القدس العربى : إيران واستنزاف عوامل القوة
مقالات وكتاب
إن الصراعات الراهنة في عالم اليوم لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة أو حدود الجغرافيا، بل أصبحت شاملة ومترابطة تتداخل فيها الثروات النفطية والاقتصاد العالمي مع السرديات الفكرية لحماية الأمن والاستقلال الوطني.
لذلك فكبريات الصحف العربية تقدم قراءات تتمحور حول التفاعلات المعقدة التي تشهدها الساحة الدولية والإقليمية .
من حروب الوكالة إلى انكسار الردع: كيف انقلبت مراهنات طهران إلى عوامل استنزاف؟
في مقاله بصحيفة “القدس العربي” تحت عنوان «إيران واستنزاف عوامل القوة» يقدم الكاتب اليمني د. محمد جميح تفكيكاً شاملاً للعقيدة العسكرية والأمنية للنظام الإيراني التي تشكلت عقب الحرب العراقية الإيرانية، موضحاً كيف تحولت ركائز القوة والردع الإقليمي التي بناها النظام على مدى عقود إلى نقاط ضعف واستنزاف كبرى في ظل التطورات المتسارعة :
“مع نهاية الحرب العراقية الإيرانية، وخلال تلك الحرب تعلم النظام الإيراني درسين في غاية الأهمية، ضمن دروس أخرى كثيرة: الأول ضرورة التحول من الحروب المباشرة إلى حروب الوكالة، بعد أن أنهكت قواته في الحرب المباشرة مع العراق، والثاني: ضرورة بناء قوة صاروخية، لأن العراق تمكن عن طريق تفوقه الجوي من فرض شروط معادلة أدت إلى إنهاء الحرب، و»تجرع كأس السم».
أما الدرس الأول فقد أنشأ النظام – على إثره – ميليشيات متعددة لتقوم بحروب الوكالة نيابة عنه، ولتشكل مصدات عسكرية وأمنية، تمنع وصول الحرب إلى الداخل الإيراني، وقد نجح النظام خلال عقود، في توظيف هذه الميليشيات لهذا الغرض، وظلت الحروب والصراعات بعيدة عن الحدود الإيرانية، بفعل الدور المحوري لتلك الميليشيات في خوض حروب الوكالة لصالح إيران.
وأما بالنسبة لبناء القدرات الصاروخية فقد خصصت طهران موازنات كبيرة لبناء البرنامج الصاروخي الذي فرض نوعاً من قوة الردع لمنع استهداف إيران من الخارج، كما أن تزويد طهران ميليشياتها بهذه الصواريخ جعل هذه الميليشيات في موقع قوة، لإسناد طهران، ولمشاغلة أعدائها. “
ثم يستعرض المقال الأدوات النفعية والتكتيكية الأخرى التي اعتمدها النظام للإحكام والسيطرة، وعلى رأسها أوراق الابتزاز وتوظيف القضية الفلسطينية:
“وهناك سلاح إيراني يعد من أقوى عوامل قوة النظام، هذا السلاح هو سلاح «الابتزاز»، حيث يعتمد النظام ابتزاز الدول والجماعات والأفراد، ومن أمثلة ذلك ابتزاز المعارضين بوسائل شتى، منها النيل من أهاليهم باعتقالهم وتعذيبهم، للضغط على هؤلاء المعارضين في الخارج، ومنها استخدام أساليب لا أخلاقية لابتزازهم والإيقاع بهم. كما يستخدم النظام ورقة اعتقال الأجانب أو الإيرانيين الذين يحملون جنسيات أخرى، وذلك من أجل ابتزاز الدول التي يحمل المعتقلون جنسياتها، لتحقيق تسويات معينة في قضايا سياسية وأمنية، أو لإطلاق سراح عملاء استخبارات، وإرهابيين خططوا لاستهداف المعارضين في الخارج.
وبطبيعة الحال لا يمكن المرور على عوامل قوة النظام الإيراني التي وظفها في حروبه المختلفة دون المرور على «سلاح القدس وفلسطين»، وهو السلاح الذي من خلال توظيفه في المعارك الإيرانية استطاعت طهران اختراق الأمن القومي، والنسيج المجتمعي لعدد من الدول العربية، وإحداث فتن طائفية كثيرة، هدفت إلى إضعاف تلك الدول والهيمنة عليها، عبر ميليشيات الوكلاء.”
