ما وراء الشاشة.. البصمة المائية الخفية للذكاء الاصطناعي بين ثورة التكنولوجيا وتحديات الاستدامة
وراء كل إجابة.. قطرة ماء
في أقل من ثانية، يكتب المستخدم سؤالًا على شاشة هاتفه، فتظهر الإجابة أمامه وكأنها خرجت من فضاء غير مرئي. لا يرى الخوادم التي عالجت طلبه، ولا آلاف المعالجات التي تعمل بلا توقف، ولا الحرارة الهائلة الناتجة عن تشغيلها، ولا أنظمة التبريد المعقدة التي تحافظ على استمرار عمل مراكز البيانات.
بالنسبة للمستخدم، لا تتجاوز التجربة كتابة سؤال وانتظار إجابة. لكن خلف الشاشة تبدأ رحلة أخرى داخل بنية تحتية ضخمة تمتد عبر مراكز بيانات عملاقة تضم آلاف الخوادم ومعدات التخزين والمعالجة، وتستهلك كميات هائلة من الطاقة، بينما تعتمد بعض أنظمة تشغيلها على المياه لتبريد المعدات، أو بصورة غير مباشرة من خلال إنتاج الكهرباء وتصنيع الرقائق الإلكترونية التي تقوم عليها هذه التكنولوجيا.
ومع الانتشار المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، لم يعد النقاش مقتصرًا على تأثير هذه الثورة الرقمية في مجالات العمل والتعليم والصحة، بل امتد إلى سؤال أكثر عمقًا: ما التكلفة البيئية الحقيقية وراء هذا التوسع التكنولوجي؟
فبينما يَعِد الذكاء الاصطناعي بقدرات غير مسبوقة في تحسين حياة البشر وحل كثير من التحديات المستقبلية، تكشف الدراسات عن جانب آخر أقل ظهورًا، يتعلق بالموارد التي تحتاجها هذه التقنيات حتى تعمل، وفي مقدمتها المياه والطاقة.
فإذا كانت كل إجابة يولدها الذكاء الاصطناعي تمر عبر مراكز بيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة، فأين يقع الماء في هذه المعادلة؟ وهل يمكن لتكنولوجيا يُعوّل عليها في مواجهة أزمات المستقبل أن تضيف ضغوطًا جديدة على أحد أكثر الموارد أهمية وندرة؟
من هنا يبدأ هذا التحقيق لوكالة أنباء الشرق الاوسط رحلة تتبع للمياه المختبئة خلف الشاشات، لرصد البصمة المائية للذكاء الاصطناعي، والكشف عن حجم الموارد التي تقف وراء هذه الثورة الرقمية، وكيف يمكن تحقيق التوازن بين تسارع الابتكار التكنولوجي ومتطلبات الأمن المائي والاستدامة.
ثورة رقمية.. وبنية تحتية تستهلك الموارد
رغم أن مصطلح «الحوسبة السحابية» قد يوحي بأن خدمات الذكاء الاصطناعي تعمل داخل فضاء افتراضي بعيد عن الواقع المادي، فإن الحقيقة مختلفة تمامًا؛ إذ تعتمد هذه الخدمات على بنية تحتية ضخمة تضم مراكز بيانات عملاقة تحتوي على آلاف الخوادم ووحدات التخزين ومعدات الشبكات وأنظمة التبريد التي تعمل على مدار الساعة لضمان استمرار الخدمة.
ومع التطور السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي، ارتفع الطلب على معالجات أكثر قوة وقدرة على تنفيذ مليارات العمليات الحسابية خلال وقت قصير، وهو ما أدى إلى زيادة كبيرة في احتياجات مراكز البيانات من الكهرباء، وما يرتبط بها من استهلاك للموارد الطبيعية.
وتشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن مراكز البيانات استهلكت نحو 415 تيراواط/ساعة من الكهرباء عالميًا خلال عام 2024، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، مدفوعًا بصورة أساسية بالتوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، وأن الخوادم تستحوذ على الجزء الأكبر من استهلاك الكهرباء داخل مراكز البيانات، بينما تختلف احتياجات التبريد من منشأة إلى أخرى؛ فقد تمثل نحو 7% من استهلاك الكهرباء في المراكز الأكثر كفاءة، وقد تتجاوز 30% في المراكز الأقل كفاءة.
