العواصف الشمسية : هل هي خطر حقيقي ؟
طالما حذرت وسائل الإعلام العلمي في العالم من أن الأرض تتعرض – أو هي على وشك التعرض – “لعاصفة شمسية ” تؤثر على العديد من مظاهر الطبيعة والنشاط البشري : في مقدمته اضطراب الاتصالات اللاسلكية ، طالما حدث هذا : وطالما مالم يتحقق شيئ من ذلك ! فهل “العواصف الشمسية” خطر حقيقي أم لا ؟
ماهي “العاصفة الشمسية” ؟
إن كلمة “العاصفة” هنا اصطلاح تشبيهي : إذ يشبه هذه الظاهرة الفيزيائية “بالعاصفة” التي يعرفها الناس ، فكما أن هناك “رياح” في الغلاف الجوي : فإن علماء الفيزياء الفلكية يعرفون مايطلقون عليه “الرياح الشمسية” ، وهي عبارة عن سبل من الجسيمات (بروتونات وإلكترونات) ينبعث باستمرار من الشمس في كل الاتجاهات ، وتنطلق في الفضاء بسرعات خارقة : تتراوح بين 350 و 800 كم في الثانية ، وفي سنة 1962 : ألقت القياسات التي قامت بها المركبة الفضائية الأمريكية “مارينر 2” أضواءاً مهمة على هذه الظاهرة ، وتأكد أن ذلك السيل من الجسيمات المنبعث من الشمس تزداد كثافته بدرجة ملحوظة في بعض الأوقات : مكوناً “العواصف الشمسية” ، التي يمكن أن تنعكس آثارها على كوكب الأرض .
أواخر الشهر الماضي : أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” في بيان أصدرته أن عاصفة شمسية حدثت في 23 يوليو 2012 كان من الممكن أن تعيد العالم إلى عصر ماقبل الكهرباء !
وأوضحت “ناسا” أن العاصفة لم تصب الأرض مباشرة : وبالتالي لم تحدث تلك الكارثة ، التي كان من الممكن أن تلحق بالتيار الكهربائي اضطرابات كارثية لو أصابت كوكبنا على نحو مباشر .
وقد أدى وضع الأرض فلكياً في يوم وقوع العاصفة إلى التخفيف كثيراً جداً من آثارها ، وأوضحت حسابات أجريت في “جامعة كولوادو” الأمريكية أنه لو كانت تلك العاصفة قد حدثت قبل ذلك التاريخ بأسبوع واحد لكانت العواقب وخيمة : إذ كان وضع الأرض فلكياً في ذلك الحين يؤدي إلى نتائج بعيدة الأثر .
وأفادت وكالة الأنباء “أجنس فرانس برس” بأن القمر الصناعي “ستريو – آي” رصد العاصفة المذكورة ، وقد أظهرت قياسات القمر المتخصص في متابعة هذا النوع من العواصف أن عاصفة 2012 لاتضارعها في الشدة إلا عاصفة مشهورة عند علماء الفلك : حدثت سنة 1859 .
ونقلت الوكالة عن “أكاديمية العلوم القومية “الأمريكية أن العاصفة الشمسية لو أنها أصابت الأرض على نحو ماوقع سنة 1859 : لبلغت خسائر العالم من جرائها 2000 بليون دولار .
ففي أواسط القرن التاسع عشر : لم تكن هناك محطات وشبكات للكهرباء ولا أجهزة كهربائية ولا شبكات للاتصالات ولا ملاحة جوية ولا شبكة إنترنت ، وكل هذا موجود الآن : ويمكن للعواصف الشمسية الشديدة أن تؤثر فيه بدرجة أو بأخرى ، وقد يكون التأثير كارثياً عند درجة معينة من الشدة .
إذن فإن الكوارث الكونية لاتتغير : لكن الذي يتغير هو واقع الإنسان على الأرض ، فما يحدثه زلزال مثلاً في واقع بشري يقوم على أكواخ تعيش فيها جماعات من الناس ليس هو بالتأكيد مايحدثه نفس الزلزال في مدن تضم بنايات محدودة عالية مكتظة بالبشر .
كذلك الحال مع عاصفة شمسية : فالمؤكد أن تاريخ الحياة على الأرض شهد مالايقع تحت حصر من العواصف الشمسية – غير المسجلة – تفوق شدتها بكثير شدة عاصفة 1859 ، لكن العالم حين هبوها لم يكن يرتكز على الكهرباء والموجات الكهرومغناطيسية التي تؤثر فيها هذه العواصف ، والحل في مواجهتها على المدى البعيد : إيجاد تكنولوجيات عالية التقدم ، قادرة على تحمل آثارها .
المصدر : مجدي غنيم المحرر العلمي لقناة النيل
