الأيام الفلسطينية: عن حاجة نتنياهو إلى 11 أيلول جديدة
تستعرض أبرز مقالات الصحافة العربية، اليوم الجمعة، تحولات استراتيجية متسارعة تُعيد تشكيل المشهدين الإقليمي والدولي؛ حيث تتداخل حسابات البقاء السياسي والقوة العسكرية مع الصراعات الأيديولوجية وإعادة تموضع القوى العظمى. وفي هذا السياق المترابط، تتقاطع المقالات في تقديم قراءة عميقة لمفاصل هذه التحولات؛ بدءاً من أزمة العزلة الدولية التي تلاحق نتنياهو والبحث عن ذرائع لتجديد الشرعية الاحتلالية، مروراً بتكتيكات التناقض والتضليل في الخطاب السياسي لترامب، وصولاً إلى التصدعات البنيوية داخل المعسكر الغربي نفسه. وعلى مستوى الإقليم، تتناول هذه القراءات تحديات السيادة الوطنية والشرعية الأمنية في مرحلة ما بعد الوجود الأمريكي في العراق، مقابل النموذج المصري في عبور الأزمات الاستثنائية والتعافي وتثبيت أركان الدولة الحديثة.
عن حاجة نتنياهو إلى 11 أيلول جديد
استهل الكاتب أكرم عطا الله مقاله في جريدة الأيام الفلسطينية بالحديث عن الحالة الجيوسياسية والعزلة الدولية التي تلاحق إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بعد حرب غزة، مشيراً إلى محاولات البحث عن “صورة الضحية” لإعادة استرداد الدعم الغربي، حيث قال: ”لو تمكن مساعد الطيار في الطائرة الإماراتية التي هبطت في مطار تبوك السعودي وهي تحمل أكثر من مائة وخمسين إسرائيلياً من السيطرة عليها وإكمال الرحلة نحو إسرائيل وضربها بأحد أبراج تل أبيب مثلاً ستكون إسرائيل تلقت هدية تحتاجها حالياً، فقد انتهى تقريبا تأثير الهولوكوست الذي وفر قوة دفع لعقود طويلة مع تغير الأجيال في أوروبا والتهمت الإبادة الجماعية التي ارتكبتها في غزة بسرعة صورة الضحية التي نتجت بعد السابع من أكتوبر لتصبح بحاجة لصورة الضحية من جديد لتجديد الرخصة الدولية لدفع قاطرة الاحتلال ومشاريعه الإستراتيجية، التي لم تنجح حتى اللحظة بتهجير غزة وضم الضفة وإسدال الستار على القضية الفلسطينية مرة وللأبد.”
وأضاف الكاتب موضحاً حاجة القيادة الإسرائيلية لقوة دفع جديدة: ”كانت إسرائيل بحاجة إلى 11 أيلول جديد، وإذا كان هذا الذي جرى قبل ربع قرن أتاح للولايات المتحدة إطلاق يدها واستخدام قوتها لاحتلال أفغانستان وبعده العراق وتحقيق مزيد من السيطرة على منابع الغاز والنفط وممراتها، فإسرائيل بحاجة لقوة دفع جديدة لمشاريعها بعد خطاب رئيس وزرائها العاري في الأمم المتحدة وخروج الوفود من القاعة وحديثه للمقاعد الفارغة كان التجسيد الأبرز لمكانة إسرائيل الدولية ورئيس وزرائها.”
ثم تابع يسلط الضوء على عزلة نتنياهو الدبلوماسية قائلاً: ”كان نتنياهو في نيويورك لكنه لم ينم فيها، فلا برامج سوى خطابه الأكثر وقاحة ولم يلتقه أحد لا الرئيس ترامب الذي حطم رقماً قياسياً حين استقبله سبع مرات في عام واحد قبل أن يكتشف أنه ورَّطه في القصة الإيرانية ووضع مستقبله على المحك، وها هي استطلاعات الانتخابات الأميركية تكشف حجم تكلفة صداقته لنتنياهو والثقة فيه وكذلك لم يلتقه صديقه ستيف ويتكوف ولا «تلميذه» جاريد كوشنير وحتى اللقاء اليتيم مع الملياردير أيلون ماسك لم يتم ليعود حتى بلا خفي حنين.”
وأردف مستعرضاً الموقف الأوروبي المتحفظ: ”أما أوروبا فباتت تضع حواجز ومسافات بينها وبين إسرائيل التي تظهر نواياها العدوانية التوسعية وثقافة الترانسفير العنصرية، وبات وزير خارجية بريطانيا يقف في المؤتمر السنوي لحزبه مهاجماً إسرائيل كدولة تمارس الإبادة والتطهير العرقي، أما هولندا فتقترح عقوبات تصل حد السجن لأي معاملة مع المستوطنات.”
وواصل الكاتب تحليله في هذا المقطع مشيراً إلى التوجه الأوروبي:
”فالاتحاد الأوروبي بات يتخذ إجراءات وإن لم تكن بمستوى ما ارتكبته إسرائيل من فظائع لكنه جاء محمولاً على مناخات باتت تشهر نبذ إسرائيل وتعيد تدويرها لتصنع مناخات عزلها.”

