تحت عنوان “خريطة تحالفات جديدة” كتب على قباجة بصحيفة الخليج الإماراتية حول تشكل تحالفات دولية جديدة فى إطار التطورات التى يشهدها العالم مؤخرا قائلا:
يشهد العالم تحولات دولية لم تكن في تفكير حتى أفضل مراكز الدراسات الاستراتيجية. فمن كان يتوقع أن تتسع هوة الخلاف بين الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية إلى هذا الحد، وأن تصل إلى التلويح بفرض رسوم جمركية متبادلة، وارتفاع أصوات أوروبية كبرى تدعو إلى الانسلاخ التدريجي عن الحليف الأمريكي، والخروج من مظلته الأمنية والاقتصادية في أقرب فرصة ممكنة؟
هذه التحولات لم تكن بمعزل عن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يتمتع بما يمكن وصفه بـ«الصراحة القصوى»، إذ لا يوارب ولا يغلف قراراته بعبارات دبلوماسية معتادة. فهو لا يتردد في مهاجمة أوروبا واتهامها بالضعف والاعتماد المفرط على واشنطن، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين لوح باقتطاع جزء من أراضي دولة أوروبية عبر مطالبته المتكررة بالسيطرة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، بحجة أهميتها للأمن القومي الأمريكي ودورها في كبح النفوذين الصيني والروسي، في ظل سعي بكين وموسكو إلى إعادة تشكيل النظام الدولي بما يخدم صعودهما كقوتين نديتين لواشنطن.
في المقابل، لم تبد العواصم الأوروبية استعداداً للتراجع أمام هذه اللغة التصعيدية، بل بدأت تتشكل مواقف أكثر صلابة تدعو إلى حماية المصالح الأوروبية بعيداً عن الإملاءات الخارجية. وبرزت دعوات داخل الاتحاد الأوروبي لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، خصوصاً في مجال الدفاع، وتقليص الاعتماد على المظلة الأمريكية التي كانت لعقود حجر الأساس في أمن القارة.
وتتجه بعض الدول الأوروبية إلى بحث خيارات اقتصادية بديلة، مع التلويح باستخدام أدوات تجارية مضادة في حال تنفيذ التهديدات بفرض رسوم جمركية إضافية على الصادرات الأوروبية نتيجة لرفضها التخلي عن غرينلاند. كما عاد الحديث بقوة عن ضرورة توحيد الموقف الأوروبي في مواجهة الضغوط، حتى لا تبقى كل دولة عرضة للتفاوض المنفرد، وما يحمله ذلك من اختلال في موازين القوة.
حتى بريطانيا، التي طالما وصفت بأنها الأقرب إلى واشنطن عبر ما يعرف بـ«العلاقة الخاصة»، وجدت نفسها مضطرة لإبداء موقف مستقل، إذ أكد رئيس الوزراء كير ستارمر أن بلاده لن تغير مواقفها السياسية تحت وطأة التهديدات الاقتصادية، وأن مستقبل المناطق المتنازع عليها لا يحسم عبر الرسوم الجمركية أو الضغوط السياسية.
ما يجري اليوم يعكس بداية تشكل نظام دولي مختلف، تتبدل فيه التحالفات وتعاد فيه صياغة الأولويات. لم تعد الاصطفافات التقليدية مضمونة، وأصبحت المصالح القومية المباشرة هي المحرك الأول للسياسات الخارجية. وفي هذا المشهد المضطرب، يبدو أن مرحلة جديدة قد بدأت، عنوانها عدم اليقين، وتراجع الثوابت، وصعود منطق القوة في رسم العلاقات بين الدول.
المصدر: الدستور الأردنية

