الشرق الأوسط : الشرق الأوسط… حروب أم بداية حلول؟
من صخب الميادين العسكرية والسياسية اللاهبة، إلى الممرات الضيقة للنفوس والتجارب الإنسانية والتاريخية التي تشكل هوية الشعوب؛ ينسج كُتّاب الرأي اليوم لوحة تحليلية فريدة تتنقّل بمرونة بين ثقل الجيوبوليتيك ورهافة الفكر والذاكرة الوطنية.
نبدأ جولتنا من أروقة الشرق الأوسط والخليج حيث تتعثر التفاهمات الإقليمية بين خيارات الحرب والحلول التفاوضية المؤجلة، لنعبر منها إلى قراءة فقهية وفلسفية عميقة تفكك الموروث العقائدي للسلوك العسكري في حرب غزة وما تلاها .. ثم ننتقل شرقاً لنرصد تحول الاستراتيجيات الدفاعية في اليابان وأزمة التجنيد بين عقيدة السلم وطموحات القوة، قبل أن نختتم رحلتنا بين طبقات الذاكرة التاريخية وسؤال الهوية في الفكر الإسباني وما تركه غياب الأجداد عن “كتاب المنتصرين”.. رحلة تقرأ الحاضر بعيون التحليل الرصين وتستشرف المستقبل بكل تعقيداته.
مأزق التصعيد الإقليمي ومستقبل المفاوضات في الخليج ولبنان
في قراءة تحليلية شاملة للتعقيدات الميدانية والدبلوماسية المتشابكة في المنطقة، يحلل وزير الخارجية اللبناني الأسبق د. ناصيف حتّي في مقاله بصحيفة الشرق الأوسط تحت عنوان “الشرق الأوسط… حروب أم بداية حلول؟”، حالة التعثر الراهنة في مسار خفض التوتر بين واشنطن وطهران وانعكاساتها المباشرة، مسجلاً ما نصّه:
“يبدو أنَّ مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية وفترة الستين يوماً الانتقالية لخفض التوتر وخلق ظروف مواتية للتفاوض بين واشنطن وطهران في حالة تعثر كبيرة .. البعض يعتبر أنَّها سقطت بالضربة القاضية في ظل التصعيد العسكري الذي تشهده «الجبهة» في الخليج والتصعيد الكلامي بين الطرفين.”
ويرصد الكاتب خطورة انزلاق هذا التصعيد المتبادل إلى مواجهة شاملة يمتد شررها للقيم الإقليمية كافة:
“كل المؤشرات تدل على أننا أمام لحظة تصعيد قد يكون هدفها توجيه رسائل ردعية متبادلة، ولكنها تشكل انزلاقاً واضحاً وشديد الاحتمال – ولو أنه لا يمكن الجزم كلياً في هذا الخصوص – نحو حرب مفتوحة لا يستطيع أحد أن يحدّد مداها وتداعياتها المباشرة وارتداداتها اللاحقة على الإقليم فيما لو حصلت.”
وعلى صعيد الملف اللبناني، ينبه الكاتب إلى مساعي واشنطن لفصل المسارات التفاوضية، وتمسك السلطات اللبنانية باستعادة استقلالية قرارها السيادي وإغلاق ملف التبعية الإقليمية:
“ذهبت واشنطن نحو رعاية واحتضان المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، والبعض يقول إن صياغة تلك المفاوضات، تعني عملياً الفصل بين المسارات النزاعية في الإقليم. هذا الأمر الأخير تتمسك به السلطة اللبنانية، رئيساً وحكومة، بشكل مبدئي وواضح كلياً… تتمسك بذلك باعتبار أن قرار الحرب والسلم وحصرية السلاح يجب أن يكون من مسؤولياتها السيادية الأساسية والمطلقة؛ وهو ما تهدف إلى تحقيقه، كشرط أساسي في طريق «العودة إلى الدولة».”
ويختتم بالتأكيد على الغاية الوطنية الأساسية من هذه التفاهمات، والمتمثلة في إنهاء المعاناة التاريخية للساحة اللبنانية:
“«رحلة» هدفها أيضاً من دون شك، إلى جانب الأهداف التي اشرنا إليها، إنهاء «وظيفة» عرفها لبنان في تاريخه الحديث ودفع دائماً ثمناً غالياً بسببها، وهي «وظيفة الساحة لحروب الآخرين» كما كان يذكرنا غسان تويني.”
