي عجزت عن تحقيقها سابقاً، أو يدفعها إلى المناورة وتجميد حربها على غزة، مع التشدد في شروطها تجاه نزع السلاح وإعادة الإعمار والترتيبات الأمنية المتعلقة بالقطاع، فيما يبقى الواقع الاقتصادي المنهار عملياً والحياة المعيشية للسكان رهناً بكل هذه التطورات.