وهنا تبدأ القصة التي لا يراها المستخدم
فكلما ازدادت قدرة الخوادم على معالجة البيانات، ارتفعت الحرارة الناتجة عنها، وهو ما يفرض الحاجة إلى أنظمة تبريد أكثر تطورًا للحفاظ على كفاءة التشغيل ومنع تعطل المعدات.. وفي بعض مراكز البيانات تعتمد هذه الأنظمة على المياه بصورة مباشرة؛ بينما تستخدم مراكز أخرى تقنيات تعتمد على الهواء أو أنظمة تبريد مغلقة أو سوائل متخصصة.
وبذلك لا يمكن تحديد رقم واحد ثابت للبصمة المائية للذكاء الاصطناعي، إذ تختلف هذه البصمة وفقًا لتصميم مركز البيانات، وموقعه الجغرافي، ومصدر الطاقة الذي يعتمد عليه، ونظام التبريد المستخدم.
700 ألف لتر لتدريب نموذج واحد.. عندما تكشف الأبحاث الوجه الآخر للذكاء الاصطناعي
إذا كانت البنية التحتية لمراكز البيانات تكشف حجم الموارد التي تحتاجها تقنيات الذكاء الاصطناعي حتى تعمل، فإن الدراسات العلمية الحديثة حاولت الاقتراب أكثر من الإجابة عن سؤال جوهري: كم تبلغ البصمة المائية الفعلية لهذه النماذج؟
وفي هذا السياق، نشر باحثون عام 2023 دراسة بعنوان «Making AI Less Thirsty» (جعل الذكاء الاصطناعي أقل عطشًا)، تعد من أوائل الدراسات التي تناولت بصورة مباشرة العلاقة بين الذكاء الاصطناعي واستهلاك المياه، موضحة أن تدريب نموذج GPT-3 داخل مراكز بيانات متقدمة في الولايات المتحدة ارتبط باستهلاك مباشر يقدر بنحو 700 ألف لتر من المياه العذبة، وهي كمية تخص مرحلة تدريب النموذج وليس كل سؤال يطرحه المستخدم بعد تشغيله.
وأوضحت الدراسة أن البصمة المائية للذكاء الاصطناعي لا ترتبط فقط بالمياه المستخدمة في أنظمة تبريد مراكز البيانات، وإنما تمتد إلى مراحل أخرى غير مرئية، تشمل المياه اللازمة لإنتاج الكهرباء التي تغذي هذه المراكز، إلى جانب المياه المستخدمة في تصنيع أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية التي تمثل الأساس المادي لهذه التكنولوجيا.
كما توقعت الدراسة أن يؤدي التوسع العالمي في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى ارتباط هذا القطاع بسحب ما بين 4.2 و6.6 مليار متر مكعب من المياه بحلول عام 2027، مع التأكيد على أن هذه التقديرات لا تمثل رقمًا ثابتًا لكل استخدام، وإنما تتغير وفقًا لمواقع مراكز البيانات، ومصادر الطاقة المستخدمة، وكفاءة أنظمة التبريد المعتمدة.
ورغم ضخامة هذه الأرقام، يشدد الباحثون على ضرورة قراءتها في سياقها الصحيح؛ فالبصمة المائية للذكاء الاصطناعي لا تعني أن كل إجابة يقدمها النظام تستهلك كمية محددة من المياه، وإنما تعكس الأثر التراكمي للبنية التحتية الضخمة التي تقوم عليها هذه النماذج مع توسع الاعتماد عليها عالميًا.
الاقتصاد البيئي.. عندما لا تظهر التكلفة الحقيقية في فاتورة المياه والكهرباء
ولا تتوقف القضية عند حجم المياه والطاقة التي تستهلكها مراكز البيانات، بل تمتد إلى سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بكيفية احتساب التكلفة الحقيقية لهذا الاستهلاك؛ فالفاتورة المالية التي تدفعها الشركات مقابل الكهرباء والمياه لا تعكس بالضرورة كامل الأثر البيئي والاجتماعي الناتج عن تشغيل هذه المنشآت.
