أكظت دراسة حديثة أن التوتر المزمن الذى أصبح سمة من سمات العصر الحالى والاستمرار تحت الضغط والإجهاد النفسى قد يعرض الإنسان للإصابة بأحد أمراض المناعة الذاتية.
وأوضحت الدراسة انه عند مواجهة الضغط النفسي، يقوم الجسم بتفعيل نظام معقد يُعرف بمحور الغدة النخامية-الوطائية-الكظرية (HPA)، يؤدي هذا التنشيط إلى إفراز مجموعة من الهرمونات، أبرزها الكورتيزول، الذي يُعرف بهرمون التوتر.
في الحالات الطبيعية، يلعب الكورتيزول دورًا وقائيًا مهمًا، إذ يساعد على تقليل الالتهاب، وتعزيز التركيز، وإعداد الجسم للاستجابة السريعة للتحديات، غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول التوتر إلى حالة مزمنة، حيث يظل هذا النظام في حالة نشاط مستمر، ما يؤدي إلى خلل في توازنه.
ومع مرور الوقت قد يصبح الجسم أقل استجابة للكورتيزول، وهي حالة تُعرف بمقاومة الكورتيزول، فتفقد هذه الهرمونات قدرتها على تنظيم الالتهاب وبدلًا من تهدئة الجهاز المناعي، يبدأ التوتر في تغذية العمليات الالتهابية داخل الجسم.
ويؤثر الإجهاد المزمن بشكل مباشر في كفاءة الجهاز المناعي، إذ يؤدي إلى اضطراب قدرته على أداء وظائفه الأساسية. ومن أبرز هذه التأثيرات:
ضعف الاستجابة المناعية ،مما يجعل الجسم أكثر عرضة للإصابة بالعدوى وزيادة مستويات الالتهاب المزمن التى بدورها تسبب خللاً في قدرة الجهاز المناعي على التمييز بين الخلايا السليمة والخلايا الضارة، وهذا الخلل الأخير يُعد من السمات الأساسية لأمراض المناعة الذاتية، وهي الحالات التي يهاجم فيها الجهاز المناعي أنسجة الجسم بدلًا من حمايتها.
ومن أبرز هذه الأمراض: الذئبة، والتهاب المفاصل الروماتويدي، والتصلب المتعدد.
ولم تعد العلاقة بين التوتر وأمراض المناعة الذاتية مجرد فرضية، بل تدعمها دراسات واسعة النطاق فقد أظهرت دراسة كبيرة تابعت أكثر من مليون شخص أن الأفراد الذين يعانون اضطرابات مرتبطة بالتوتر يواجهون خطرًا أعلى للإصابة بأمراض مناعية في السنوات اللاحقة.
كما أشارت تحليلات حديثة إلى أن اضطراب ما بعد الصدمة يرتبط بزيادة ملحوظة في خطر الإصابة بهذه الأمراض، وأن شدة التوتر ترتبط طرديًا بارتفاع هذا الخطر.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تشير الأبحاث إلى أن صدمات الطفولة والتجارب السلبية المبكرة قد تترك “بصمة بيولوجية” داخل الجسم، تؤثر في الجهاز المناعي على المدى الطويل، ما يزيد من احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة في مراحل لاحقة من الحياة.
ان أحد المسارات المهمة التي يركز عليها العلماء هو العلاقة بين التوتر والجهاز الهضمي، فقد تبين أن الإجهاد المزمن يمكن أن يُضعف الحاجز المعوي، وهو المسئول عن منع تسرب البكتيريا والمواد الضارة إلى مجرى الدم.
عندما يتعرض هذا الحاجز للخلل، فقد تتسرب هذه المواد إلى الجسم، ما يؤدي إلى تنشيط الجهاز المناعي بشكل مستمر.
هذا النشاط المفرط قد يُسهم في نشوء التهابات مزمنة، ويمهد الطريق لتطور أمراض المناعة الذاتية.
كما أظهرت الدراسات وجود اختلالات في توازن البكتيريا النافعة في الأمعاء لدى مرضى العديد من هذه الأمراض، وهو ما يعزز فكرة الترابط بين التوتر وصحة الجهاز الهضمي والجهاز المناعي.
وعلى الرغم من قوة الأدلة التي تربط بين التوتر وأمراض المناعة الذاتية، فإن العلماء يؤكدون أن هذه الأمراض لا تنتج عن عامل واحد فقط. فهناك مجموعة من العوامل المتداخلة، تشمل:
الاستعداد الوراثي
العوامل البيئية
التغيرات الهرمونية
نمط الحياة والتغذية
ومع ذلك، يُنظر إلى التوتر المزمن باعتباره عاملًا محفّزًا مهمًا، قد يسرع ظهور المرض لدى الأشخاص المعرضين له.
وتتسم العلاقة بين التوتر وأمراض المناعة الذاتية بأنها علاقة ثنائية الاتجاه، فكما يمكن للتوتر أن يسهم في ظهور المرض، فإن الإصابة بمرض مزمن قد تؤدي بدورها إلى زيادة مستويات التوتر، مما يخلق حلقة مفرغة يصعب الخروج منها.
كما أن العزلة الاجتماعية، التي غالبًا ما ترافق التوتر، ترتبط بارتفاع مستويات الالتهاب في الجسم، ما يزيد من تعقيد الحالة الصحية.
ولم تعد إدارة التوتر مجرد وسيلة لتحسين الحالة النفسية، بل أصبحت ضرورة للحفاظ على الصحة الجسدية أيضًا وتشير الدراسات إلى أن تبني عادات صحية، مثل ممارسة الرياضة، والحصول على قسط كافٍ من النوم، وتعزيز العلاقات الاجتماعية، يمكن أن يسهم في تقليل تأثير التوتر على الجسم.
المصدر: وكالات

