القدس العربى: إيران.. الحرب المتقطعة والضغوط الاقتصادية القصوى
يتناول ملف اليوم قضايا راهنة تجمع بين الجيوسياسة والإعلام والإنسان؛ يبدأ بتحليل التصعيد العسكري بين واشنطن وتل أبيب وطهران، ثم نقد التضليل الإعلامي الغربي، مروراً بالواقعية الجديدة في العلاقات العربية الإقليمية، وصولاً إلى أثر زمن السرعة والتكنولوجيا على التوازن النفسي للإنسان.
استراتيجيات الحرب المتقطعة وضغوط المواجهة في الشرق الأوسط
في قراءة استراتيجية وتحليلية شاملة لأبعاد التوتر العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يحلل الكاتب إبراهيم نوار في مقاله بصحيفة القدس العربي تحت عنوان “إيران… الحرب المتقطعة والضغوط الاقتصادية القصوى”، الحدود العملياتية للقوة العسكرية والتحولات في التكتيكات الأمريكية، مسجلاً ما نصّه:
“يكشف قرار البنتاجون بتعليق العمليات العسكرية في مضيق هرمز وإيران حالة التخبط في استراتيجية الحرب الأمريكية وعدم وضوح أهدافها. كما تكشف شهادة قائد القيادة العسكرية المركزية في الشرق الأوسط (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر في اجتماع غرفة العمليات في البيت الأبيض تحت رئاسة دونالد ترامب يوم الجمعة الماضي أن قواته عجزت عن الوصول إلى 20 في المئة من الأهداف المحددة وعدم تنفيذ مهماتها ضدها.”
ويلفت الكاتب الانتباه إلى طبيعة الرؤية الإسرائيلية وتطلعها لدفع واشنطن نحو خيارات أكثر حدة تجاه نظام الحكم في طهران:
“وهناك يقين كامل في تل أبيب بأن الضمان الوحيد لإزالة التهديد الإيراني لمشروع الهيمنة الإسرائيلية، يتحقق أساسا وبشكل مستدام من خلال تغيير نظام الحكم في طهران… يحاول نتنياهو إقناع البيت الأبيض بالانتقال إلى استراتيجية أخرى تتلخص في استمرار الضغوط القصوى على إيران عسكريا واقتصاديا بشكل متصل، ربما لسنوات وليس لأشهر، من أجل تصفية قوة النظام الإيراني واستنزافه من الداخل حتى يسقط.”
ويختتم بالقراءة الحاكمة لمعادلة الملاحة والمواجهة في مضيق هرمز ومواقف الأطراف الدولية من هذه الأزمة:
“ما قاله بن شبات في شأن وقوع ترامب في مصيدة مضيق هرمز صحيح، لكن اعتقاده في أن الرئيس الأمريكي يمكن أن ينتصر في أزمة مضيق هرمز التي صنعها هو مجرد وهم… وهي الآن تواجه اختبارا حاسما في حرب الهيمنة العسكرية على العالم حيث تحارب في مضيق هرمز مكشوفة من دون تحالف عسكري دولي.”
تفكيك السرديات الإعلامية وأوهام التضليل في حروب المنطقة
وفي تسليط للضوء على حرب الشائعات والروايات المصنوعة في وسائل الإعلام الغربية وآليات التعاطي مع المواقف السياسية الخليجية، يحلل الكاتب صالح المطيري في مقاله بصحيفة الراية القطرية تحت عنوان “أربعائيات.. بين التسريب والفبركة.. من يصنع رواية الحرب؟”، أبعاد التغطيات المنحازة واستخفافها بمهنية النقل الإخباري، مسجلاً ما نصّه:
“تطرح الأخبار الصحفية المغلوطة التي نشرتها وسائل إعلام أمريكية بارزة في الآونة الأخيرة عن مواقف دول الخليج من التصعيد الإقليمي أسئلة جادة حول مهنية الإعلام الغربي وأهدافه الضمنية. إذ كشفت الشائعات المتتالية، بدءًا من ادعاءات نية قطر المشاركة في ضربات عسكرية، وصولًا إلى التقرير الأخير لمجلة وول ستريت جورنال بخصوص الكويت والبحرين ومشاركتهما المزعومة في الحرب، عن فجوة عميقة بين الواقع السياسي وما يُروج له في واشنطن.”
ويلفت الكاتب الانتباه إلى المغالطات التكتيكية التي تمارسها بعض المؤسسات الصحفية للالتفاف على النفي الرسمي ومواقف الدول الثابتة:
“وتتجلى المغالطة التكتيكية الإعلامية في خلط الأوراق عمداً، كأن تُعرض مشاهد لمنظومات الدفاع الجوي الاعتراضية كالباتريوت وتُقدم للقارئ الغربي على أنها أسلحة هجومية، كما نشر سابقاً، أو أن يُفسر التواصل الدبلوماسي الخليجي لحماية العمق العربي على أنه وسيلة للحث على التصعيد داخل إيران… فقد أثبتت التجربة وجود تقارير ومادة إخبارية صُممت لخدمة غايات محددة، مما يفرض التعامل بحذر شديد مع ما ينشر.”