ويؤكد الدكتور علاء سرحان، أستاذ اقتصاديات البيئة بجامعة عين شمس وخبير التمويل المناخي والاستدامة، فى تصريحاته الخاصة للوكالة، أن تقييم التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقتصر على التكاليف المباشرة التي تتحملها الشركات، لأن هذه الحسابات لا تشمل مجموعة واسعة من التكاليف غير المنظورة التي يتحملها المجتمع والبيئة والأجيال المقبلة.
وأوضح أن الاقتصاد البيئي يعتمد على مفهوم «التكلفة الاجتماعية الحدية»، وهو مفهوم يتجاوز الحسابات التقليدية للأرباح والخسائر، ليأخذ في الاعتبار قيمة الموارد الطبيعية المستهلكة، والأضرار البيئية الناتجة عن استخدامها، إضافة إلى الفرص التي يفقدها المجتمع عند توجيه هذه الموارد إلى استخدام معين دون غيره.
وضرب مثالًا بالمياه، موضحًا أن السعر الذي تدفعه مراكز البيانات مقابل استهلاك المياه لا يعكس قيمتها الاقتصادية الحقيقية، لأن هذا السعر لا يأخذ في الاعتبار ما يعرف بـ تكلفة الفرصة البديلة للمياه (Water Opportunity Cost) أو تكلفة الندرة، أي قيمة الاستخدامات الأخرى التي كان يمكن توجيه هذه المياه إليها.
وأشار إلى أن كل متر مكعب من المياه يُستخدم في تبريد الخوادم داخل مراكز البيانات يمثل موردًا لم يعد متاحًا لاستخدامات أخرى، سواء في الزراعة أو مياه الشرب أو القطاعات الصناعية أو البيئية، خاصة في الدول التي تعاني أصلًا من ضغوط مائية متزايدة.
وأضاف أن القضية لا ترتبط فقط بالقيمة المالية للمياه، وإنما بقيمتها الاقتصادية والاجتماعية، فالمياه التي تستخدم في تبريد الخوادم كان يمكن أن تسهم في تلبية احتياجات قطاعات أخرى، ومن ثم فإن هذه القيمة المفقودة يجب أن تدخل ضمن تقييم الجدوى الاقتصادية لأي مشروع يعتمد على استهلاك هذا المورد.
ولا تقتصر التكلفة البيئية غير المرئية للذكاء الاصطناعي على استهلاك المياه، إذ يشير الدكتور علاء سرحان، أستاذ اقتصاديات البيئة بجامعة عين شمس وخبير التمويل المناخي والاستدامة، إلى أن تشغيل مراكز البيانات يرتبط كذلك بانبعاثات كربونية ناتجة عن استهلاك كميات ضخمة من الكهرباء، خاصة في حال الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.
وأوضح أن هذه الانبعاثات تدخل ضمن مفهوم «التكلفة الاجتماعية للكربون (Social Cost of Carbon)»، التي تعكس الأضرار الاقتصادية والبيئية الناتجة عن تغير المناخ وتأثيراته على الصحة العامة وجودة الحياة، مؤكدًا أن تقييم مشروعات الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقتصر على تكلفة الكهرباء والمياه التي تدفعها الشركات، وإنما يجب أن يشمل الأعباء البيئية التي يتحملها المجتمع.
وأضاف أن الأمر يمتد إلى ما يعرف بـ«التلوث الحراري»، حيث قد تؤدي مياه التبريد الخارجة من بعض مراكز البيانات بدرجات حرارة مرتفعة إلى التأثير في النظم البيئية المائية إذا لم تتم معالجتها بصورة مناسبة، محذرًا كذلك من الاعتماد على المياه الجوفية في عمليات التبريد، باعتبارها موردًا استراتيجيًا يحتاج إلى فترات طويلة للتجدد.