تفكيك الجذور الفقهية للسلوك العسكري الإسرائيلي
وفي غوص فكري وفلسفي لتفكيك الخلفيات العقائدية والحاخامية للمواجهات العسكرية الجارية في المنطقة، يحلل الكاتب أشرف عبد المنعم في مقاله بصحيفة الأهرام تحت عنوان “«زمن الحرب».. وألاعيب «أصحاب السبت»!”، التوظيف الأيديولوجي للخطاب السياسي الإسرائيلي، مسجلاً ما نصّه:
“عندما أصيبت إسرائيل بحالة السعار الدموى التى شاهدناها، ومازلنا، باندلاع حرب غزة؛ ثم امتدادها للبنان، فاليمن، فإيران، فسوريا، مرورًا بمحاولات افتعال خلاف مع مصر – (معاهدة السلام)؛ ثم محاولات التحرش بتركيا (حليفة الأمس).. عندما حدث كل ذلك، قفزت إلى مسامعى (عبارة غريبة) زل بها لسان رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نيتانياهو، فى بداية الأزمة وهو يبرر (جرائمه)، حين قال: نحن فى زمن الحرب!!.”
ويكشف الكاتب الانقسامات الفقهية داخل المدارس الحاخامية حول شرعية الحروب وتصنيفاتها المعاصرة بين التيار المتشدد والراديكالية الصهيونية:
“الحروب بالفقه اليهودى محل انقسام كبير؛ وهى المقسمة عندهم لأصناف ثلاثة: (حرب الفريضة)، والتى يخوضونها بأمر إلهى مباشر… وجميعها حروب لا تحتاج، بحسب معتقدهم، إلى إذن السنهدرين… والنوع الأخير، هو (الحرب التوسعية أو الاستباقية)؛ وهى الحروب التى يخوضونها لتوسيع الحدود أو تعزيز هيبتهم؛ وتشترط، بحسب التلمود، إذن السنهدرين.”
السنهدرين (المحكمة الشرعية غير القائمة حاليا أصلًا والمكوّنة من 71 عضوًا)
ويختتم بتشخيص التكتيكات السياسية الراهنة وافتعال الذرائع للتفلت من الضوابط الأخلاقية والالتزامات الدولية:
“يحرّم عليهم النص خوض (حرب توسعية) إلا بضوابط صارمة (وبشرط) الحالات الدفاعية البحتة؛ فإذا بهم يكيِّفون الظرف بافتعال حالة (خطر وجودي)؛ ثم يتلاعبون بالمسميات ما بين (حرب فريضة) و(حرب توسعية)؛ فيستوفون الشرط شكليًا وشرعيًا.. ليستفيدوا من مميزاته!!.”
العقيدة العسكرية وتحديات التجنيد في اليابان
وفي الشأن الدولي وقراءات التحول في الاستراتيجيات الدفاعية بالقارة الآسيوية، يحلل الكاتب والباحث د. عبد الله المدني في مقاله بصحيفة البيان الإماراتية تحت عنوان “أزمة في اليابان عنوانها التجنيد العسكري”، أبعاد السجال البرلماني والشعبي حول واقع القوات المسلحة ومعدلات الإقبال الشابي، مسجلاً ما نصّه:
“أثناء مطالعاتي الصباحية للصحف الصادرة في شرق آسيا باللغة الانجليزية، وقع نظري على خبر تداولته تلك الصحف، بينما لم أجد له أثراً في صحافتنا العربية، ولو بصورة مقتضبة.
الخبر يتعلق بتصريح أدلت به النائبة اليابانية المعارضة تشيكاجي كوغا في منتصف يونيو المنصرم، خلال جلسة للغرفة العليا للبرلمان الياباني، وقالت فيه ما معناه إن »قوات الدفاع الذاتي« اليابانية تتألف في معظمها من أبناء الأسر المتعثرة، لأن أبناء الأسر الميسورة لا يلتحقون بها.
أثار هذا التصريح، الذي يشي بوجود خلل معياري داخل المؤسسة الدفاعية اليابانية لجهة التجنيد، موجة من التعليقات المضادة. إذ سارع وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي إلى رفضه جملة وتفصيلاً، خصوصاً وأن صاحبته لم تقدم دليلاً على مزاعمها.
وهو ما دفع النائبة كوغا إلى سحب تصريحها والاعتذار للأمة. كما أن حزبها الدستوري الديمقراطي أصدر توبيخاً بحقها”.
