لوحة لفنانة أمريكية بـ 30 دولارًا تتحول لاكتشاف فني استثنائي وتسجل رقمًا قياسيًا
تحولت لوحة صغيرة للفنانة الأمريكية جيرترود أبيركرومبي “Abercrombie”، عثر عليها أحد هواة اقتناء التحف والأثاث في مزاد عقاري بولاية ميشيجان واشتراها مقابل 30 دولارا فقط، إلى اكتشاف فني استثنائي بعدما بيعت في مزاد بمدينة نيويورك مقابل 1.35 مليون دولار، مسجلة رقما قياسيا عالميا جديدا لأعمال الفنانة التي ارتبط اسمها بالسريالية الأمريكية والحركة الفنية في مدينة شيكاغو خلال منتصف القرن العشرين.
وذكرت “صحيفة الفن” The Art Newspaper أن اللوحة، التي تحمل عنوان “قواقع ألدرمان ميريام” (Alderman Merriam’s Shells) وتعود إلى عام 1951، بيعت الخميس الماضي في دار فريمانز للمزادات في نيويورك بسعر 1,352,600 دولار، شاملا عمولة المشتري، متجاوزة بفارق كبير تقديرات ما قبل المزاد التي تراوحت بين 150 ألفا و250 ألف دولار. كما تجاوزت اللوحة الرقم القياسي السابق لأعمال أبيركرومبي، والذي بلغ مليون دولار في نوفمبر 2025.
وتعود بداية قصة العمل إلى صيف العام الجاري، عندما كان جامع للتحف والأسطوانات الموسيقية وأثاث منتصف القرن يتجول في مزاد عقاري بولاية ميشيجان، حيث لفت انتباهه عمل فني صغير موضوع في ركن مظلم من أحد الممرات، ولم يكن يعرف في ذلك الوقت القيمة الحقيقية للوحة، إلا أن توقيع الفنانة جيرترود أبيركرومبي “Abercrombie” والتاريخ المدون عليها دفعاه إلى شرائها مقابل 30 دولارا.
وبعد اكتشاف اللوحة، بدأ المالك الجديد في البحث عن الفنانة والعمل، وقاده ذلك إلى معرض بعنوان “العالم كله لغز” (The Whole World Is a Mystery) أقيم في متحف ميلووكي للفنون. وهناك عثر في كتالوج المعرض على صورة قديمة للوحة نفسها، ظهرت في إطارها الأصلي إلى جانب القواقع التي تصورها، وهو ما شكل خطوة مهمة في التعرف على العمل وتوثيق تاريخه.
وأكدت الباحثة والمؤرخة الفنية سوزان واينينجر، المتخصصة في أعمال أبيركرومبي، أصالة اللوحة، فيما كشفت أبحاث تاريخ الملكية أنها ظلت لدى مالك واحد لسنوات طويلة قبل أن تختفي عن الأنظار. وكانت الفنانة قد منحت العمل لطبيب يدعى جون رينولدز في مدينة كالامازو بولاية ميشيجان، مقابل خدمات طبية، وظلت اللوحة في حوزته ثم لدى أسرته، قبل أن تظهر مجددا في المزاد العقاري بعد غياب دام نحو 75 عاما.
وتصور لوحة “قواقع ألدرمان ميريام”، التي تبلغ أبعادها 8 في 11 بوصة، 9 قواقع بحرية مرسومة بدقة فوق سطح رمادي داكن، بينما تظهر قوقعة مخروطية واحدة معلقة بخيط أمام خلفية سوداء، بما يمنح المشهد طابعا غريبا ومعلقا بين الواقع والخيال، وهو الأسلوب الذي ميز كثيرا من أعمال أبيركرومبي. وكانت القواقع التي تظهر في اللوحة تعود إلى روبرت ميريام، عضو مجلس مدينة شيكاغو عن منطقة هايد بارك، حيث عاشت الفنانة وعملت.
وأشارت صحيفة الفن “The Art Newspaper” إلى أن نتيجة المزاد تمثل قفزة كبيرة في سوق أعمال أبيركرومبي، إذ ارتفع الرقم القياسي لأعمالها بنسبة نحو 33% مقارنة بالرقم السابق البالغ مليون دولار، والذي سجلته لوحة “رسالة من أجل الرحمة” (Message for Mercy) في مزاد أقامته دار سوذبيز في نيويورك في نوفمبر من العام الماضي. وكان الرقم القياسي في السوق الثانوية لأعمال الفنانة لا يتجاوز 864 ألف دولار في مطلع عام 2025.
وقال ديفيد فايس، نائب الرئيس الأول في دار فريمانز والمسؤول عن المزاد، إن النتيجة تؤكد قوة قصة اكتشاف اللوحة، مشيرا إلى أن حتى الحد الأدنى من تقديرات ما قبل البيع، والبالغ 150 ألف دولار، كان يمثل سعرا يزيد 5 آلاف مرة على المبلغ الذي دفعه المشتري في المزاد العقاري.
ولم تكن قيمة اللوحة مرتبطة بسعرها القياسي فقط، إذ أتاح ظهورها مجددا فرصة لإعادة تقييم جانب من تجربة أبيركرومبي الفنية. فقد وصف زاك ويرسوم، رئيس قسم فنون ما بعد الحرب والفن المعاصر في فريمانز، العمل بأنه مثال استثنائي على أسلوب الفنانة، مشيرا إلى أنه لم يكن قد رأى اللوحة من قبل عندما وصلت إليه صورتها للمرة الأولى.
وتتميز أعمال أبيركرومبي عادة بتصوير أشخاص أو أشياء منفردة وسط خلفيات غامضة وغير مألوفة، إلى جانب عناصر تبدو وكأنها تطفو في الفراغ، وهو ما أكسبها قاعدة من المتابعين، رغم أن شهرتها ظلت لفترة طويلة مرتبطة بصورة أساسية بالمشهد الفني في شيكاغو. وشهد الاهتمام بأعمالها تصاعدا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد معرض أقيم عام 2018 في غاليري كارما بنيويورك، ثم معرض آخر في متحف إلمهورست للفنون خارج شيكاغو.
وفي الوقت نفسه، أظهرت نتيجة مزاد فريمانز اتساع الاهتمام بسوق أعمال الفنانة، بعدما بلغ إجمالي مبيعات المجموعة المعروضة في المزاد نحو 3.45 مليون دولار، في مؤشر على تنامي الطلب على أعمالها وعلى أعمال فنانين من التيارات الفنية الأمريكية التي لم تحظ طويلا بالاهتمام نفسه الذي حظي به نظراؤهم الأكثر شهرة.
ولدت جيرترود أبيركرومبي عام 1909 وتوفيت عام 1977، واستقرت في شيكاغو حيث أصبحت جزءا من مجتمع فني وموسيقي نشط، وربطتها صداقات بعدد من موسيقيي الجاز البارزين، من بينهم ديزي غيليسبي وتشارلي باركر. وعلى الرغم من محدودية تمثيلها من جانب صالات العرض خلال حياتها، فإن أعمالها حافظت على حضورها لدى جمهور متخصص، قبل أن يشهد إرثها الفني اهتماما متزايدا من المتاحف والباحثين وسوق المزادات في السنوات الأخيرة.
المصدر : أ ش أ