وشدد سرحان على أن التقييم الحقيقي لمشروعات الذكاء الاصطناعي يتطلب استخدام أدوات الاقتصاد البيئي، وفي مقدمتها تحليل دورة الحياة (Life Cycle Assessment)، الذي لا يقتصر على مرحلة تشغيل مراكز البيانات، بل يشمل تصنيع الرقائق الإلكترونية والمعدات والتخلص منها بعد انتهاء عمرها التشغيلي، لرصد استهلاك المياه والطاقة والانبعاثات عبر دورة التكنولوجيا كاملة.
كما دعا إلى احتساب «سعر الظل (Shadow Price)» للموارد الطبيعية، موضحًا أن الأسعار الرسمية للمياه والطاقة لا تعكس دائمًا قيمتها الحقيقية أو تكلفة ندرتها، مؤكدًا أن نجاح مشروعات الذكاء الاصطناعي لا يقاس فقط بعوائدها الاقتصادية، وإنما بقدرتها على تحقيق قيمة حقيقية دون تحميل البيئة والمجتمع أعباء غير محسوبة.
البنية الخفية للذكاء الاصطناعي.. ما لا يراه المستخدم خلف الشاشة
رغم أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي يتركز غالبًا على قدراته المتطورة في تسريع إنجاز المهام وتطوير الخدمات، فإن جانبًا آخر لا يزال بعيدًا عن اهتمام كثيرين، يتعلق بالبنية التحتية الضخمة التي تقف خلف هذه التقنيات، وما تحتاجه من موارد طبيعية حتى تعمل بكفاءة.
وتقول إيمان الوراقي، مؤسسة مبادرة «ثورة الذكاء الاصطناعي»، فى تصريحات خاصة للوكالة، إن التوسع المتسارع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يرتبط بشكل مباشر بزيادة الاعتماد على مراكز البيانات العملاقة، موضحة أن تطور نماذج التعلم العميق والنماذج اللغوية الكبيرة يتطلب قدرات حوسبة هائلة، وهو ما يستدعي إنشاء منشآت تضم أعدادًا ضخمة من الخوادم والمعالجات التي تعمل على مدار الساعة دون توقف.
وتوضح أن تشغيل هذه الخوادم ينتج عنه كميات كبيرة من الحرارة، الأمر الذي يجعل أنظمة التبريد عنصرًا أساسيًا في استمرار عمل مراكز البيانات، حيث تعتمد بعض هذه الأنظمة على المياه بصورة مباشرة لتقليل درجات الحرارة والحفاظ على كفاءة المعدات، إلى جانب الاستهلاك غير المباشر للمياه المرتبط بإنتاج الكهرباء اللازمة لتشغيل هذه البنية التحتية.
وتؤكد الوراقي أن مفهوم «السحابة الرقمية» قد يعطي انطباعًا بأنها مساحة افتراضية غير مرتبطة بالموارد المادية، بينما الحقيقة أنها تعتمد على منظومة ضخمة من المنشآت الحقيقية التي تشمل مراكز البيانات، والخوادم، وشبكات الاتصالات، وأنظمة التخزين والتبريد، وجميعها تحتاج إلى طاقة ومياه حتى تقدم الخدمات التي يراها المستخدم على شاشة هاتفه أو جهازه.
وتشير إلى أن تعقيد نماذج الذكاء الاصطناعي وتوسع استخدامها يؤديان إلى زيادة الطلب على هذه البنية التحتية، وبالتالي ارتفاع البصمة البيئية المرتبطة بها، مؤكدة أن التحدي لا يتمثل في وقف التطور التكنولوجي، وإنما في إدماج اعتبارات الاستدامة منذ المراحل الأولى لتصميم هذه الأنظمة، حتى لا يتحول التحول الرقمي إلى ضغط إضافي على الموارد الطبيعية.
وتضيف أن أحد أبرز التحديات يتمثل في أن معظم المستخدمين لا يدركون أن الإجابات التي يحصلون عليها خلال ثوانٍ لا يتم إنتاجها داخل الهواتف أو أجهزة الحاسوب، وإنما داخل مراكز بيانات بعيدة تعمل بها آلاف الخوادم لمعالجة الطلبات المتزايدة بشكل مستمر.