ويختتم بالتحذير من القراءات القاصرة التي تتجاهل واقعية السياسة الخارجية وحسابات الميدان المعقدة:
“ويتجاهل الحماس الإعلامي للحروب القواعد الأساسية للواقعية السياسية، إذ تخضع الحسابات العسكرية الميدانية لمتغيرات تعجز الخطط النظرية عن التنبؤ بها… فالسياسة الخارجية للدول تُبنى على رؤية استراتيجية واضحة لحماية أمنها وشعوبها، وليس على رغبات صحف يبدو أنها وضعت مهنيتها جانباً لتمرير رسائل مدفوعة ومضللة.”
العقلانية والواقعية في العلاقات الإقليمية العربية
وفي رصد صحفي للتحولات الإيجابية وبروز مناخ عقلاني جديد يسود العلاقات المتبادلة بين الدول العربية وعواصم المشرق، يضيء الكاتب سمير عطا الله في مقاله بصحيفة الشرق الأوسط تحت عنوان “دورة الطبيعة”، على تبدل النبرة السياسية وتجاوز أدبيات العنجهية والانغلاق، مسجلاً ما نصّه:
“خلال بضعة أشهر وبضعة أيام حدث في سوريا والعراق ما يشبه المعجزات. طغت لغة العقل والتعقل في دمشق. تواضع غير مزيف وانفتاح في كل اتجاه. وفي دمشق وبغداد مسؤولون يقيمون علاقة عادية مع شعوبهم. لا تماثيل تغطي الساحات والطرقات… ولا عداء بين العاصمتين يمنع مواطنيهما من تبادل الزيارات.”
ويستحضر الكاتب مرارة المراحل السابقة القائمة على الشعارات الجوفاء والتخاصم المدمر بين الأشقاء:
“ما حدث في الماضي كان معيباً. الحروب على الفلسطينيين باسم فلسطين. وحرب عمّان. وحرب لبنان. والعداء الرهيب بين دجلة وبردى. والمقاطعة شبه التامة بين الجميع تحت شعار بليد جاف فضحكوا منه وعليه: وحدة، حرية، اشتراكية.”
ويثمن نمط العلاقات الجديد القائم على المصلحة المتبادلة والتعاون الاقتصادي والاحترام المتكافئ:
“خلال فترة بسيطة رأينا رئيس وزراء لبنان في دمشق وبغداد. واتفاقات عادية بسيطة حول بديهيات الجوار والمصالح العفوية. وخلال فترة بسيطة تم توقيع اتفاقات بمليارات الدولارات بين ثلاث دول. من دون خطاب واحد، ومن دون انحناء أحد أمام الآخر… هذه المرة الأولى في ذاكرتي نشهد فيها عملاً من هذا النوع بين لبنان والعراق في مثل هذه المدة. وهذه المرة الأولى نرى فيها رئيس وزراء لبنان في سوريا مثل رئيس وزراء سوريا في سوريا. لا خوف ولا احتقار ولا تملق.”
تأثير الحياة المعاصرة والتكنولوجيا على السلام الداخلي للإنسان
وفي قراءة إنسانية وفلسفية عميقة تتناول إيقاع الحياة الحديثة وهيمنة الوسائل التكنولوجية على السلوك اليومي للإنسان، يحلل الكاتب محمد خير الله في مقاله بصحيفة الأهرام المصرية تحت عنوان “الإنسان في زمن السرعة”، المفارقة بين اتساع التقنيات وتراجع جودة الحياة والتركيز، مسجلاً ما نصّه:
“نحن لا نعيش زمنًا سريعًا فحسب، بل نعيش حياة أصبحت السرعة عنوانها الأكبر… أصبحت المشكلة ليست في الهاتف أو التطبيقات، بل في الطريقة التي سمحنا لها بأن تعيد تشكيل عاداتنا اليومية، حتى أصبحنا نخشى التوقف أكثر مما نخشى الاستمرار في الركض.”
ويلفت الكاتب الانتباه إلى امتداد آثار هذه السرعة والتشتت الرقمي إلى جوهر العلاقات الاجتماعية والبناء النفسي للفرد:
“ومع مرور الأيام، لم تقتصر السرعة على تنقلاتنا أو أعمالنا، بل امتدت إلى مشاعرنا أيضًا. نحب بسرعة، ونغضب بسرعة، ونسامح بسرعة، وننسى بسرعة… ازدادت المعلومات، لكن التركيز تراجع.. كثرت وسائل التواصل، لكن الحوار الحقيقي أصبح أكثر ندرة.. أصبح بإمكاننا الوصول إلى أي مكان في العالم خلال ثوانٍ معدودة دون مغادرة مقاعدنا، بينما أصبح الوصول إلى ذاتنا أكثر صعوبة.”
ويختتم بالتشديد على أهمية الحضور الذهني واستعادة التوازن الإنساني بعيداً عن الاستغراق التام في الإيقاع المتسارع:
“ربما لا يحتاج الإنسان إلى ساعات إضافية في يومه، بل يحتاج إلى حضور أكبر في كل ساعة يعيشها، يحتاج إلى أن يمنح نفسه حق التوقف، لا هربًا من الحياة، بل حتى يعيشها كما ينبغي. الإنجاز الحقيقي لا يقاس بعدد المهام التي أنجزناها، ولا بسرعة الوصول إلى أهدافنا، وإنما بقدرتنا على أن نصل إليها دون أن نفقد سلامنا الداخلي ، أو علاقاتنا الأسرية والاجتماعية.”
تحرير : مروة عبد الحفيظ




