سيناريوهات مصير الملف النووي الإيراني في مجلس الأمن
تتحرك الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا (الترويكا الأوروبية)، لدفع الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، في خطوة ترفع مستوى الضغط على طهران، وسط تراجع قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على التحقق من أنشطة إيران ومخزوناتها النووية.
لكن الإحالة لا تعني تلقائيًا فرض عقوبات جديدة، بينما يبقى السؤال الأهم: هل تنجح الخطوة في دفع إيران إلى التفاوض، أم تدفعها إلى مزيد من التشدد وتقليص التعاون مع الوكالة؟
لا سيما أن هذه الخطوة تأتى في وقت أكدت فيه الوكالة الذرية أنها لم تتمكن من استعادة الوصول إلى مواقع نووية إيرانية رئيسية، وفقدت القدرة على التحقق بصورة كاملة من وضع مخزون اليورانيوم المخصب.
وقدرت الوكالة أن إيران كانت تمتلك قبل الهجمات 440.9 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب حتى 60 بالمئة، وهو مستوى مرتفع يمكن رفعه إلى مستويات أقرب للاستخدام العسكري، وفق رويترز
وترفع إحالة الملف إلى مجلس الأمن القضية من نطاق المواجهة بين إيران والوكالة والدول الغربية إلى مستوى المؤسسة الأممية المسؤولة عن السلم والأمن الدوليين، لكنها لا تعني وحدها صدور قرار عقوبات أو إجراء عسكري.
موسكو وبكين تحسمان
فالعامل الأكثر أهمية سيكون موقف روسيا والصين، باعتبارهما عضوين دائمين في مجلس الأمن ويتمتعان بحق النقض.
إذ تشير تقديرات إلى أن موسكو وبكين قد تواصلان الاعتراض على الأساس القانوني والإجرائي لآلية “سناب باك” أو (إعادة فرض العقوبات الأممية)، ما يجعل الملف النووي الإيراني ساحة مواجهة دبلوماسية بين القوى الكبرى، وليس مجرد نزاع بين طهران والدول الغربية. وفق Security Council Report.
بالتالي فإن واشنطن قد تحقق مكسبًا سياسيًا حتى من دون تمرير عقوبات جديدة، عبر إبقاء البرنامج النووي الإيراني تحت مظلة مجلس الأمن ودفع روسيا والصين إلى إعلان مواقف أكثر وضوحًا، بينما تجد طهران نفسها أمام ضغط دولي أوسع.
أزمة “سناب باك”
من جهة أخرى، تزداد الصورة تعقيدًا بسبب العقوبات الأممية المرتبطة بآلية “سناب باك”، التي صُممت في الاتفاق النووي لعام 2015 لإعادة فرض العقوبات على إيران إذا اعتبرت غير ملتزمة بالتزاماتها النووية.
علما أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا كانت قد تحركت في 2025 لتفعيل الآلية، لكن روسيا والصين وإيران اعترضت على الأساس القانوني لهذه الخطوة، بينما تتمسك الدول الأوروبية بموقفها من إعادة العقوبات. وأدى الخلاف إلى نزاع مستمر داخل مجلس الأمن بشأن الوضع القانوني للعقوبات الأممية. وفق Security Council Report.
عقوبات تأثيرها محدود
وحتى في حال صدور إجراءات عقابية جديدة، فإن تأثيرها الاقتصادي لن يكون بالضرورة مماثلًا لصدمة العقوبات الأولى، إذ تخضع إيران أصلًا لعقوبات أميركية وغربية واسعة، كما أعاد الاتحاد الأوروبي فرض عقوباته النووية الاقتصادية والمالية في سبتمبر 2025. وفق مجلس الاتحاد الأوروبي.
لذلك، قد تكون القيمة الأكبر لأي تحرك جديد في إلزام الدول دوليًا بموقف موحد تجاه إيران ورفع الكلفة السياسية والقانونية على طهران، أكثر من إحداث تغيير اقتصادي مفاجئ.