وينتقل الكاتب إلى بيان اللحظة المفصلية التي تهاوت فيها هذه المصدات، بعدما فشلت الميليشيات في حماية العمق الإيراني وتحول الشعار الأيديولوجي إلى عبء ومواجهة كاشفة:
“ورغم كل عوامل القوة التي راكمها النظام خلال العقود الماضية، ومع التطورات المتسارعة، دولياً وإقليمياً، يبدو أن تلك العوامل تتحول إلى نقاط ضعف واستنزاف؛ فالميليشيات التي أنشأتها طهران، لتشكل مصدات أمنية لم تمنع وصول الحرب إلى العمق الإيراني، وفوق هذا أصبحت تلك الميليشيات تثقل كاهل النظام، اقتصادياً وسياسياً، إضافة إلى الحنق والاحتقان الشعبي المتزايد ضد إنفاق أموال الإيرانيين على تلك الميليشيات.
وأما البرنامج النووي فقد أصبح الكثير من الإيرانيين يتساءلون عن جدوى الاستمرار فيه، مع كل ما جرّ على البلاد من ويلات، آخرها الحرب، وقبل ذلك الحصار والعزلة الدولية، عدا عن إنفاق مئات مليارات الدولارات، في بنائه، دون الوصول للهدف من ورائه في الحصول على الردع الأمني، بعد أن تعرض ذلك البرنامج وكذا البرنامج الصاروخي لتدمير هائل، خلال الحرب الحالية. “
ويختتم المقال بتأكيد نتيجة هذه المراهنات غير المحسوبة والتي قادت إلى تدفيع النظام الثمن الأقسى داخل حدوده:
“وهنا يمكن أن نلحظ تحول عوامل القوة الإيرانية إلى عوامل استنزاف للنظام، بفعل المتغيرات الإقليمية والدولية، وبفعل استنزاف النظام نفسه لعوامل قوته، وتبديد طاقاته، في حروب عبثية، عبر وكلائه، قبل أن تنتقل تلك الحروب إلى الداخل الإيراني، ليدفع النظام الفاتورة الأقسى، منذ الحرب العراقية الإيرانية.”
استباحة الحديقة الخلفية: كيف أطاحت واشنطن برأس السلطة الفنزويلية لاستعادة نفوذها النفطي؟
ننتقل إلى الأوضاع في فنزويلا مع الكاتبة خولة كامل الكردي و صحيفة “الغد” الأردنية , فهي تسلط الضوء على التطورات الدراماتيكية والأمنية في فنزويلا، مستعرضةً الهشاشة الدفاعية للنظام الحاكم وصدمة الاختراق الأمريكي الذي أطاح بالقيادة الفنزويلية لإعادة رسم خريطة النفوذ واحتكار الثروات النفطية .. المقال بعنوان : «فنزويلا والقبضة الأميركية»** فتقول :
“في عملية سريعة وخاطفة، تمكنت القوات الخاصة الأميركية من اقتحام مقر إقامة الرئيس الفنزويلي مادورو واعتقاله، واعتقال زوجته معه، ونقلهما إلى الولايات المتحدة الأميركية وإيداعهما السجن، تمهيدا لمحاكمتهما بتهمة دعم الإرهاب وعصابات المخدرات التي أضرت بالمجتمع الأميركي، كما يزعم الرئيس الأميركي ترامب.
والمستغرب هو عدم قدرة الدولة الفنزويلية، التي قادها هوغو شافيز، ومن بعد وفاته رفيقه المخلص مادورو، وهما من أشد المعارضين لسياسات الولايات المتحدة الأميركية، على بناء جيش قادر على الدفاع عن الدولة والنظام الحاكم الذي يمثل الشعب الفنزويلي.
وهذا يُعد فشلا ذريعا في عدم رسم خطة دفاعية، على أقل تقدير، لحمل الولايات المتحدة الأميركية على التفكير ألف مرة قبل تنفيذ عملية إنزال على فنزويلا واختطاف رئيسها.”
