معركة بقاء نتنياهو .. وسيناريوهات محتملة لما بعد الانتخابات الإسرائيلية
تتجه إسرائيل، الثلاثاء، إلى انتخابات برلمانية تشهد منافسة محتدمة بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وخصومه، وسط تقارب في استطلاعات الرأي وصعوبة حصول أي من المعسكرين على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.
وذكرت وكالة رويترز، الاثنين، أن نتنياهو تمكن من تقليص الفجوة مع منافسيه بعد فترة أظهرت فيها استطلاعات الرأي تراجعا كبيرا في فرص استمراره بالسلطة، بينما لا تزال أحزاب المعارضة تفتقر إلى مسار واضح لتشكيل ائتلاف حكومي بديل.
وتعد هذه أول انتخابات برلمانية تشهدها إسرائيل منذ هجوم 7 أكتوبر 2023، وما أعقبه من حرب في غزة ولبنان وضربات إسرائيلية على إيران، وسط انقسامات بشأن مسؤولية القيادة السياسية عن الإخفاقات الأمنية وتداعيات الحرب.
ويصوت الإسرائيليون لقوائم حزبية وفق نظام التمثيل النسبي، وتتوزع مقاعد الكنيست البالغ عددها 120 مقعدا بين الأحزاب التي تتجاوز نسبة الحسم، فيما يتطلب تشكيل حكومة الحصول على دعم 61 نائبا على الأقل.
نتنياهو.. معركة البقاء في السلطة
يخوض نتنياهو (77 عاما) الانتخابات على رأس حزب الليكود، مستندا إلى خبرة سياسية طويلة جعلته رئيس الوزراء الأطول بقاء في المنصب بتاريخ إسرائيل.
وتولى نتنياهو رئاسة الحكومة للمرة الأولى في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يعود إلى السلطة عام 2009، ويقضي معظم السنوات اللاحقة في رئاسة الوزراء.
ويصفه أنصاره بأنه قائد قادر على مواجهة التهديدات الأمنية، بينما يحمّله منتقدوه مسؤولية الإخفاقات التي سبقت السابع من أكتوبر، ويتهمونه بتعميق الانقسامات الداخلية.
ويواجه نتنياهو مذكرة توقيف أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب في غزة، وهي اتهامات يرفضها، إلى جانب محاكمته داخل إسرائيل في قضايا فساد ينفي ارتكاب أي مخالفات فيها.
ورغم تراجع شعبية الليكود بعد هجوم حماس، أظهرت استطلاعات أحدث تحسنا في موقف الحزب، ما أعاد المنافسة إلى دائرة التقارب.
وأعلن نتنياهو رغبته في تشكيل حكومة “وطنية موسعة” إذا تمكن من الفوز، بينما قد يستمر في رئاسة حكومة تصريف أعمال إذا انتهت الانتخابات إلى مأزق سياسي يحول دون تشكيل ائتلاف جديد.
- جادي آيزنكوت.. منافس بخلفية عسكرية
يبرز رئيس الأركان الإسرائيلي السابق جادي آيزنكوت (66 عاما) أحد أبرز منافسي نتنياهو.
ويقود آيزنكوت حزب “يشار” الوسطي الجديد، الذي يعني اسمه بالعبرية “المستقيم” أو “النزيه”، ويقدم نفسه بديلا للقيادة السياسية الحالية، مستندا إلى خبرته العسكرية.
وفقد آيزنكوت أحد أبنائه خلال الحرب في قطاع غزة، وهو ما جعل تجربته الشخصية جزءا من حضوره السياسي.
ويركز خطابه على القضايا الأمنية وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات، في محاولة لاستقطاب ناخبين من الوسط وأوساط غير راضية عن أداء حكومة نتنياهو.
- بينيت ولابيد.. تحالف من اليمين والوسط
يخوض رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت (54 عاما) الانتخابات ضمن تحالف جديد مع رئيس الوزراء الأسبق يائير لابيد، يحمل اسم “معا”.
وينتمي بينيت إلى التيار اليميني، وسبق أن خدم في القوات الخاصة وعمل مساعدا لنتنياهو، قبل أن يحقق نجاحا ماليا في قطاع التكنولوجيا.
أما لابيد، فينتمي إلى تيار الوسط، وسبق أن تولى رئاسة الحكومة.
