المواطن “بطل الحكاية”.. منتدى مصر 2026 يضع شواغل الرأى العام في صدارة أولويات الدولة
تتصدر مقولة الرئيس عبد الفتاح السيسي إن المواطن هو «بطل الحكاية» المشهد في «منتدى مصر 2026» لتلخص جوهر الرسالة التي عكستها كلمة الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى، والمتمثلة في وضع المواطن في قلب الحوار حول مستقبل الدولة، والاستماع إلى شواغله وتطلعاته، ومناقشة تساؤلاته بشأن السياسات الحكومية وأولويات التنمية، وصولًا إلى تحديد مسارات عمل تستجيب لاحتياجاته وتنعكس على مستوى معيشته.
وتكشف قراءة كلمة رئيس الوزراء عن توجه نحو توسيع مساحة المشاركة المجتمعية في مناقشة قضايا الدولة بحيث لا يقتصر المنتدى على استعراض ما تحقق من إنجازات خلال السنوات الماضية، وإنما يمتد إلى تقييم التجربة، ومناقشة ما واجهته من تحديات، والاستماع إلى الانتقادات والمقترحات، وطرح رؤى المرحلة المقبلة في حوار يتبادل فيه المواطن والحكومة الأدوار؛ فيتحدث المواطن وتستمع الحكومة، وتعرض الحكومة سياساتها وتجيب عن التساؤلات المطروحة بشأنها.
وتكتسب هذه الرسالة أهميتها في ضوء تأكيد مدبولي أن المواطن المصري تحمل مع الدولة أعباء الإصلاح الاقتصادي والإصلاحات الهيكلية، وما صاحبها من ظروف صعبة وتحديات غير مسبوقة، وهو ما يجعل تحسين جودة حياته والاستجابة لاحتياجاته أحد المحاور الأساسية لتقييم السياسات العامة، وليس مجرد نتيجة يُنتظر تحققها في نهاية مسيرة التنمية.
المواطن شريك في تحديد الأولويات
لم يقتصر حضور المواطن في كلمة رئيس الوزراء على التأكيد السياسي لأهميته، بل امتد إلى آليات إعداد المنتدى وتحديد موضوعاته؛ إذ أوضح مدبولي أن الحكومة لم تضع محاور الجلسات منفردة، وإنما اعتمدت على استطلاعات الرأي وجلسات الاستماع والمناقشات التحضيرية، للتعرف على القضايا التي تشغل المواطنين وترتيب أولوياتهم..وشملت هذه الجهود استطلاعات رأي شارك فيها مواطنون وشباب ومستثمرون وممثلون عن القطاع الخاص.
وتظهر الأرقام التي أعلنها رئيس الوزراء بشأن التفاعل مع الموقع الإلكتروني للمنتدى حجم المشاركة المجتمعية؛ إذ سجل الموقع نحو 17 مليون مشاهدة، وشارك من خلاله أكثر من 61 ألف شخص، قدموا ما يزيد على 16 ألف فكرة ومقترح، فيما أسفر التفاعل عن جمع أكثر من 42 سؤالًا تشغل الرأي العام.
واللافت في هذه المؤشرات أن الشباب من الفئة العمرية بين 18 و35 عامًا مثلوا 50% من المشاركين والمسجلين عبر الموقع، ومن بينهم أكثر من 5 آلاف طالب، بعضهم من طلبة المدارس، وهو ما يعكس أهمية إتاحة مساحة للشباب للتعبير عن رؤيتهم للقضايا الوطنية التي تمس حاضرهم ومستقبلهم.
وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة بالنظر إلى أن الشباب يمثلون شريحة رئيسية في سوق العمل والمجتمع، وأن القضايا المرتبطة بالتعليم والتأهيل وفرص العمل والابتكار والتحول الرقمي تؤثر بصورة مباشرة على فرصهم المستقبلية.
التعليم والأسعار والصحة.. أولويات المواطنين ترسم خريطة النقاش
وتكشف نتائج رصد آراء المواطنين، وفقًا لما أعلنه مدبولي، عن تصدر خمس قضايا اهتمامات نحو 70% منهم، هي التعليم، والأسعار والسيطرة على التضخم، وتحسين الخدمات الصحية، والأجور والمعاشات، واستمرار الأمن والاستقرار.
وتعكس هذه الأولويات ارتباط اهتمامات المواطنين بالقضايا الأكثر تأثيرًا على حياتهم اليومية، بدءًا من القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، مرورًا بالحصول على خدمات تعليمية وصحية جيدة، وصولًا إلى الدخل والحماية والاستقرار.
وتشير هذه النتائج إلى أن تقييم المواطنين لفاعلية السياسات الحكومية يرتبط بدرجة كبيرة بمدى انعكاسها على هذه الملفات، ومدى قدرتها على تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الضغوط المعيشية وتوسيع فرص العمل وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
كما شملت المقترحات ملفات الثقافة والإعلام وتعزيز الهوية الوطنية، وسوق العمل، والشباب والرياضة، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بما يوسع نطاق الحوار من الاحتياجات الأساسية إلى القضايا المرتبطة ببناء الإنسان وتطوير قدراته وتعزيز مشاركته في التنمية.
وتظهر أهمية أن تتحول هذه الأولويات إلى نقاط ارتكاز في خطط العمل الحكومية، مع تحديد أهداف واضحة لكل ملف، بما يسمح بمتابعة ما تحقق وقياس مدى الاستجابة للمطالب التي عبر عنها المواطنون.