ثم توضح الكاتبة كيف استغلت واشنطن خضوع الإدارة الانتقالية لإعادة تشكيل الخريطة النفطية وانتزاع كاراكاس من المحور الصيني-الروسي:
“ومن هذا المنطلق، لم تلعب فنزويلا بالأوراق التي تمتلكها جيدا، وكأنها استسلمت للإدارة الأميركية وإملاء شروطها عليها. فنائبة الرئيس دلسي غوميز خضعت بشكل مريع وفاضح للطلبات الأميركية، فسارعت الشركات الأميركية إلى الاستثمار في مجال النفط وغيره من مقدرات فنزويلا، لا سيما أن فنزويلا تحتل المركز الأول عالميا في حجم احتياطيات النفط. فاستغلت الإدارة الأميركية الميزة التي تحظى بها فنزويلا، فأحكمت قبضتها على مخزون النفط الفنزويلي، وازدادت الضغوط على غوميز للخروج من أوبك، فتم لها ما أرادت، وخرجت فنزويلا من أوبك، في استعداد أميركي لاحتكار النفط الفنزويلي، وهو ثروة الشعب الفنزويلي الذي فُرضت عليه عقوبات اقتصادية أميركية منذ عام 2015، في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما. “
وتنتقل الكاتبة لتشخيص الدوافع الأمريكية العميقة المرتبطة بأزمة الطاقة والتضخم الداخلي واضطرابات الملاحة الدولية:
” لم تعد فنزويلا تلك الدولة التي تدور في فلك روسيا والصين؛ لأن الإدارة الأميركية، برئاسة ترامب، تمكنت من فصل فنزويلا عن ذلك المحور والاستفراد بسياساتها، ولا سيما الاقتصادية منها. إن سعي الولايات المتحدة الأميركية إلى الاستئثار بثروات الدول، في ظل التضخم الذي باتت تعاني منه بسبب جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا، وتحول معظم المصانع الكبرى إلى تايوان والصين والهند وسنغافورة وغيرها من الدول، أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود والطعام والسيارات والعديد من المواد الاستهلاكية والضرورية للمواطن الأميركي، ناهيك عن الارتفاع الخيالي في فواتير الكهرباء والماء.”
وتختتم الكاتبة بتنبيه واشنطن إلى أن استمرار نهج الهيمنة والاحتكار لن يحميها من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية المتردية داخل المجتمع الأمريكي نفسها:
“والقادم سيكون أشد على المجتمع والدولة الأميركية إن لم تعدل الولايات المتحدة الأميركية سياساتها وسلوكياتها في التعامل مع العالم، على قاعدة التعاون المثمر لا الاحتكار المهيمن.”
فاتورة الحروب المشتعلة: كيف تدفع الشعوب النامية ثمن صلف نتنياهو وتصعيد هرمز؟»
يستعرض الكاتب محمد حسن البنا في مقال نشرته صحيفة الأخبار المصرية تحت عنوان : «ديون العالم فى قمة الـ 20» التحذيرات والمؤشرات والأرقام الصادرة عن صندوق النقد الدولي بشأن ركود النمو وارتفاع الديون حسب
تصريحات المديرة العامة لصندوق النقد الدولي خلال اجتماع مجموعة العشرين ، مستنكراً في الوقت ذاته تجاهل المؤسسات الدولية للأسباب الحقيقية المتجسدة في الحروب والاعتداءات الإسرائيلية والإقليمية :
“كريستالينا جورجيفا المديرة العامة لصندوق النقد الدولى، قالت فى ختام اجتماع مجموعة العشرين بمدينة آشفيل بولاية كارولاينا الأمريكية، أن الاقتصاد العالمى أظهر مرونة لتتجه توقعات النمو لعام 2026 نحو 3%.. كلام مهم وفى وقته، لكنه رقم نمو هزيل جدًا. لهذا أشارت إلى أن المخاطر لا تزال مرتفعة فى ظل استمرار استغلال الاحتياطيات واستمرار إغلاق مضيق هرمز، بالتوازى مع ارتفاع الدين العام العالمى لمستويات تقارب 100% من الناتج المحلى. لهذا أعلنت التزام الصندوق بدعم الدول الأعضاء فى معالجة الاختلالات الاقتصادية العالمية. والعمل على تطوير أدوات الرقابة والتحليل بما يساعد على الانتقال من تشخيص هذه الاختلالات إلى اتخاذ إجراءات عملية لمعالجتها.”
ثم ينقل الكاتب التوصيات والسياسات المالية التي طالبت بها مديرة الصندوق للتخفيف من حدة الضغوط على الدول النامية:
“مديرة الصندوق أعلنت التزام الصندوق بمعالجة الاختلالات العالمية. وطالبت بتركيز البنوك المركزية على استقرار الأسعار. وإلزام السلطات المالية بوضع خطط ضبط مالى متوسطة الأجل وتبسيط الإجراءات الهيكلية الداعمة للنمو المستدام، قالت: ارتفاع عوائد سندات الاقتصادات المتقدمة يفرض ضغوطًا حادة على الدول النامية. ويرفع تكاليف إعادة التمويل وخدمة الدين ويحد من الإنفاق التنموى والحيوى. وطالبت بتحرك جماعى عبر تسريع إعادة هيكلة الديون، وتطبيق نهج الركائز الثلاث لصندوق النقد والبنك الدوليين، إلى جانب تعزيز الشفافية وبناء أطر إدارة الديون بطرق أكثر كفاءة. والانتقال من مرحلة تشخيص الاختلالات الاقتصادية إلى اتخاذ خطوات وسياسات عملية لمعالجتها والحد من تداعياتها على الاقتصاد العالمى.”