ويركز التحالف على معالجة التداعيات الأمنية والسياسية للحروب وإعادة الاستقرار إلى مؤسسات الدولة.
وكان بينيت ولابيد قد شاركا في تشكيل ائتلاف متنوع أطاح بنتنياهو من السلطة عام 2021، رغم الخلافات الأيديولوجية بين مكوناته.
- ليبرمان.. حليف سابق تحول إلى خصم
يعد أفيجدور ليبرمان (68 عاما) من أبرز الشخصيات اليمينية المعارضة لنتنياهو.
وشغل ليبرمان منصب وزير الدفاع، وكان لسنوات حليفا لرئيس الوزراء، قبل أن يستقيل من الحكومة عام 2018 احتجاجا على ما اعتبره تساهلا في التعامل مع التنظيمات الفلسطينية المسلحة في قطاع غزة.
ويقود حزب “إسرائيل بيتنا”، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على أصوات الإسرائيليين المنحدرين من دول الاتحاد السوفيتي السابق.
ويتبنى ليبرمان مواقف متشددة في الملفات الأمنية، لكنه يعارض استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة.
- يائير جولان.. إعادة تشكيل اليسار الإسرائيلي
يقود الجنرال السابق يائير جولان، البالغ من العمر 64 عاما، حزب “الديمقراطيين”، الذي تأسس من اندماج حزب العمل التاريخي وحزب ميرتس اليساري.
وبرز جولان خلال السابع من أكتوبر 2023، بعدما شارك في إنقاذ أشخاص من المناطق التي تعرضت للهجوم.
ويسعى حزبه إلى استعادة حضور التيار اليساري في السياسة الإسرائيلية، بعد سنوات من تراجع نفوذه الانتخابي.
- سموتريتش وبن جفير.. حلفاء نتنياهو من اليمين المتطرف
يعتمد نتنياهو في معسكره السياسي على وزير المالية بتسلئيل سموتريتش (46 عاما) ووزير الأمن الوطني إيتمار بن جفير (50 عاما) اللذين أثارت مواقفهما تجاه الفلسطينيين انتقادات دولية واسعة.
ويقود سموتريتش جهود توسيع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، وأعلن رغبته في إنهاء فرص إقامة دولة فلسطينية.
أما بن جفير، الذي أدين عام 2007 بالتحريض العنصري ضد العرب، فيدعو إلى فرض عقوبة الإعدام على المسلحين الفلسطينيين المدانين، وتشديد ظروف احتجاز الأسرى الفلسطينيين، وتسهيل حصول الإسرائيليين على الأسلحة النارية.
كما دعا الوزيران إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة وإعادة إقامة مستوطنات إسرائيلية فيه.
وتجعل هذه المواقف مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة من أبرز القضايا المرتبطة بطبيعة الائتلاف الذي قد يتشكل بعد الانتخابات.
- الأحزاب الدينية.. ورقة مؤثرة في تشكيل الحكومة
يمثل حزبا “شاس” و”يهدوت هتوراه”، اللذان يمثلان قطاعات من اليهود المتشددين دينيا “الحريديم”، جزءا مهما من التحالفات التي اعتمد عليها نتنياهو خلال سنوات حكمه.
وتثير مطالب الحزبين بإعفاء أتباعهما من الخدمة العسكرية الإلزامية خلافات داخل المجتمع الإسرائيلي، خصوصا مع استمرار التعبئة العسكرية وتداعيات الحروب.
كما تواجه الأحزاب الدينية انتقادات تتعلق بانخفاض مشاركة قطاعات من الحريديم في سوق العمل واعتماد بعض أفرادها على المساعدات الحكومية.
وقد تجعل هذه الخلافات شروط مشاركة الأحزاب الدينية في أي ائتلاف حكومي جديد أحد الملفات الرئيسية في المفاوضات التي تعقب الانتخابات.
الأحزاب العربية.. أصوات قد تحسم التوازنات
إلى جانب المعسكرين الرئيسيين، تبرز أحزاب قد يكون لمواقفها تأثير في تشكيل الحكومة المقبلة، وفي مقدمتها “القائمة العربية الموحدة” و”القائمة المشتركة”، اللتان تمثلان قطاعات من الأقلية العربية التي تشكل نحو 20 بالمئة من سكان إسرائيل.
