عندما عيّن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القس المعمداني مايك هاكابي سفيراً للولايات المتحدة في إسرائيل عام 2025، كان يعلم أنه يتبنى رؤية «إسرائيل الكبرى»، وأنه مؤيدٌ صريحٌ لإسرائيل وداعمٌ للاستيطان وكارهٌ للفلسطينيين والعرب، ويعارض إقامة دولة فلسطينية ويرفض الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة.
لذلك فحديثه الإعلامي الأخير الذي قال فيه إن لإسرائيل «حقاً توراتياً في السيطرة على كامل الشرق الأوسط من النيل إلى الفرات»، و«هي أرض أعطاها الله لشعب مختار»، ينسجم مع قناعاته الدينية التوراتية، وإلى حد كبير مع قناعات الرئيس ترامب بضرورة توسع إسرائيل حيث اعترف رسمياً بمدينة القدس عاصمةً لإسرائيل عام 2017، ونقل مبنى السفارة الأمريكية إليها، كما اعترف عام 2019 بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية المحتلة باعتبارها جزءاً من أرض إسرائيل، وقوله في 20 يناير العام الماضى بأن «مساحة إسرائيل صغيرة جداً مقارنة بالدول العربية المحيطة بها»، وأشار إلى أنه «يفكر» في كيفية توسيعها.
هذا يعني أن ما قاله السفير الأمريكي هاكابي ليس منقطعاً عما تؤمن به السياسة الأمريكية، فهو بالتالي ممثل دولة ويتحدث باسمها، ويصب في نهاية المطاف في مجرى فكرة «إسرائيل الكبرى»، لذلك نرى صمتاً أمريكياً مريباً إزاء ما تمارسه إسرائيل في الضفة الغربية من سطو يومي على الأراضي الفلسطينية، ومصادرة وتهجير واستيطان، كجزء من عملية ضم تدريجي للضفة الغربية، فالسفير هاكابي يؤكد حق إسرائيل في التوسع، وفقاً لما ورد في سفر التكوين من وعد إلهي بأرض فلسطين بما يتناقض مع الحقائق الدينية والتاريخية والقانونية.
إن الدول العربية والإسلامية التي رأت في تصريحات السفير الأمريكي استفزازاً ودعوة صريحة للاعتداء على الدول العربية وسيادتها، وتمثل خروجاً سافراً على مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتخالف كافة أبجديات الدبلوماسية وأعرافها الراسخة، فضلاً عن مجافاتها المنطق والعقل، وما يحمله الدين من قيم إنسانية تحرّم العدوان، مدعوة لاتخاذ مواقف أكثر حزماً وجدية وتتناسب مع ما تمثله هذه التصريحات من تحديات تتجاوز البيانات والمواقف الشفهية.
إن ما أعلنه هاكابي خطر من حيث التوقيت والمضمون، كأنه دعوة صريحة لإسرائيل للمضي في عملية التوسع والاستيطان في الضفة الغربية وصولاً إلى الضم النهائي، ومواصلة العدوان على دول الجوار لتحقيق الهدف النهائي وهو «إسرائيل الكبرى»، أي أن معظم الدول العربية في مرمى التوسع الإسرائيلي.
إن موقف هاكابي، ومعه الموقف الأمريكي الملتبس مما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن اعتداءات إسرائيلية يومية على لبنان وسوريا، تستدعي المراجعة الجدية للمواقف، لأن ما تقوم به إسرائيل قد لا تبقى ردود الفعل عليه منضبطة، خصوصاً أن حجم هذه الاعتداءات يأخذ مدىً خطراً في استهداف المدنيين.
إن كل الجهود التي تُبذل من أجل التوصل إلى تسوية سياسية تقوم على «حل الدولتين» باتت الآن مهددة، ولا قيمة لها أمام تصريحات هاكابي واعتداءات إسرائيل.
المصدر : صحيفة الخليج