“الحدث وما تلاه من ردود أفعال فتح باب النقاش على مصراعيه، خصوصاً وأن البلاد تمر بتحولات في سياساتها الدفاعية منذ مجيء رئيسة الحكومة الحالية «ساناي تاكائيتشي» إلى السلطة بتخويل شعبي كاسح، وببرنامج طموح للتغيير داخلياً وخارجياً.”
ويدحض الكاتب مقولة “التجنيد القائم على الفقر” مستعرضاً طبيعة النموذج الاجتماعي الياباني المقارن مع نماذج دولية أخرى:
“أما في اليابان فلا ينطبق هذا الطرح لأسباب كثيرة، منها أن البلاد تتمتع بمعدلات توظيف شاملة للخريجين من الشباب الذين ينهون دراستهم، بمعنى أنه يمكنهم الاختيار من بين قائمة طويلة من الخيارات المدنية المتنوعة… وبالتالي لا دليل على أن جيش الدفاع الياباني كان الملجأ الرئيسي المتاح أمام الشباب الأقل حظاً من الناحيتين التعليمية والاقتصادية.”
ويلفت الانتباه إلى الفجوة الديموغرافية والنفسية الحاكمة لتطبيق التطلعات الأمنية الجديدة لطوكيو:
“وهناك ثمة مفارقة تسترعي الانتباه. فعلى الرغم من أن نتائج استطلاع للرأي أجري في يناير المنصرم كشف أن 90% من الشعب الياباني معجب بأداء جيش الدفاع الذاتي، غير أنهم لا يترجمون هذا الإعجاب بالانخراط في صفوفه… وبطبيعة الحال فإن طموحات تاكائيتشي لا يمكن تحقيقها برفع كفاءة السلاح دون رفع أعداد المجندين.”
سوسيولوجيا الهوية وإشكالية “كتاب المنتصرين
وفي تشريح فكري وفلسفي لقضايا الهوية والذاكرة الوطنية وتفكيك السرديات التاريخية الأحادية، يستعرض الكاتب فاروق خداج في مقاله بصحيفة إيلاف الإلكترونية تحت عنوان “لستُ إسبانيًا لأن أجدادي غابوا عن كتاب المنتصرين”، أبعاد الحضور الأندلسي في الوعي الجمعي والثقافة الإسبانية المعاصرة، مسجلاً ما نصّه:
“يعود السؤال الذي حمله الكاتب الإسباني الكبير خوان غويتيسولو في كتاباته عن إسبانيا والمغرب والأندلس: كيف تنظر أمة إلى ماضيها عندما يكون هذا الماضي أكثر تعقيدًا من الرواية المختصرة التي تُقدَّم عنها؟ فلم يرَ غويتيسولو الأندلس مجرد مرحلة سياسية انتهت بسقوط غرناطة، بل تعامل معها بوصفها جزءًا من الذاكرة الثقافية الإسبانية، وعنصرًا لا يمكن فهم تاريخ البلاد كاملًا من دونه.”
ويوضح الكاتب أن التنوع الحضاري واللغوي يظل حقيقة راسخة تعلو فوق محاولات الاقتصار على سردية طرف واحد أو لحظة غلبة تاريخية بعينها:
“لا تعني هذه العبارة أن الأندلس اختفت من الذاكرة الإسبانية، فهي حاضرة في المعالم والدراسات والثقافة، بل تطرح سؤالًا أعمق: من يملك حق ترتيب طبقات التاريخ؟ ومن يقرر أي الفصول يكون في المقدمة وأيها يبقى في الهامش؟ ليست المسألة رفضًا لإسبانيا، ولا دعوة إلى إعادة الماضي، بل اعتراض على اختزال تاريخ طويل في لحظة واحدة.”
ويختتم بالتأكيد على أن قوة الأمم الحديثة تقاس بمدى قدرتها على استيعاب وتفهم كافة طبقاتها المكونة دون مجافاة للحقيقة:
“وهنا يظهر التحدي الحقيقي أمام الذاكرة الوطنية: كيف تحافظ الأمة على اعتزازها بتاريخها دون أن تحوله إلى رواية أحادية؟ فالفخر لا يحتاج إلى النسيان، والاعتراف لا يعني الإدانة… وقوة الأمم لا تكمن في امتلاك تاريخ بسيط خالٍ من التناقضات، بل في قدرتها على مواجهته وفهمه.”
تحرير : مروة عبد الحفيظ