كلام ترامب و”باب الطوارئ”
افتتح الكاتب سمير قسطنطين مقاله في جريدة النهار اللبنانية بتقديم تشبيه لباب الطوارئ للربط بينه وبين السلوك السياسي والدبلوماسي، حيث قال: ”في المباني الحديثة للمستشفيات والجامعات والأبراج العالية، هناك المصعد الّذي يستعمله الناس، وهناك “باب الطوارئ” الّذي يقود إلى درجٍ نادراً ما يستعملونه. لكن “باب الطوارئ” موجود. في حال حدث أمرٌ مفاجئ وخطِر، يلجأ إليه الناس للهروب. الغريب في الموضوع أنّ باب الطوارئ لا يبعد عن المصعد إلّا أمتاراً قليلة.”
ثم أضاف ينتقل إلى تحليل الخطاب السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب: ”الّذين يستمعون إلى خطابات دونالد ترامب ويقرأون منشوراته على منصّته “تروث سوشل”، يرونه يناقض نفسه في اليوم نفسه أو في الخطاب نفسه أو حتّى في الجملة نفسها.”
وتابع مفسراً هذا التناقض كجزء من تكتيك تفاوضي محدد: ”هل الأمر كذلك؟ هناك من يعتقد أنّ الأمر ليس كذلك. في كلّ فكرة يريد ترامب نقلها إلى الناس هناك ازدواجيّة تعكسها رسائل متباينة. ترامب هو ملك التلاعب السياسي الـ Political Manipulation، وهو يستعمل هذا الأسلوب كجزء من تكتيك تفاوضي مع العدو واستقطابي مع جمهوره.”

صراع الأيديولوجيات الأوروبي – الأمريكي
بدأ الكاتب محمد السعيد إدريس مقاله في جريدة الخليج الإماراتية بالتأطير التاريخي لمفهوم الصراع الأيديولوجي في العلاقات الدولية، قائلاً: ”تاريخياً، كان مصطلح «الصراع الأيديولوجي»، خاصة على المستوى العالمي، يقتصر على الصراع بين الأيديولوجية الرأسمالية – الليبرالية، والأيديولوجية الشيوعية، التي عبّر عنها الصراع بين الكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة، وبين الكتلة الشيوعية بزعامة الاتحاد السوفييتي. وكانت سنوات الحرب الباردة بين هاتين الكتلتين تُعتبر ذروة هذا الصراع. حدة هذا الصراع تراجعت، بل واختفت، وتراجع معها وزن «الأيديولوجيا» كمحدد محوري في العلاقات الدولية، بانتهاء هذه الحرب، ابتداء من عام 1991 عقب سقوط الاتحاد السوفييتي.”
ثم أضاف موضحاً التصدعات والتحولات الراهنة داخل المعسكر الغربي: ”الأمور تتغير وتتبدل كثيراً هذه الأيام، في ظل التوترات والنزاعات داخل الكتلة الغربية، بجناحيها الأمريكي والأوروبي، التي توحدت حول مفاهيم وقيم الليبرالية والرأسمالية، قبل أن توحدها الاستراتيجيات العسكرية والاتفاقيات الأمنية، والآن يحدث ما يمكن تسميته ب«انكسار الأيديولوجيا» داخل المعسكر الغربي.”
وتابع في سياق تحليله مستشهداً بالتقارير الاستراتيجية الدولية حول أزمة الثقة: ”هذا الانكسار عبّر عنه رئيس «مؤتمر ميونخ للأمن» فولفغانغ إيشنجر ب«أزمة الثقة» التي أضحت موجودة عبر الأطلسي. وكتب ايشنجر في التقرير الرئيسي الذي قدمه للمؤتمر أن أزمة الثقة هذه تعبّر عن «المشكلة الكبيرة التي يتجاهلها الجميع»، وهي «ردّة الفعل العنيفة ضد المبادئ التي قامت عليها الحوكمة العالمية منذ عام 1945»، الذي شهد ظهور النظام العالمي الذي عبّر عنه هيئة الأمم المتحدة بميثاقها، وأهدافها، ومبادئها.”

