حرب إيران وترامب تشعل فاتورة الغضب فى أوروبا
لم تعد الاحتجاجات التي تشهدها عدة دول أوروبية مجرد تحركات متفرقة اعتراضًا على ارتفاع الأسعار أو تراجع الخدمات العامة، بل باتت تعكس تداخلًا معقدًا بين الأزمات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية والتغيرات التي أحدثتها منصات التواصل الاجتماعي في طريقة تنظيم الاحتجاجات وانتشارها.
فمع تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية وارتفاع تكاليف الطاقة والوقود، تتزايد الضغوط على الأسر والشركات، بينما تسهم مقاطع الفيديو والدعوات المتداولة عبر الإنترنت، إلى جانب المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي، في تسريع التعبئة وحشد المشاركين.
وتكشف التطورات الأخيرة في فرنسا، بالتزامن مع احتجاجات شهدتها إيطاليا وبلجيكا والبرتغال ودول أوروبية أخرى، عن معادلة جديدة للغضب الشعبي: أزمات معيشية تتراكم على الأرض، وتوترات خارجية تزيد الأعباء الاقتصادية، وفضاء رقمي قادر على نقل الدعوات إلى آلاف أو ملايين المستخدمين خلال وقت قصير. لكن هذا التداخل لا يعني أن الاحتجاجات الأوروبية تتحرك جميعها وفق قيادة واحدة، أو أن الحرب أو التكنولوجيا وحدهما يفسران أسبابها.
تأتي اضطرابات أسواق الطاقة في مقدمة العوامل التي تزيد القلق الأوروبي، في ظل تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية وما تثيره من مخاوف بشأن إمدادات النفط والغاز وحركة الشحن وتكاليف النقل. وتزداد أهمية هذه التطورات بالنسبة إلى الاقتصادات الأوروبية التي تعتمد على استيراد جزء كبير من احتياجاتها من الطاقة، إذ يمكن أن تنتقل الصدمات في الأسواق العالمية إلى أسعار الوقود وتكاليف الإنتاج والنقل.
وبحسب تقرير نشرته وكالة رويترز في 20 أكتوبر، ساهمت زيادة أسعار الوقود وارتفاع تكاليف المعيشة، في ظل تداعيات الصراع الأمريكي الإيراني، في تصاعد الاحتجاجات والاضطرابات الاجتماعية في عدد من الدول الأوروبية. وأشار التقرير إلى أن المزارعين في صقلية يواجهون صعوبة في تحمل تكاليف الوقود اللازم لتشغيل المعدات، بينما تسببت تحركات سائقي الشاحنات في تعطيل سلاسل الإمداد بجنوب إيطاليا.
ولا تتوقف تداعيات ارتفاع الوقود عند تكلفة ملء خزانات السيارات، بل تمتد إلى نقل الأغذية والسلع وتشغيل الآلات الزراعية والمصانع. ومع ارتفاع تكاليف التشغيل، قد تجد الشركات نفسها أمام خيارات صعبة بين تحمل الزيادة أو نقل جزء منها إلى المستهلك، بما يضيف أعباء جديدة إلى ميزانيات الأسر.
وتحمل هذه التطورات بعدًا سياسيًا أيضًا، إذ تصبح أسعار الطاقة قضية انتخابية عندما يشعر المواطنون بأن حكوماتهم لا تستطيع حمايتهم من الصدمات الخارجية. ومع ذلك، فإن الحرب ليست بداية جميع المشكلات؛ فأزمات السكن والأجور والخدمات العامة كانت قائمة بالفعل، ويمكن لارتفاع أسعار الطاقة أن يزيد حدتها ويعجّل بتحول الاستياء إلى احتجاجات.
توضح التحركات الأوروبية أن الغضب لا يرتبط بفواتير الطاقة وحدها، بل يتغذى كذلك من الضغوط اليومية التي تواجه الأسر، ومن بينها ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والنقل، إلى جانب المخاوف المتعلقة بالأجور وجودة التعليم والخدمات العامة.
وفي فرنسا، بدأت تحركات طلابية مرتبطة بأوضاع المدارس والموارد التعليمية، قبل أن تتسع المشاركة لتشمل قطاعات أخرى، بالتزامن مع مطالب اقتصادية واجتماعية. ووفقًا لتقارير صحفية عن احتجاجات 17 أكتوبر، شهدت البلاد مظاهرات واسعة، شارك فيها طلاب ونقابيون ومجموعات مرتبطة بحركة «السترات الصفراء»، وسط تباين بين المسيرات السلمية وأعمال العنف والتخريب التي شهدتها بعض المدن.
وفي إيطاليا والبرتغال وبلجيكا، ارتبطت تحركات مختلفة بارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية، بينما تبرز أزمة السكن والإيجارات في إسبانيا والبرتغال ضمن الملفات التي تغذي الاستياء الاجتماعي. أما في ألبانيا، فتتداخل الاحتجاجات مع اتهامات بالفساد ومطالب سياسية تتعلق بأداء الحكومة.
وتؤكد هذه الاختلافات أن الحديث عن “غضب أوروبي” لا يعني وجود حركة احتجاجية موحدة؛ فالمطالب تتغير وفق ظروف كل دولة، لكن ارتفاع النفقات وتراجع الشعور بالأمان الاقتصادي يشكلان أرضية مشتركة يمكن أن تجمع فئات مختلفة في الشارع.
إلى جانب الأسباب الاقتصادية، ظهر عامل جديد في طريقة الدعوة إلى الاحتجاجات، يتمثل في قدرة منصات التواصل على نشر مواعيد التجمعات والرسائل السياسية بسرعة، فضلًا عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج ملصقات ومقاطع فيديو تجذب الانتباه وتمنح الدعوات مظهرًا أكثر انتشارًا وتنظيمًا.
المصدر: وكالات