وتوضح أن هذه المراكز تستهلك المياه بشكل مباشر في عمليات التبريد، كما ترتبط باستهلاك غير مباشر للمياه عبر دورة إنتاج الطاقة، فضلًا عن المياه المستخدمة في تصنيع الرقائق الإلكترونية والمكونات الدقيقة التي تمثل الأساس الصناعي للذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل البصمة المائية لهذه التقنيات أوسع من مجرد المياه التي تُستخدم داخل مراكز البيانات.
وترى الوراقي أن الصورة الشائعة عن الخدمات الرقمية باعتبارها خدمات «نظيفة» أو غير مرتبطة باستهلاك الموارد تحتاج إلى إعادة نظر، مؤكدة أن التكنولوجيا الرقمية، رغم طابعها غير الملموس، تعتمد في النهاية على موارد طبيعية حقيقية، وأن تحقيق الاستدامة يتطلب مزيدًا من الشفافية والإفصاح عن حجم استهلاك الطاقة والمياه المرتبط بهذه التقنيات.
ومع التوسع في إنشاء مراكز البيانات حول العالم، تشير الوراقي إلى أن الاعتبارات المائية يجب أن تصبح جزءًا أساسيًا من قرارات إنشاء هذه المشروعات، خاصة في المناطق التي تعاني من الإجهاد المائي، موضحة أن اختيار مواقع مراكز البيانات لا ينبغي أن يعتمد فقط على توافر البنية التحتية الرقمية ومصادر الطاقة، وإنما يجب أن يراعي قدرة الموارد المائية المحلية على تحمل الاحتياجات الإضافية.
وتحذر من أن إقامة هذه المراكز في مناطق تعاني بالفعل من ندرة المياه قد يضيف ضغوطًا جديدة على الموارد المتاحة، مؤكدة أن التوسع الرقمي المستدام يتطلب دراسات أثر بيئي شاملة تتضمن حجم استهلاك المياه والطاقة، وكفاءة أنظمة التبريد، وإمكانية استخدام المياه المعالجة، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات التطور التكنولوجي والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وفي المقابل، تؤكد الوراقي أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل تحديًا فقط أمام الموارد المائية، بل يمكن أن يكون جزءًا من الحل إذا تم توجيهه نحو التطبيقات التي تحقق وفورات حقيقية، من خلال استخدامه في التنبؤ بالجفاف، وتحسين إدارة شبكات المياه، واكتشاف التسربات، ودعم نظم الري الذكية التي تساعد على رفع كفاءة استخدام المياه في القطاع الزراعي.
وتشدد الوراقي على أن خفض البصمة المائية للذكاء الاصطناعي لا يرتبط فقط بتطوير تقنيات التبريد أو تحسين كفاءة مراكز البيانات، وإنما يبدأ أيضًا من تصميم نماذج أكثر كفاءة تحتاج إلى قدرة حوسبية وطاقة أقل لتحقيق النتائج المطلوبة، مؤكدة أن تعزيز الشفافية والإفصاح عن استهلاك الموارد يمثلان خطوة أساسية لضمان تطوير تقنيات رقمية أكثر استدامة، تحقق التقدم التكنولوجي دون تحميل الموارد الطبيعية أعباء إضافية.
المخلفات الإلكترونية.. البصمة المائية لا تنتهي عند مراكز البيانات
وبينما يتركز جانب كبير من النقاش حول المياه التي تستهلكها مراكز البيانات في تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، فإن البصمة المائية لهذه التقنيات تبدأ قبل تشغيل الخوادم بسنوات، منذ مراحل تصنيع الرقائق الإلكترونية والمعالجات، ولا تنتهي بخروج الأجهزة من الخدمة، وإنما تمتد إلى إدارة ملايين الأطنان من المخلفات الإلكترونية التي تنتج عن التطور المتسارع لهذه التكنولوجيا.
