اختيار قازان العاصمة الثقافية للعالم الإسلامي لعام 2026 .. تتويج لمسار تاريخى يمتد إلى ألف عام
يعكس اختيار مدينة “قازان” العاصمة الثقافية للعالم الإسلامى لعام 2026 التاريخ الكبير للمدينة الواقعة على ضفاف نهر الفولغا التي لا تكتفي بالاحتفاء بماضيها؛ بل تستعدّ لكتابة فصلٍ جديدٍ في علاقة روسيا بالمجتمع الإسلامي الدولي.
وقد جاء قرار وزراء ثقافة العالم الإسلامي باختيار قازان العاصمة الثقافية للعالم الإسلامي في اجتماع عقد في جدة ، تتويجًا لمسار تاريخي يمتدّ إلى أكثر من ألف عام، ويتقاطع فيه إرث بلغار الفولغا، وحقبة خانية قازان، والتجربة القيصريّة والحقبة السوفيتية، وصولًا إلى تتارستان المعاصرة التي تقدِّم نفسها مركزا للتنوّع وإبداعا نموذجيا للحداثة المتصالحة مع هويّتها الدينيّة.
ويعد منح قازان لقب “العاصمة الثقافية للعالم الإسلامي” لعام 2026 ليس مجرّد تكريمٍ رمزيّ؛ بل هو دليلٌ على تحوّل إستراتيجيّ تتقاطع فيه ثلاثة أبعاد جوهرية وهي استعادة الذاكرة حيث تعيد روسيا إبراز إرثها الإسلامي الممتدّ منذ بلغار الفولغا وخانية قازان لتحتل مكانةً مركزية في سرديّتها الوطنية، وتقدّمه للعالم الإسلامي بوصفه جزءًا أصيلًا من هويّتها المتعدّدة.
كما يبرز القوة الناعمة والتنمية لقازان التي تسعي إلى أن توظّف هذا اللقب لإطلاق اقتصاد إبداعي قائم على الصناعات الحلال والذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي مما يفتح أسواقًا بديلة، ويخلق مسارًا تنمويًّا جديدًا وسط القيود الجيوسياسية فضلا عن القوة الدبلوماسية الثقافية العابرة للحدود من خلال تحويل قازان إلى منصّة حوارٍ بين الأرثوذكسية والإسلام، وبين الشمال والجنوب، مسلّحةً بشبكة الشتات التتاري، ومبادرات الاستدامة الخضراء.
وتسعى قازان لإبراز نفسها كوجهة لصناعات الحلال، والسياحة الروحية، والاقتصاد الإبداعي مما يحول تتارستان إلى نموذجٍ يُحتذى به للأقاليم الروسية الباحثة عن بدائل للتصدير التقليدي للطاقة.
300 فعالية
و تم إقرار خطة تضم أكثر من 300 فعالية للاحتفال بالعاصمة الثقافية قازان على مدار هذا العام والتي تتضمن معارض الخط التتاري والعربي في متحف إسماعيلوف للفنون و ورشُ نسخٍ يدوي للمصاحف ثم مهرجان للإنشاد الصوفي الدولي بمشاركة فرق من المغرب وتركيا وباكستان وكذلك أسابيع السينما الإسلامية التي سوف تخصص للإبداعات الشابة من مصر والسودان وإيران واندونيسيا وفعالية مسارات الحج الداخلي وهي عبارة عن قوارب نهرية تنقل الزوار إلي سفيّاجسك .
كما تستضيف قازان منتدى دوليا للذكاء الاصطناعي وتعليم اللغة العربية من خلال تطوير تطبيقات للصوتيات العربية للأقليات المسلمة فضلا عن إقامة مختبراتٌ مفتوحة خلال 2026 لبحوث الذكاء الاصطناعي باللغة التتارية، ولصناعة ألعابٍ تعليمية عن الحضارة الإسلامية؛ ما يرسّخ صورة قازان” كـوادي سيليكون” إسلامي على ضفاف الفولغا حيث اعتمد مجلس المدينة رؤية عاصمة بلا انبعاثات التي حددت إطارًا مائيًّا أخضر يربط حدائق الكرملين بالبحيرات المُستعادة، ويتم الإعداد لإطلاق “جائزة الوقف الأخضر” لتشجيع المؤسسات الإسلامية على تمويل مساحات عامة صديقة للمناخ وبهذا يمتزج مفاهيم الوقف التاريخي بعلوم التخطيط الحديثة لتقديم نموذج استدامة يحمل بُعدًا روحيًّا .
ألف عام من التاريخ
ويرتبط تاريخ قازان بظهور دين الإسلام على نهر الفولغا في القرن العاشر حيث اعتنقت قبيلة البلغار الدين الحنيف عام 922 وقد حوّلت المنطقة إلى مركزٍ للتجارة بين روسيا الكييفيّة، والخلافة العباسيّة، وإماراتِ آسيا الوسطى، وقد شهدت المدينة والتي كانت عاصمةً للسلطةٍ التتاريّةٍ في القرن الـ 15 منافسة مع القيصريّة الروسية سياسيًّا وثقافيًّا، فاستقطبت علماءَ الفقه واللغة، وازدهرت فيها صناعة الكتب باللغتين العربية والتتارية ومع ذلك فإن سقوط الخانية سنة 1552 علي يد إيفان الرهيب لم ينهِ دور قازان؛ فبعد قرنين من الزمن أعادت الإصلاحات القيصرية فتحَ الباب أمام التعليم الإسلامي، لتنشأ شبكةُ كتاتيب ومعاهد صاغت جيل المصلحين التتار في القرن التاسع عشر.
وقد تجلى التلاقي المعماري بين الأرثوذكسية والإسلام في كرملين قازان المُدرَج على قائمة التراث العالمي لليونسكو وذلك من خلال مسجد “قول شريف ” بحلته الجديدة في عام 2005 بجانب أبراج الأجراس الأرثوذكسية، وقد تحول “قول شريف” إلى واجهةٍ تروّج للإسلام الروسي المعتدل، وترحّب بحجّاجٍ داخليين، وخبراء ترميم دوليين، وخبراء حوار ديني.
المصدر : أ ش أ