أسئلة المواطنين تفتح ملفات السياسات الحكومية على النقاش
ومن أبرز ما حملته كلمة رئيس الوزراء التأكيد على أن المنتدى يمثل فرصة للإجابة عن تساؤلات المواطنين بشأن القرارات والسياسات التي اتخذتها الدولة، بما في ذلك أسباب إنشاء العاصمة الجديدة، وأولويات الإنفاق على مشروعات الطرق والكباري مقارنة بالصحة والتعليم، ومستقبل الاقتصاد المصري بعد مرحلة صندوق النقد الدولي، وكيفية التعامل مع التحديات الخارجية والإقليمية، وخطط إدارة ملف الدين.
وتعكس هذه الأسئلة اهتمامًا لا يقتصر على معرفة ما أنجزته الدولة، وإنما يمتد إلى فهم دوافع القرارات، وأولويات تخصيص الموارد، والنتائج المتوقعة منها، ومدى ارتباطها باحتياجات المواطنين.
وتكتسب مناقشة هذه التساؤلات أهمية في تعزيز الشفافية، من خلال توضيح خلفيات السياسات العامة والظروف التي أحاطت باتخاذها، وشرح ما حققته من نتائج وما واجهته من تحديات، مع إتاحة المجال لتقييم التجربة والاستفادة من الدروس المستخلصة منها.
وفي هذا السياق، أكد مدبولي أن المنتدى لن يقتصر على عرض الإنجازات، بل سيشمل أيضًا مناقشة التحديات والإخفاقات التي واجهت بعض المسارات، وتقييم ما تحقق بصورة موضوعية، بما يساعد على تحديد ما ينبغي استكماله أو تطويره خلال المرحلة المقبلة.
ويعكس ذلك أن الحوار المجتمعي لا يستهدف مجرد تقديم إجابات عن تساؤلات قائمة، وإنما يمكن أن يسهم في تحسين فهم السياسات العامة، وتحديد جوانب تحتاج إلى مراجعة أو تطوير، وتعزيز التواصل بين الحكومة والمواطنين.
من الحوار المجتمعي إلى خطط قابلة للتنفيذ حتى 2030
وفي سياق ربط المشاركة المجتمعية بنتائج عملية، شدد رئيس الوزراء على ضرورة الانتقال من طرح الرؤى والطموحات العامة إلى تحديد مستهدفات واضحة وخطط تنفيذية دقيقة، مع التركيز على ما يمكن إنجازه خلال السنوات الثلاث المقبلة، وتحديد الإجراءات اللازمة لتحقيقه.
وأكد أن الحكومة لا تستهدف مجرد إصدار توصيات في ختام المنتدى، وإنما التوصل إلى أولويات وطنية مشتركة وحلول قابلة للتنفيذ والمتابعة، مع تحديد مسؤوليات الجهات المعنية ووضع مؤشرات لقياس الأداء، وصولًا إلى برنامج عمل تنفيذي للدولة المصرية يمتد حتى عام 2030.
ويمثل هذا التوجه أحد أهم الاختبارات العملية لفكرة وضع المواطن في صدارة المشهد؛ ففاعلية المشاركة لا تقاس فقط بعدد المشاركين أو حجم التفاعل مع المنصات الإلكترونية، وإنما بمدى انعكاس الآراء والمقترحات على خطط العمل والقرارات التنفيذية.
يوم للمواطن.. ومساحة أوسع للقضايا التي تشغل الرأي العام
وتجسد جلسات المنتدى المخصصة للمواطنين جانبًا آخر من هذا التوجه، إذ أوضح مدبولي تخصيص يوم الجمعة لطرح القضايا التي تشغل الرأي العام بصورة مباشرة، ومنها الأسعار، والتصالح في مخالفات البناء، والتشجير، وتنظيم السوق العقارية، وشواغل المصريين بالخارج، إلى جانب موضوعات أخرى حظيت باهتمام مجتمعي، من بينها ملف الكلاب الضالة.
وتعكس طبيعة هذه الملفات اتساع مفهوم المشاركة ليشمل القضايا اليومية والخدمية والمجتمعية، إلى جانب الملفات الاقتصادية والاستراتيجية الكبرى، بما يتيح مناقشة موضوعات تتباين في طبيعتها لكنها تتقاطع في تأثيرها على حياة المواطنين.
كما أن إتاحة المجال لهذه القضايا داخل المنتدى تمنح الحكومة فرصة للتعرف على أبعادها المختلفة، والاستماع إلى وجهات النظر بشأنها، وشرح الإجراءات المتخذة أو المزمع اتخاذها للتعامل معها.
وفى النهاية، تضع مقولة الرئيس عبد الفتاح السيسي إن المواطن هو «بطل الحكاية»، التي استشهد بها رئيس الوزراء في كلمته، إطارًا لفهم الرسالة الأساسية للمنتدى: أن التنمية لا تنفصل عن المواطن، وأن السياسات الحكومية ينبغي أن ترتبط باحتياجاته، وأن الحوار المجتمعي يمثل وسيلة للتعرف على أولوياته ومناقشة التحديات التي تواجهه.
وتكشف كلمة مدبولي عن محاولة للانتقال بالمواطن من موقع متلقي القرارات والنتائج إلى موقع المشارك في تحديد الأولويات وطرح التساؤلات وتقييم ما يتحقق على أرض الواقع، مستندة إلى آليات متعددة للاستماع إلى المجتمع، وإلى توجه لربط مخرجات المنتدى بخطط تنفيذية ومؤشرات أداء حتى عام 2030.
المصدر : أ ش أ
