باحثون: الهوية المصرية تمتلك إرثا مسرحيا عريقا يسبق المسرح اليونانى
أكد باحثون أن الهوية المصرية تمتلك جذورا مسرحية ضاربة في عمق التاريخ، تستوجب إعادة قراءة تاريخ المسرح بعيدا عن السرديات التقليدية التي تحصر نشأته في الحضارة اليونانية، وذلك خلال ندوة “نشأة المسرح في مصر القديمة” التي أقيمت مساء اليوم الإثنين ضمن فعاليات مسار “وصلة” بالمهرجان القومي للمسرح المصري، وأدارتها الدكتورة داليا بسيوني، بمشاركة الدكتور خيري الملط، والدكتور عمر المعتز بالله، والناقد ناصر العزبي، والكاتب سليم كتشنر.
وافتتحت الدكتورة داليا بسيوني الندوة بالتأكيد على أن البحث في نشأة المسرح المصري القديم لم يعد ترفا معرفيا، بل ضرورة لإعادة قراءة التاريخ الثقافي بمنظور أكثر دقة، مشيرة إلى أن العديد من المرجعيات الأكاديمية بحاجة إلى مراجعة علمية، خاصة مع تزايد الدراسات التي تربط عددًا من الفلاسفة الإغريق بمدرسة الإسكندرية، بما يفتح الباب لإعادة النظر في كثير من المسلمات المتعلقة بتاريخ الفكر والمسرح، داعية إلى مواصلة البحث والتوثيق العلمي في هذا المجال.
وأكد الدكتور خيري الملط، أستاذ كلية التربية الموسيقية بجامعة حلوان وصاحب المشروع القومي لإحياء الموسيقى المصرية القديمة، أن رحلته البحثية الممتدة لأكثر من ثلاثين عاما انطلقت من ملاحظته كثافة المشاهد والآلات الموسيقية المصورة على جدران المعابد والمقابر، ما دفعه للبحث في كيفية إحياء هذا التراث.
وأوضح أن المصري القديم امتلك منظومة موسيقية متطورة، مستشهدا بتطور آلة الهارب من أربعة أوتار إلى واحد وعشرين وترا، بما يعكس تقدما لافتا في الوعي الموسيقي، مؤكدا أن الموسيقى كانت ممارسة حقيقية وليست مجرد نقوش.
وأشار إلى أن مشروعه، الذي انطلق عام 2000، ارتكز على مسارين؛ الأول أكاديمي، عبر إنشاء أول دراسة متخصصة في الموسيقى المصرية القديمة بمنحة من البنك الدولي، والثاني ثقافي، من خلال استنساخ الآلات الموسيقية المصرية القديمة بخاماتها وأبعادها الأصلية بمنحة من الاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع خبراء من ألمانيا وإنجلترا وكوريا الجنوبية، إلى جانب تأسيس فرقة موسيقية وورش لتصنيع الآلات واستوديو للتوثيق، والمشاركة في فعاليات دولية أسهمت في تقديم التراث الموسيقي المصري بصورة علمية وفنية.
ومن جانبه، أوضح الدكتور عمر المعتز بالله، أستاذ تاريخ وفلسفة الفن المصري القديم، أن اهتمامه بالمسرح بدأ خلال دراسته بكلية الفنون الجميلة، قبل أن تتغير قناعته أثناء إعداد رسالة الدكتوراه في ألمانيا، بعدما اكتشف بقسم “البرديات الدرامية” في مكتبة البرديات بجامعة ميونخ وثائق دفعته لإعادة النظر في الرواية التقليدية التي تنسب نشأة المسرح إلى اليونان.
وأكد أن دراسة تلك البرديات، إلى جانب المشاهد المصورة على جدران المعابد والمقابر، كشفت عن بناء درامي واضح يقوم على الشخصيات والحركة والصراع، وهو ما فتح أمامه مسارا بحثيا جديدا لدراسة المسرح المصري القديم.
وبدوره، شدد الناقد ناصر العزبي على أن الاهتمام بالمسرح المصري القديم واجب ثقافي وليس مجرد اجتهاد بحثي، موضحا أن انشغاله بهذا الملف بدأ منذ أوائل التسعينيات بعد ملاحظته هيمنة الخطاب الأكاديمي الذي ينسب بداية المسرح إلى التجربة اليونانية، بينما يختزل التراث المصري في «ظواهر مسرحية».
وأكد أن الجدل الذي صاحب الاحتفال بمرور “150 عاما على المسرح المصري” عزز قناعته بضرورة إعادة الاعتبار لآلاف السنين من التراث المصري السابق للمسرح الحديث، داعيا إلى تكثيف الدراسات الأكاديمية ونشرها عبر المنصات الرقمية لتكون متاحة للباحثين والأجيال الجديدة.
ومن جانبه، أكد الكاتب سليم كتشنر أن القضية تتجاوز إثبات وجود “مسرح فرعوني”، إلى البحث في الهوية الثقافية المصرية بكل روافدها، التي تشكلت عبر الحضارة المصرية القديمة، ثم التراث القبطي واليوناني والإسلامي، وصولا إلى الامتدادين الإفريقي والمتوسطي.
وأوضح أن اهتمامه بهذا الملف بدأ منذ منتصف التسعينيات أثناء تحقيقه لمخطوط جمعه والده من السيرة الشعبية القبطية، قبل أن يتوسع في دراسة العلاقة بين التراثين القبطي والفرعوني، وهي التجربة التي أثمرت عددا من مؤلفاته، ويستكملها حاليا في كتاب جديد بعنوان “جذور المسرح المصري.. متون وهوامش”.
وأشار إلى أن أبحاثه توصلت إلى وجود أشكال من العروض الجوالة في مصر القديمة تسبق التراجيديا اليونانية بقرون، مؤكدا أن إعادة دراسة هذا التراث تمثل خطوة ضرورية لفهم التاريخ الحقيقي للمسرح المصري.
المصدر: أ ش أ