الضغط قد يرتد
لكن رفع الضغط لا يضمن بالضرورة تغيير حسابات إيران، حيث تؤكد دراسات، من أن الضغط، إذا لم يرتبط بمسار تفاوضي واضح، قد يدفع طهران إلى تقليص تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو اتخاذ خطوات نووية أكثر تشددًا، بما يزيد صعوبة مراقبة برنامجها بدلًا من احتوائه. وفق المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ومجموعة الأزمات الدولية.
الرقابة هي الأخطر
في الوقت الذي تبدو مسألة الرقابة أكثر حساسية من العقوبات نفسها، توضح الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن قدرتها على التحقق من البرنامج النووي الإيراني تضررت بشدة.
من جانبه، أشار معهد العلوم والأمن الدولي إلى فقدان الوكالة القدرة على تنفيذ أنشطة التحقق في إيران وفق اتفاق الضمانات منذ 28 فبراير 2026، ما يثير تساؤلات حول مكان بعض المواد النووية ووضعها، مما يوضح أن استمرار غياب الرقابة يترك المجتمع الدولي أمام مشكلة أساسية، وهي عدم امتلاك صورة كاملة وموثوقة عن وضع البرنامج النووي الإيراني، وهو ما يجعل أي تصعيد إضافي أكثر خطورة.
التفاوض يبقى ممكنًا
رغم ذلك، لا تعني الإحالة بالضرورة نهاية الدبلوماسية. فقد تتحول الضغوط إلى ورقة تفاوض إذا ارتبطت بمسار واضح لتخفيفها مقابل خطوات إيرانية قابلة للتحقق، خصوصًا في ملف التفتيش والتخصيب.
إذ تشير تحليلات أوروبية إلى أن العقوبات تكون أكثر فاعلية عندما تستخدم كوسيلة ضغط ضمن صفقة سياسية محتملة، وليس كعقوبة مفتوحة النهاية؛ أي أن يكون أمام طهران طريق واضح لتخفيف الضغوط إذا عادت إلى التعاون مع الوكالة وقبلت بقيود قابلة للتحقق على برنامجها النووي. وفق المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
3 مسارات أمام طهران
وأمام إيران مساران رئيسيان: الأول استخدام التصعيد للعودة إلى التفاوض وتقديم تنازلات في ملف التفتيش والتحقق مقابل ترتيبات لتخفيف الضغوط، وهو ما قد يعيد بعض الرقابة الدولية ويمنع مزيدًا من التصعيد، وفق رويترز.
أما المسار الثاني، فهو اعتبار الإحالة محاولة لإجبارها على التراجع، والرد بتقليص التعاون مع الوكالة أو اتخاذ خطوات نووية أكثر تشددًا، بما قد يفتح دورة جديدة من العقوبات والتهديدات والتصعيد. وفق تحليلات ECFR وتقارير رويترز .
فيما يكمن المسار الثالث في إحالة الملف إلى مجلس الأمن، لكن من دون قدرة على تمرير إجراءات جديدة بسبب اعتراض روسيا والصين، فتظل الأزمة معلقة بين العقوبات والضغط الدبلوماسي من جهة، واستمرار الغموض النووي من جهة أخرى، وذلك وفق Security Council Report
معركة على المسار
في النهاية، لا تتوقف أهمية إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن عند احتمال فرض عقوبات جديدة، بل في المسار الذي ستدفع إليه الخطوة.
فإذا ارتبط الضغط بمفاوضات وضمانات، يمكن أن يصبح وسيلة لإعادة إيران إلى طاولة التفاوض واستعادة الرقابة الدولية. أما إذا تحول إلى مسار مفتوح من العقوبات والتصعيد، فقد يدفع طهران إلى مزيد من التشدد ويزيد الغموض حول برنامجها النووي.