ويختتم الكاتب مقاله بالنقد والمواجهة لتعامي هذه المؤسسات الدولية عن جذور الأزمة المتمثلة في الحرب الإقليمية والسياسات الإسرائيلية والأمريكية المتطرفة، داعياً بالسلام للعالم:
“السيدة لاجارد لم تشر إلى أن الحروب المشتعلة فى مناطق عديدة من العالم تؤثر بالسلب على الاقتصاد العالمى. وأن الخسائر المتزايدة التى تصيب الأسواق العالمية وخاصة الآسيوية والإفريقية بسبب هذه الحرب المجنونة التى تشهدها المنطقة العربية والشرق أوسطية بسبب سفاح إسرائيل نتنياهو رئيس وزراء الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، الذى ثبت للعالم أنه وراء كل الحروب المشتعلة فى الدنيا. وأن إغلاق هرمز والمنافذ الدولية نتاج هذه الحرب المجنونة التى يجر فيها أمريكا. الأنباء تتحدث عن تراجع حاد للأسهم الآسيوية مع تصاعد المخاوف من تداعيات تجدد الضربات الأمريكية على إيران، على أسعار الطاقة والتضخم. “
سياج الأمن وهندسة التاريخ: كيف تصوغ السرديات المكتوبة معارك الحاضر والمستقبل؟
وختام جولتنا مع صحيفة “عكاظ” السعودية ومقال بعنوان «الأمن والتاريخ» يتناول فيه كاتبه عبده خال العلاقة بين كتابة التاريخ وتوفر الحماية الأمنية، موضحاً أهمية امتلاك الدول والمؤسسات الثقافية لزمام سرديتها التاريخية الوطنية وتنقيتها من المغالطات التي تُوظف سياسياً وأيدولوجياً لاستهداف الأمن والاستقرار. ويوضح :
” ولكل أمة سردية خاصة بها، يتم ترسيخها لدى الأجيال المتتابعة، وهناك سرديات تُمحى بفعل الزمن، وتغيّر سلطاتها، إلا أن هناك سرديات تعبر الزمن بزوائد أو نواقص أو مغلطات، يستوجب تصويب كل زائد أو ناقص، وإيضاح مسار المثبت، والسردية عبر التاريخ الأزلي نحن متواجدون به، كون مكة أول بيت وضع للناس، ويصبح تجلية التاريخ من مهامنا الوطنية، وهي مهمة جديرة بأن تنهض بها كل المؤسسات المعنية بالجانب الثقافي والمعرفي، وأعتقد أن دارة الملك عبدالعزيز هي في لبّ هذه المهمة.”
ثم ينتقل المقال إلى ضرب أمثلة حية للسرديات الدينية والتاريخية العابرة للأزمان -مثل معركة هرمجدون- والتي تتحول في عالم اليوم إلى أجندات صراع وحروب ملموسة:
“فالسردية التاريخية بحاجة للاهتمام ومسايرة الأزمان بالتصحيح وبث المعلومة الصحيحة، ولا تقتصر المهمة على التصحيح، بل أصعب منها بثّ الصحيح إلى بقية العالم، من خلال مؤسساتها ومثقفيها واستخدام كل وسيلة تواصل مع العالم.. سأذكر مثالاً عن السردية التاريخية التي تجتمع عليها الديانات الثلاث، وهي معركة (هرمجدون)، كإشارة إلى أنها علامة من العلامات الكبرى ليوم القيامة. سردية هذه المعركة مثبتة في عقول أناس هذا الزمن، خاصة رجال الديانات الثلاث. ويطيب للبعض استرجاعها حدثاً تاريخياً سيتحقق ذات يوم، وكل منهم لديه سردية مغايرة في استقبالها، وتتحوّل هذه الفكرة إلى أجندات بعيدة المدى يجب العمل على تنفيذ خطواتها، نعم، هي سردية تاريخيّة، وأجزم أن كل سردية يجعل لها أصحابها خاصيّة، والبعض يورّث تلك الحكايات.”
ويختتم الكاتب بالدعوة إلى ضرورة تفكيك ونقض السرديات التحريضية والمغلوطة كمسؤولية أمنية ووطنية كبرى تحفظ استقرار البلاد وتصون مستقبلها:
“وكثير مما نعيشه هذه الأيام من حروب، ما هي إلا مقدمة للأيام القادمة (حتى ولو كانت الحرب الدينية العظيمة مؤجلة إلى زمن غائب)، ويقيناً أحمله بأننا مستهدفون، سواء من خلال السردية التاريخية القديمة أو من خلال السردية المحرّضة حديثاً، والالتصاق بهذه السرديات ونقضها بما هو صائب يحفظ أمننا ويحقق الاستقرار والنمو. “
تحرير : مروة عبد الحفيظ