العراق ما بعد الأميركيين… اختبار الدولة والسلاح
استهل الكاتب مصطفى فحص مقاله في صحيفة الشرق الأوسط بالوقوف عند تاريخ خروج القوات الأمريكية والدلالات السياسية والمصطلحات المرافقة له في الشارع العراقي، حيث قال:
”يوم الأربعاء الماضي، في 30 سبتمبر (أيلول) 2026، اختلف العراقيون في تسمية اليوم؛ بعضهم أطلق عليه «يوم الجلاء»، وآخرون «يوم السيادة». وفي التسميتين قدر من المغالطة، حتى في التاريخ. فخروج القوات الأميركية في 2026 لا ينهي الوجود الذي بدأ عام 2003، إذ إن الولايات المتحدة أنهت وجودها العسكري الأول في العراق في ديسمبر (كانون الأول) 2011، قبل أن تعود عام 2014 بطلب من بغداد لمواجهة «داعش».”
وأضاف الكاتب محللاً المسارات السياسية الناتجة عن محطات خروج القوات: ”لذلك، فإن 30 سبتمبر الماضي هو نهاية وجود عسكري استدعاه العراق في لحظة انهيار الدولة أمام «داعش»، وليس نهاية الوجود الذي بدأ مع إسقاط نظام صدام. والمقارنة بين التاريخين تكشف مسارين متناقضين: الأول كان نهاية مرحلة من عمر نظام نشأ في ظل التفاهم الأميركي – الإيراني، قبل أن يميل، بعد الانسحاب الأميركي، بصورة متزايدة إلى المجال الإيراني؛ أما الثاني فيفتح مرحلة مختلفة، عنوانها مواجهة أميركية – إيرانية أكثر مباشرة، تضع الحكومة العراقية أمام القوى الموازية التي باتت تصادر جزءاً كبيراً من قرارها.”
ثم تابع مسترجعاً المرحلة التأسيسية والعلاقة بين السلطة والسلاح: ”في المرحلة التأسيسية لنظام 2003، كان الصراع داخل البيت السياسي الشيعي يدور حول الدولة والسلطة والسلاح. وكانت مواجهة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لجيش المهدي عام 2008 التعبير الأوضح عن ذلك: حكومة شيعية تريد تثبيت حق الدولة في احتكار القوة، وميليشيات شيعية تنازعها هذا الحق، فيما كان الجيش الأميركي جزءاً من معادلة حماية الدولة في مواجهة قوة مسلحة من داخل بيئتها السياسية.”
وأردف مشيراً إلى التحول في وظيفة السلاح المسلح بعد ذلك التاريخ: ”لكن بعد 2011، انقلبت وظيفة السلاح. ومع اندلاع الحرب السورية، واتساع الاستقطاب الطائفي، لم تعد الفصائل المسلحة تُقدَّم بوصفها تحدياً للدولة، بل خط دفاع عن النظام السياسي الذي نشأ عام 2003، أي السلطة. وهنا برزت أزمة ثقة لدى دعاة «الحاكمية المذهبية» ونخب السلطة بقدرة القوات المسلحة وأجهزة الدولة على حماية نظام 2003، فأسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إعادة إنتاج البيئة المسلحة التي احتاجت إليها لاحقاً.”

أفق جديد لدولة قوية حديثة
افتتح الكاتب ماجد منير مقاله في جريدة الأهرام بالتطرق إلى استعادة الدولة المصرية لعافيتها وتماسكها بعد الأحداث الوطنية في الفترة بين 2011 و2013، حيث قال: ”لم يكن خروج مصر الآمن بعد أحداث فترة 2011– 2013 عملية إنقاذ سهلة ولا بسيطة؛ تطلب هذا «الخروج الآمن» جهدا كبيرا حتى وقفت البلاد على قدميها، وتعافت بعد ضعف، وسط ظروف غاية فى الصعوبة إقليميا ودوليا.”
وأضاف الكاتب مستعرضاً حجم التحديات والخسائر الجسام التي واجهتها الدولة والمواطنون: ”مرت مصر فى تلك الفترة بحالة ضعف، كان يمكن أن تقوض أركانها أو تجرها إلى مستنقع وقع فيه آخرون- سقطت دول أخرى فى هوة سحيقة من الانقسامات والخلافات، بل والحروب الأهلية- ومع ذلك خسرت مصر مليارات الدولارات, تحملها الشعب المصرى, ولا يزال، وهو مدرك أن الشرق الأوسط يتعرض لإحدى أخطر الأزمات عبر تاريخه، إن لم يكن أخطرها على الإطلاق، من نتيجتها تصدع عدد من دول الإقليم، والدول التى يتم هدمها لا تقوم لها قائمة، لا تنهض بعد سقوط، وتجد صعوبة بالغة فى العودة مرة أخرى.”
وتابع موضحاً ركائز تجربة البناء وتجاوز العثرات الوطنية: ”ولعلى لا أكشف سرا عندما أقول إن مصر استطاعت أن تتجاوز عثرات (2011 – 2013) بإخلاص جيشها الوطنى العظيم، ووعى شعبها وتماسكه وإصراره على تخطى العقبات، وهذا يعيدنا إلى فارق جوهرى بين بناء الدولة وهدمها، فإذا كان الهدم عملية سهلة ولا تتطلب أكثر من التشكيك ونشر شائعات خبيثة، فإن البناء عملية صعبة ومعقدة، تتطلب وقتا وظروفا مواتية.”

أحمد علي