ويؤكد المهندس أحمد سالم، رئيس مجلس إدارة الجمعية التعاونية لتدوير المخلفات الإلكترونية ورئيس لجنة المخلفات الإلكترونية باتحاد الصناعات المصرية، أن التوسع الكبير في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي سيؤدي بالضرورة إلى زيادة غير مسبوقة في حجم المخلفات الإلكترونية عالميًا، موضحًا أن العالم ينتج حاليًا نحو 62 مليون طن من المخلفات الإلكترونية سنويًا، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى نحو 82 مليون طن بحلول عام 2030، في ظل الاعتماد المتزايد على الخوادم ووحدات المعالجة والشرائح الإلكترونية عالية الأداء.
ويفسر سالم ذلك بأن تقنيات الذكاء الاصطناعي تعتمد على بنية تحتية ضخمة من المعدات الإلكترونية التي تتطور بوتيرة متسارعة، حيث تسعى الشركات باستمرار إلى استخدام أجيال أحدث من المعالجات والخوادم الأكثر قدرة على تنفيذ العمليات الحسابية المعقدة، وهو ما يؤدي إلى خروج كميات متزايدة من الأجهزة والمكونات الإلكترونية من الخدمة، ويجعل الاستثمار في منظومات جمع وإعادة تدوير هذه المخلفات ضرورة لمواكبة التوسع الرقمي.
ويشير إلى أن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمخلفات الإلكترونية لا تتوقف عند زيادة الكميات فقط، وإنما تمتد إلى القيمة البيئية والاقتصادية لهذه المكونات، إذ تحتوي الخوادم والشرائح الإلكترونية على معادن ثمينة يمكن استعادتها وإعادة استخدامها، مثل الذهب والفضة والنحاس والبلاديوم، إلى جانب مواد أخرى تحتاج إلى عمليات معالجة متخصصة لمنع تأثيراتها السلبية على البيئة.
ويؤكد سالم أن كثيرًا من النقاش حول البصمة المائية للذكاء الاصطناعي يركز على المياه المستخدمة في تبريد مراكز البيانات، بينما يغفل مرحلة سابقة لا تقل أهمية، وهي تصنيع أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية، التي تعد من أكثر الصناعات استهلاكًا للمياه، خاصة المياه فائقة النقاء المستخدمة في عمليات الغسل والتنظيف والتصنيع والتبريد.
ويكشف أن تصنيع رقاقة سيليكون واحدة بقطر 30 سنتيمترًا قد يحتاج إلى نحو 8300 لتر من المياه، من بينها حوالي 5700 لتر من المياه فائقة النقاء، موضحًا أن هذه النوعية من المياه تمر بمراحل معالجة دقيقة لتصل إلى مستوى النقاء المطلوب في صناعة أشباه الموصلات، التي تعتمد عليها معظم تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة.
ويضيف أن استهلاك المياه في هذه الصناعة لا يقتصر على مصنع واحد أو مرحلة إنتاج محددة، إذ يمكن لمصنع متوسط لإنتاج الشرائح الإلكترونية أن يستهلك كميات من المياه تعادل استهلاك مدينة يبلغ عدد سكانها نحو 58 ألف نسمة، بينما يصل إجمالي استهلاك مصانع أشباه الموصلات عالميًا إلى مستويات تقارب استهلاك مدن كبرى، وهو ما يكشف حجم الموارد المائية المرتبطة بالبنية الصناعية للتكنولوجيا الرقمية.
ويلفت إلى أن التأثير البيئي لصناعة الرقائق الإلكترونية لا يرتبط فقط بكميات المياه المستخدمة، وإنما أيضًا بجودة المياه الناتجة عن عمليات التصنيع، إذ تنتج هذه الصناعة مياه صرف تحتوي على معادن ثقيلة ومواد كيميائية تحتاج إلى معالجة دقيقة، فضلًا عن استهلاك الموارد المائية خلال عمليات تعدين المعادن النادرة المستخدمة في تصنيع المكونات الإلكترونية.
ويحذر سالم من أن التخلص غير الآمن من الخوادم والأجهزة الإلكترونية بعد انتهاء عمرها التشغيلي يمثل مصدرًا محتملًا لتلوث المياه والتربة، بسبب احتواء هذه المخلفات على معادن ثقيلة ومواد كيميائية قد تتسرب إلى البيئة عند دفنها أو حرقها بطرق غير سليمة، مؤكدًا أن التعامل مع المخلفات الإلكترونية لم يعد قضية مرتبطة بالتخلص من الأجهزة فقط، وإنما أصبح جزءًا أساسيًا من حماية الموارد الطبيعية.
