إعادة إعمار لبنان.. تحديات التمويل والإصلاح في مواجهة أضرار الحرب
يدخل لبنان مرحلة جديدة عنوانها إعادة الإعمار والتعافي، بعد سنوات متتالية من الأزمات الاقتصادية والمالية والحروب التي ألحقت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية والمساكن وقطاعات الإنتاج والخدمات، فيما تواجه الدولة مهمة شاقة تتمثل في تأمين التمويل اللازم لإعادة بناء المناطق المتضررة وإعادة النازحين إلى قراهم ومنازلهم.
وتأتي هذه المرحلة في وقت تشير فيه تقديرات رسمية إلى أن كلفة الحربين اللتين شهدهما لبنان منذ أكتوبر 2023 وحتى الجولة الأخيرة من القتال تتجاوز 20 مليار دولار، وقد تتخطى 27 مليار دولار بعد استكمال احتساب كلفة الحرب الأخيرة. وأكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، أن هذه الأرقام لا تعكس بصورة كاملة الخسائر غير المباشرة، ومنها هجرة الكفاءات وخسارة الاستثمارات وتأثر التعليم وتراجع قيمة الأراضي والأصول وتأخير التعافي من الأزمة المالية المستمرة منذ عام 2019.
وكان البنك الدولي قد قدّر، في تقييم للأضرار والاحتياجات غطى آثار الحرب حتى ديسمبر 2024، أن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بلغت نحو 11 مليار دولار، مقابل أضرار مباشرة قدرت بنحو 7.2 مليار دولار، فيما وصلت الكلفة الاقتصادية الإجمالية للصراع إلى نحو 14 مليار دولار. واستحوذ قطاع الإسكان على النصيب الأكبر من الأضرار، بنحو 4.6 مليار دولار، بينما تضررت قطاعات التجارة والصناعة والسياحة بصورة كبيرة.
غير أن الجولة الجديدة من الحرب أضافت أعباء كبيرة إلى هذه الفاتورة، إذ أشار رئيس وزراء لبنان إلى أن كلفة الحرب الأخيرة وحدها تتراوح، وفق التقديرات الأولية، بين 7 و9 مليار دولار، بينما تضررت عشرات الآلاف من الوحدات السكنية والمنشآت والبنى التحتية. كما خلفت الحرب موجة نزوح واسعة، ما جعل إعادة السكان إلى مناطقهم وتأمين الخدمات الأساسية لهم جزءًا أساسيًا من مهمة التعافي إلى جانب أعمال إعادة البناء.
ولا تقتصر مهمة إعادة الإعمار على إعادة بناء المنازل والمنشآت المدمرة، وإنما تمتد إلى إصلاح شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق والاتصالات والمدارس والمرافق الصحية والخدمات البلدية، وهي قطاعات تمثل الأساس لعودة الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى المناطق المتضررة. ويقدر البنك الدولي أن البنية التحتية والخدمات العامة الأساسية كانت من بين القطاعات الأكثر حاجة إلى استثمارات عاجلة.
وتبرز أمام لبنان في هذا السياق معضلة التمويل، إذ إن حجم الاحتياجات يفوق بكثير قدرة الدولة ومواردها الحالية، بحسب ما أكد رئيس الحكومة. وتحتاج عملية الإعمار إلى مزيج من الموارد العامة والتمويل الخارجي والاستثمارات الخاصة والمساعدات والمنح، فيما يتوقف جزء كبير من القدرة على جذب هذه الموارد على استعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني وبقدرة مؤسسات الدولة على إدارة مرحلة التعافي.
وفي هذا الإطار، وضع البنك الدولي إطارًا لمشروع الطوارئ للمساعدة والتعافي المبكر وإعادة الإعمار بقيمة إجمالية تصل إلى مليار دولار، مع تمويل أولي يبلغ 250 مليون دولار، على أن يتم حشد تمويل إضافي من شركاء التنمية والجهات المانحة. ويستهدف المشروع الاستجابة للاحتياجات العاجلة وإعادة الخدمات العامة الأساسية ودعم إعادة الإعمار، ضمن آلية تقودها الحكومة اللبنانية.
وتواجه الحكومة في الوقت نفسه تحديًا يتمثل في إعادة إطلاق الاقتصاد بالتوازي مع إعادة الإعمار، بعدما أدى تجدد الصراع إلى تعطيل مسار التعافي الاقتصادي الذي كان قد بدأ في 2025. ويتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4 في المائة خلال عام 2026، بعدما سجل نموًا حقيقيًا بلغ 4.2 في المائة في 2025، الأمر الذي يزيد الضغوط على المالية العامة وعلى قدرة المؤسسات والأفراد على تحمل تكاليف إعادة البناء.
ومن هنا يرتبط ملف الإعمار ارتباطًا وثيقًا بملف الإصلاح الاقتصادي والمالي، إذ يؤكد المسؤولون اللبنانيون أن استعادة الثقة الدولية وجذب التمويل يتطلبان إصلاحات في القطاع المصرفي والمالية العامة، إلى جانب معالجة الفجوة المالية ووضع إطار مالي مستدام.
وفي الأول من أكتوبر الجاري، أكد صندوق النقد الدولي أن لبنان يحتاج إلى مواصلة تنفيذ إصلاحات أساسية، بينها دخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيز التنفيذ، وإقرار تشريعات مالية تتوافق مع المعايير الدولية، إلى جانب موازنة عام 2027 وإطار مالي متوسط الأجل.
ويمثل الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية ومناطق أخرى تضررت بصورة كبيرة محورًا رئيسيًا في عملية إعادة الإعمار، ليس فقط بسبب حجم الأضرار، وإنما أيضًا بسبب ارتباط إعادة البناء بعودة السكان وتأمين الخدمات وتهيئة الظروف اللازمة لاستئناف النشاط الاقتصادي والزراعي والتجاري. ولذلك تتحول عملية رفع الأنقاض وإعادة فتح الطرق وإصلاح شبكات المياه والكهرباء والاتصالات إلى خطوات أولية تسبق مرحلة إعادة البناء الشامل.
ولا تبدو مهمة الإعمار اقتصادية فقط، بل تحمل أبعادًا اجتماعية وإنسانية واسعة، في ظل استمرار احتياجات الأسر التي فقدت مساكنها ومصادر رزقها، وتأثر قطاعات التعليم والصحة والعمل. ويشير البنك الدولي إلى أن استمرار النزوح وتدمير رأس المال المادي وتعطل التعليم والصحة واحتمال فقدان العمالة الماهرة يمكن أن تترك آثارًا طويلة المدى على قدرة الاقتصاد اللبناني على النمو.
وبينما يبدأ لبنان الانتقال تدريجيًا من الاستجابة الطارئة إلى التعافي وإعادة الإعمار، تبدو أمام الدولة مهمة مزدوجة: إعادة بناء ما دمرته الحرب، ومعالجة الاختلالات التي سبقت الحرب وأضعفت قدرة الاقتصاد على الصمود. وبين الحاجة إلى مليارات الدولارات وبين محدودية الموارد المحلية، يتوقف نجاح المرحلة المقبلة على قدرة لبنان على حشد التمويل العربي والدولي، وتنفيذ الإصلاحات، وضمان إدارة شفافة وفعالة لمشروعات الإعمار، بما يسمح بتحويل إعادة البناء من مجرد استعادة لما دمر إلى مسار أوسع للتعافي الاقتصادي والاجتماعي.
المصدر : أ ش أ
