في مدينة عرفت عبر تاريخها بأنها بوابة المتوسط وملتقى الثقافات، تبدو العلاقات الثقافية والفنية بين مصر وفرنسا في الإسكندرية أكثر من مجرد تعاون تقليدي؛ فهي امتداد لذاكرة حضارية مشتركة صنعتها قرون من التفاعل الإنساني والفكري والفني.
وخلال العامين الماضيين، شهدت الإسكندرية زخما ملحوظا في الأنشطة الثقافية والفنية الفرنسية، تزامنا مع تنامي الحضور الفرنكوفوني وهو ما يكتسب دلالة خاصة مع الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الإسكندرية، في رسالة تعكس مكانة المدينة كجسر للحوار الثقافي بين ضفتي المتوسط.
وأكدت قنصل فرنسا بالأسكندرية لينا بلان – في تصريح – أن العلاقات الثقافية والفنية بين مصر وفرنسا تمثل أحد أهم محاور التعاون بين البلدين، خاصة في مدينة الإسكندرية التي وصفتها بأنها “مدينة فرانكوفونية غنية ثقافيا وفنيا”.
وقالت إن العلاقات بين مصر وفرنسا قوية جدا وعميقة، مشيرة إلى أن الإسكندرية تحتل مكانة خاصة في هذا التعاون بحكم تاريخها الثقافي وتنوعها الحضاري، لافتة إلى أن الاسكندرية تعد أول مدينة فرنكوفونية في مصر، مشيرة إلى وجود نحو مليون ناطق بالفرنسية في الإسكندرية ضمن نحو 3 ملايين فرنكوفوني في مصر.
وبرز دور المعهد الفرنسي بالأسكندرية خلال الفترة الأخيرة كأحد أهم المراكز الثقافية النشطة في المدينة، عبر تنظيم واستضافة عشرات الفعاليات الفنية والأدبية والموسيقية التي جمعت فنانين ومثقفين من مصر وفرنسا ودول المتوسط، في إطار رؤية تقوم على تعزيز التبادل الثقافي والانفتاح على التنوع الفني.
ومن أبرز الفعاليات التي شهدها المعهد، مهرجان “كتابة وسرد البحر المتوسط” الذي أقيم منذ شهر تحت عنوان “حوار المدينة والميناء”، بمشاركة كتاب وفنانين ومثقفين من عدة دول متوسطية، وركز على الروابط التاريخية والثقافية بين الإسكندرية والمدن الفرنسية خاصة مارسيليا، وما تمثله المدينتان من رمزية حضارية في الفضاء المتوسطي كما ناقش المهرجان التحولات العمرانية والاجتماعية والثقافية في مدن الموانئ المتوسطية، بمشاركة مؤسسات ثقافية فرنكوفونية وشركاء دوليين.
وفي المجال الفني والموسيقي، استضاف المعهد الفرنسي بالإسكندرية عددا من الحفلات والعروض الدولية ضمن فعاليات مهرجان “هي الفنون ” حيث اجتمع فنانون من مصر وفرنسا وأوروبا في أمسيات موسيقية وفنية عكست روح الانفتاح والتنوع الثقافي الذي يميز المدينة.
كما واصل المعهد دعمه للمشروعات الإبداعية والحرفية المحلية من خلال استضافة معرض “مصري وبس”، الذي أصبح أحد الفعاليات السنوية البارزة لدعم الحرف اليدوية والمشروعات الصغيرة، بمشاركة واسعة من الشباب ورواد الصناعات التراثية، وهو ما يعكس توجها فرنسيا لدعم الصناعات الثقافية والإبداعية بالإسكندرية.
ولا يقتصر النشاط الفرنسي في المدينة على الفنون فقط، بل يمتد إلى دعم المؤسسات الفرنكوفونية والتعليمية، وفي مقدمتها جامعة سنجور التي تعد إحدى أبرز المؤسسات الجامعية الفرنكوفونية في إفريقيا والشرق الأوسط حيث شهدت الجامعة خلال الفترة الأخيرة توسعات كبيرة بالحرم الجديد في برج العرب، بالتوازي مع تعزيز التعاون الأكاديمي والثقافي بين القاهرة وباريس، وسط اهتمام فرنسي متزايد بدور الجامعة في إعداد الكوادر الإفريقية الناطقة بالفرنسية.
وخلال فبراير الماضى، أطلقت فرنسا من الإسكندرية برنامج “المتوسط 2026”، بحضور السفير الفرنسي والقنصل الفرنسي بالإسكندرية، في فعالية حملت رسائل واضحة حول أهمية المدينة كمساحة للحوار الثقافي والإبداعي بين شعوب المتوسط وأكد المسئولون الفرنسيون خلال الفعالية أن الإسكندرية تمثل نموذجا للتنوع والانفتاح والتعايش الحضاري، وهي القيم التي تسعى فرنسا إلى تعزيزها عبر أنشطتها الثقافية بالمدينة.
وأكد مراقبون أن النشاط الثقافي الفرنسي بالإسكندرية خلال العامين الأخيرين؛ يعكس رغبة باريس في استعادة الزخم الثقافي التاريخي داخل المدينة، التي ارتبطت لعقود طويلة بالحضور الأوروبي والفرنكوفوني، خاصة في مجالات التعليم والفنون والسينما والأدب، كما أن هذا الحراك الثقافي يتزامن مع تنامي الاهتمام الرسمي بتعزيز العلاقات المصرية الفرنسية على المستويات السياسية والاقتصادية والتعليمية.
ومع زيارة ماكرون المرتقبة للإسكندرية، تبدو الثقافة والفنون أحد أبرز الجسور الناعمة التي تعيد إحياء الروابط التاريخية بين البلدين، في مدينة لا تزال تحتفظ بروحها الكوزموبوليتانية، وتواصل لعب دورها كعاصمة للحوار الحضاري في البحر المتوسط .
المصدر : أ ش أ