ويؤكد أن إعادة تدوير المخلفات الإلكترونية تمثل أحد الحلول المهمة لتقليل البصمة المائية للذكاء الاصطناعي، لأن جزءًا كبيرًا من استهلاك المياه يرتبط بمراحل استخراج المعادن الخام وتصنيع المكونات الإلكترونية، وبالتالي فإن استعادة المعادن من الأجهزة القديمة وإعادتها إلى دورة الإنتاج يقلل الحاجة إلى عمليات التعدين الجديدة وما يصاحبها من استهلاك للمياه والطاقة.
وأشار إلى أن أهمية إعادة التدوير تظهر بوضوح عند النظر إلى سلاسل التوريد العالمية، موضحًا أن الجزء الأكبر من البصمة المائية لبعض شركات التكنولوجيا يرتبط بمرحلة التصنيع وليس بمرحلة استخدام المنتجات، وهو ما يؤكد أن تحسين إدارة سلاسل الإنتاج وإعادة استخدام المكونات يمكن أن يكون له تأثير كبير في خفض الأثر البيئي للتكنولوجيا.
وعن الوضع في مصر، يرى سالم أن الدولة تمتلك فرصة لتطوير قطاع إدارة المخلفات الإلكترونية، إلا أن ذلك يتطلب التوسع في نقاط التجميع، ورفع الوعي المجتمعي، وتنظيم مشاركة القطاع غير الرسمي، وتشجيع الاستثمار في مصانع إعادة التدوير الحديثة القادرة على استعادة المواد القيمة بطريقة آمنة بيئيًا.
ويختتم حديثه بأن الذكاء الاصطناعي نفسه يمكن أن يسهم في تطوير هذا القطاع من خلال إنشاء منصات ذكية تربط المواطنين بجهات جمع المخلفات الإلكترونية، وتحليل البيانات لتحديد المناطق الأكثر إنتاجًا لهذه المخلفات، وتحسين مسارات النقل، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات الفرز والمعالجة، بما يرفع كفاءة إعادة التدوير ويقلل من التأثيرات البيئية المصاحبة.
الذكاء الاصطناعي بين استهلاك الموارد وحمايتها
لم يعد تقييم الذكاء الاصطناعي مرتبطًا فقط بقدراته التقنية، وإنما بمدى قدرة الدول على دمجه في خطط التنمية بصورة تراعي محدودية الموارد الطبيعية، خاصة المياه.
وفي هذا السياق، يشير الدكتور محمود كمال، الباحث في شؤون المياه والزراعة، إلى أن الدول التي تعاني من محدودية الموارد المائية، ومنها مصر، مطالبة بالنظر إلى التحول الرقمي من منظور أكثر شمولًا يوازن بين متطلبات التطور التكنولوجي واعتبارات الأمن المائي، مؤكدًا أن التحدي لا يتمثل في رفض التكنولوجيا، وإنما في كيفية توظيفها بصورة مستدامة تحقق الاستفادة من إمكاناتها دون زيادة الضغوط على الموارد الطبيعية.
وأوضح أن التوسع في إنشاء مراكز البيانات الكبرى يجب أن يسبقه تقييم شامل لبصمتها المائية، على غرار تقييم استهلاكها للطاقة وتأثيراتها البيئية، بحيث يشمل حجم المياه المستخدمة في عمليات التبريد، وكفاءة الأنظمة المستخدمة، وإمكانية الاعتماد على المياه المعالجة أو إعادة استخدام المياه، إلى جانب دراسة التأثير التراكمي لهذه المشروعات على الموارد المائية في المناطق التي تقام بها.
وأضاف أن اختيار مواقع مراكز البيانات لا ينبغي أن يعتمد فقط على توافر البنية التحتية الرقمية ومصادر الطاقة، وإنما يجب أن يخضع لمعايير بيئية ومائية واضحة، من بينها تجنب المناطق الأكثر تعرضًا للإجهاد المائي، والاستفادة من مصادر الطاقة النظيفة، واستخدام تقنيات تبريد أكثر كفاءة، فضلًا عن الالتزام بالإفصاح عن معدلات استهلاك المياه والطاقة لتعزيز الشفافية والمساءلة البيئية.
