بينما أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هدنة من جانب واحد مع أوكرانيا، يومي 8 و9 مايو الجاري، تزامناً مع احتفال روسيا بيوم النصر على النازية في الحرب العالمية الثانية، أعلن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، من جانبه، هدنة يومي 5 و6 مايو، في حين تم استباق الهدنتين المنفصلتين بهجمات متبادلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، استهدفت في الجانب الروسي ناقلة نفط، وعدداً من السفن في ميناء بريمورسك على بحر البلطيق، فيما قصفت روسيا مرافق للبنية التحتية للنقل يستخدمها الجيش الأوكراني، ومواقع لتخزين الطائرات المسيّرة في 147 منطقة.
وكان الرئيس بوتين ناقش هذه الهدنة والجهود المبذولة للتسوية مع الرئيس الأمريكي ترامب، على مدى 90 دقيقة، في اتصال هاتفي بينهما نهاية الشهر المنصرم، في حين طلب زيلينسكي توضيحاً من الولايات المتحدة بشأن تفاصيل هذه الهدنة، مكرراً موقفه بتأييد وقف إطلاق نار دائم، وتسوية سلمية مدعومة بضمانات أمنية، لكنه، على ما يبدو، لم يحصل من واشنطن على ما يريد، واكتفى بإعلان هدنة في موعد يختلف عن الهدنة الروسية، ما جعل الهدنتين هشتين، خصوصاً أن الجانبين هدّدا باللجوء إلى «ضربات انتقامية»، في حال خرقهما.
وزارة الدفاع الروسية حذّرت من أنه في حال إقدام أوكرانيا على تنفيذ أيّ تحركات خلال احتفالات النصر، ستشن القوات الروسية «ضربة صاروخية انتقامية كبيرة تستهدف وسط كييف ومراكز صنع القرار»، فيما قال زيلينسكي إن بلاده «سترد بالمثل» على أيّ هجوم روسي، مضيفاً أن الوقت حان لأن تتخذ القيادة الروسية خطوات ملموسة لإنهاء الحرب، معتبراً أن موسكو لا يمكنها تنظيم عرضها العسكري، من دون مراعاة الوضع الميداني في أوكرانيا.
من الواضح أن موسكو، وفي ضوء مجريات الحرب في الميدان، واحتمالات قيام أوكرانيا باستغلال احتفالات النصر لتوجيه ضربات عسكرية محدّدة داخل الأراضي الروسية، أو في موسكو، قد قررت تقليص حجم الاحتفال اليوم السبت لأول مرة منذ عشرين عاماً، بمشاركة عدد أقل من الجنود، ومن دون استعراض الكثير من الأسلحة. ووفقاً لبيان من وزارة الدفاع الروسية، لن تشارك العديد من المدارس العسكرية في الاستعراض «بسبب الوضع العملياتي الراهن»، في حين ستقوم طائرات «سو-25» بتزيين سماء موسكو بالعلم الروسي. فيما قرر الكرملين اتخاذ إجراءات أمنية إضافية لحماية الرئيس بوتين، تحسباً لشن أوكرانيا هجوماً خلال الاحتفالات.
وبينما شهدت احتفالات العام الماضي حضور الرئيس الصيني، شي جي بينغ، إلا أن احتفالات هذا العام قد تقتصر على بعض المدعوين، مثل الرئيس السلوفاكي روبرت فيكو.
وعزا الكرملين التغييرات التي طرأت هذا العام على الاحتفالات إلى ما أسماه «النشاط الإرهابي الأوكراني»، بينما كان المحللون العسكريون أكثر وضوحاً، وأشاروا إلى أن موسكو تخشى أن تستهدف الطائرات الأوكرانية المسيّرة البعيدة المدى المعدات العسكرية الموجودة خارج ساحة العرض، إذ عادة ما تُنصب هذه المعدات للتدريبات، ثم للعرض نفسه، بينما يستبعد هؤلاء استهداف القوات المشاركة في العرض، نظراً لوجود الكثير من المشاهدين والسياح، على جانبي الساحة الحمراء.
كل ذلك يعني أن الحرب الأوكرانية ما زالت عالقة في الميدان ولم تخرج من عنق الزجاجة إلى طاولة المفاوضات، لأن الحرب الإيرانية باتت تتصدر واجهة الاهتمام الدولي، فيما الحرب الأوكرانية، وغيرها من الأزمات الدولية، تراجعت، ودخلت في متاهات عدم اليقين.