وتختلف مواقف الأحزاب العربية بشأن المشاركة في الائتلافات الحكومية، لكن حجم تمثيلها البرلماني قد يؤثر في قدرة نتنياهو أو خصومه على تأمين أغلبية.
وتشمل الأحزاب الأخرى التي تستحق المتابعة حزب “عمخا يسرائيل” اليميني الجديد، وحزب “الاحتياط” المنتمي إلى يمين الوسط، في ظل تقلب نتائج استطلاعات الرأي المتعلقة بهما.
معركة الأغلبية.. الاختبار الأصعب
ورغم تعدد المرشحين والأحزاب، تبقى قدرة أي معسكر على جمع 61 مقعدا العامل الحاسم في تشكيل الحكومة.
وأظهرت متوسطات استطلاعات رصدتها رويترز حتى 20 أكتوبر تقدم الأحزاب المعارضة لنتنياهو في مجموع المقاعد المتوقعة، لكن الخلافات السياسية بين هذه الأحزاب تجعل تحويل هذا التقدم إلى ائتلاف حكومي أمرا غير محسوم.
وقد تمنح نتائج الأحزاب الصغيرة والعربية، إلى جانب شروط الأحزاب الدينية، دورا مؤثرا في المفاوضات المقبلة.
في حسابات الانتخابات الإسرائيلية، يعتقد كثيرون أن الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من المقاعد يتولى تلقائيا تشكيل الحكومة. لكن القواعد الدستورية الإسرائيلية لا تمنح هذا الحق بصورة آلية للحزب المتصدر؛ حيث يمكن للرئيس الإسرائيلي تكليف من يرى أنه الأصلح – بين المتنافسين- لتشكيل الحكومة، بعد التشاور مع ممثلي الأحزاب وتقييم فرص كل مرشح في الحصول على ثقة الكنيست.
وفي السياق، قال تقرير نشرته جريدة “معاريف” الإسرائيلية: يريد كلٌّ من زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو، ورئيس حزب “يشار” جادي آيزنكوت، أن يكون حزبه الأكبر، وكلاهما مقتنع بأن رئيس الدولة سيكلف زعيم الحزب “الأكبر” بتشكيل الحكومة، بعد التشاور مع ممثلي الأحزاب، لكن القانون الأساسي المتعلق بالحكومة ينص بصراحة على أن رئيس الدولة هو الذي يملك سلطة هذا الاختيار.
سيناريوهات محتملة
لا تتوقف معركة الانتخابات الإسرائيلية عند صناديق الاقتراع أو الحزب الذي سيحصد أكبر عدد من المقاعد، بل تمتد إلى حسابات تشكيل الحكومة الجديدة وقدرة كل معسكر على تأمين الأغلبية البرلمانية.
وبلغة السياسة، يجيد نتنياهو العزف على أوتار المناورات السياسية، وقدرته على تشكيل ائتلافات حكومية تضم أطرافا متناقضة أيديولوجيا وسياسيا وعرقيا، من خلال اللعب على “التناقضات بين خصومه لضمان بقائه في السلطة”، وصناعة “العدو المشترك”، وتعميق الخلافات بين الأحزاب المعارضة له أو حتى الشريكة معه؛ مما يمنعهم من التكتل ضده كجبهة واحدة موحدة، فيما يعرف بسياسة “فرق تسد”.
كما يجيد نتنياهو –أيضا- الترويج لشائعات الخوف، في إشارة إلى أن على جميع الإسرائيليين الوقوف معه في خندقه، وأن بديله سيكون مرعبا. وأمس الأحد، نشر نتنياهو صورة ومقطعا مولدين بالذكاء الاصطناعي يظهران انفجارا لنوع من القنابل النووية فوق تل أبيب؛ ما أثار عاصفة من الغضب بين صفوف منافسيه؛ حيث وصف آيزنكوت خطوة نتنياهو بأنها “حالة هستيرية”، وأسلوب تخويف تقليدي يستخدمه في كل حملة انتخابية بعد فشله في تحقيق أهدافه الأمنية، على حد قوله.
وفي حال تعذر تشكيل حكومة تحظى بثقة الكنيست، يمكن أن يستمر نتنياهو في رئاسة حكومة تصريف أعمال، بينما تتواصل المشاورات السياسية أو تتجه إسرائيل إلى انتخابات جديدة.
المصدر : وكالات