وأشار إلى أن تقييم مشروعات الذكاء الاصطناعي يجب ألا يقتصر على العوائد الاقتصادية أو سرعة تقديم الخدمات الرقمية، وإنما يجب أن يشمل مدى كفاءة استخدام الموارد وتقليل الآثار البيئية، موضحًا أن الاستدامة ينبغي أن تكون جزءًا أساسيًا من التخطيط للبنية التحتية الرقمية منذ مراحلها الأولى.
وفي المقابل، يؤكد الدكتور محمود كمال أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحول من مستهلك للموارد إلى أداة فعالة لحمايتها، إذا تم توجيه تطبيقاته نحو المجالات التي تحقق وفورات حقيقية، موضحًا أن هذه التقنيات أصبحت قادرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات المناخية والهيدرولوجية، بما يساعد على التنبؤ المبكر بموجات الجفاف والسيول، ودعم خطط إدارة الموارد المائية.
وأوضح أن استخدام الذكاء الاصطناعي في شبكات مياه الشرب يمكن أن يسهم في رفع كفاءة التشغيل من خلال تحليل بيانات التدفقات والضغوط واكتشاف أماكن التسربات، وهو ما يساعد على تقليل الفاقد من المياه وخفض تكاليف الصيانة، خاصة في الشبكات الكبيرة التي يصعب متابعتها بالطرق التقليدية.
وأضاف أن القطاع الزراعي يعد من أكثر المجالات التي يمكن أن تستفيد من هذه التقنيات، من خلال أنظمة الري الذكية التي تعتمد على بيانات رطوبة التربة والظروف المناخية لتحديد الاحتياجات الفعلية للمحاصيل، بما يساهم في توجيه المياه بالكميات المناسبة وتقليل الهدر، وهو أمر يكتسب أهمية خاصة في ظل التحديات المرتبطة بندرة المياه وتغير المناخ.
وأشار إلى أن مصر تمتلك فرصًا واعدة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي في إدارة مواردها المائية، من خلال تطوير منظومات الإنذار المبكر، وتحسين تشغيل منشآت الري، والاستفادة من تقنيات الاستشعار عن بعد وصور الأقمار الصناعية في متابعة المحاصيل وتحديد احتياجاتها المائية، إلى جانب بناء نماذج تنبؤية تساعد متخذي القرار في التعامل مع السيناريوهات المناخية المستقبلية.
واختتم الدكتور محمود كمال بالتأكيد على أن مستقبل إدارة الموارد لن يعتمد فقط على امتلاك التكنولوجيا، وإنما على القدرة على استخدامها بصورة مسؤولة ومستدامة.
وفى النهاية، خلف كل إجابة يولدها الذكاء الاصطناعي توجد منظومة كاملة من الموارد والعمليات التي لا يراها المستخدم، تبدأ من تصنيع الرقائق الإلكترونية، وتمر بتشغيل مراكز البيانات، وتمتد إلى إدارة المخلفات الناتجة عن هذه التكنولوجيا المتسارعة.
وبينما تكشف البصمة المائية لهذه التقنيات عن تحديات جديدة أمام إدارة الموارد الطبيعية، فإنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام فرص واسعة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة المياه والطاقة ودعم القرارات البيئية.
ويبقى التحدي الحقيقي في تحقيق التوازن بين سرعة التطور الرقمي ومتطلبات الاستدامة، من خلال تطوير تقنيات أكثر كفاءة، وتعزيز الشفافية في استهلاك الموارد، وتوجيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي نحو حلول تساعد في حماية المياه بدلًا من زيادة الضغوط عليها،
فالمستقبل لن يعتمد فقط على قدرة التكنولوجيا على إنتاج المزيد من البيانات، وإنما على قدرتها على تحقيق هذا التقدم مع الحفاظ على الموارد التي تقوم عليها الحياة.
المصدر : وكالات
