الأيام اليمنية : هل يجرؤ السياسي على قول الحقيقة؟
تعيش المنطقة العربية والشرق الأوسط تحولات عميقة , وتحاول النخب الفكرية والسياسية تقديم خريطة طريق تؤكد أن تجاوز الأزمات يتطلب بالضرورة مصارحة شجاعة، وإعلاء لمفهوم المواطنة ، ومرونة تجيد استثمار الجغرافيا، وإرادة حقيقية تُترجم المبادئ والمواقف إلى أفعال .
الأيام اليمنية: «هل يجرؤ السياسي على قول الحقيقة؟»
يطرح الدكتور جلال حاتم في مقاله إشكالية غياب الصراحة والشفافية السياسية في الخطاب الرسمي العربي :
“يسهل على السياسي أن يطلب من الناس الصبر، وأن يعدهم بمستقبل أفضل. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يقف أمامهم ليقول إن بعض الوعود لم يعد قابلًا للتحقيق، وإن السياسات التي اعتادها الناس لم تعد تصلح، وإن الخروج من الأزمة يتطلب قرارات صعبة ووقتاً أطول مما قيل لهم.
هذه هي الصراحة السياسية التي نفتقدها ليس في بلادنا فحسب، بل في كثير من بلداننا العربية. ففي مواجهة البطالة وتراجع الخدمات وضعف المؤسسات، تُقدَّم أحيانًا تفسيرات مريحة: كل مشكلة سببها الخارج، نحن نعيش حالة حرب، وكل إخفاق هو مؤقت، وكل مشروع جديد سيحدث تحولًا قريبًا. وقد يكون للعوامل الخارجية أثر فعلي، لكن الاعتراف بها لا يعفي أصحاب القرار من توضيح ما يستطيعون فعله، وما عجزوا عنه، ولماذا.”
ثم ينتقل :
“الصراحة لا تعني بث اليأس، ولا تعني إلقاء المسؤولية على المواطنين. إنها تبدأ بنشر صورة مفهومة للواقع: ما حجم المشكلة؟ ما الموارد والقدرات المتاحة؟ ما الخيارات المطروحة، وما كلفة كل خيار؟ ثم تحديد أهداف يمكن قياسها، ومواعيد لمراجعة التقدم، ومسؤوليات واضحة لمن يتخذ القرار وينفذه.”
ويكمل :
“غير أن الصراحة لا تكتسب قيمتها بمجرد خطاب شجاع. فإذا أعلن المسؤول أن النهج القديم فشل، ثم أبقى الأشخاص أنفسهم وآليات القرار نفسها، تحولت المصارحة إلى وسيلة جديدة لتأجيل التغيير. ولكي يصدّق الناس ما يسمعون، يجب أن يروا مراجعة للقرارات، ومحاسبة على الإخفاق، وفرصة حقيقية للمختصين والمجتمع للمشاركة في رسم البدائل.”
ويختتم :
“قد يخشى السياسي أن يدفع ثمن قول الحقيقة. لكن استمرار الوعود التي يعرف الناس أنها لن تتحقق يفرض ثمنًا أكبر: تآكل الثقة، واتساع المسافة بين الدولة والمجتمع، وضعف الاستعداد لتحمل صعوبات الإصلاح. فالمواطن يستطيع أن يتفهم بطء التقدم إذا عرف أسبابه ورأى جهدًا جادًا لتجاوزها؛ أما الغموض وتبدّل التبريرات فيقضيان على الثقة قبل أن تأتي النتائج.”
القدس العربي : العراق .. هل «التشيع السياسي» هو حالة وطنية؟
يقدم الكاتب ربيع الحافظ قراءة نقدية لبنية الدولة .. فكتب يقول :
“هل سمعنا يوماً أهل مدينة ميونخ يشتمون أهل مدينة برلين، أو أهل لندن يشتمون أهل أدنبره، أو أهل نيويورك وأهل واشنطن؟ أو موسكو وفولغوغراد؟ أو ريو دي جانيرو وساو باولو في البرازيل؟ الجواب لا، هل لأن أهالي هذه المدن ليس بينهم ما يفرقهم؟ كلا، الأمر على العكس من ذلك، فأعراقهم ومعتقداتهم ومذاهبهم وطباعهم شتى لكنهم ملتزمون بعقد اجتماعي. هذه المدن ليست محصنة بالكامل ضد مروق مدني يصدر عن ثلة من السفهاء لا تلبث مؤسسات الدولة وأجهزة إنفاذ القانون أن تقف في وجهه ومحاصرته وينتهي كل شيء وقد تلجأ الدولة إلى سن قوانين صارمة حال تكراره. وفي مواجهة المروق المدني، يصطف المجتمع بشرائحه ومؤسساته إلى جانب الدولة والقانون، في مقابل جماعات وناشطين ومنظّرين يهددون المصلحة العامة.”
ثم ينقلنا الكاتب :
“من الاختلاف المذهبي إلى أزمة المواطنة: التشيع المراد في هذا السياق ليس اختلافاته الفقهية في الصيام والزكاة وصلاة الجمعة وغيرها؛ فهذه أمور لا يكون لها ارتداد اجتماعي ما لم تُفرض على باقي المجتمع أو على مناهج التربية، ولا يُبنى عليها مشروع سياسي. وإنما المقصود الممارسات التي تنتقل إلى المجال العام محمّلة بالإساءة والتحريض، وتتحول إلى أساس لمشروع سياسي استقطابي يتقدم فيه الولاء المذهبي على الولاء للدولة. وحين يحدث ذلك، تخرج هذه الممارسات من نطاق الحرية الدينية الخاصة، وتدخل مباشرة في صدام مع العقد الاجتماعي والمواطنة.”
ويختتم المقال :
“حين تنحسر الطقوس المسيئة وخطابات التحريض عن المجال العام، وتتقدم المواطنة على التعبئة المذهبية، لا تبقى أرضية للتشيع السياسي. عندها تصبح الدولة، لا المرجعية المذهبية ولا القوة الخارجية، مرجعية المواطن في الشأن العام، ويغدو الشاب الشيعي شريكاً كاملاً في بناء الدولة، لا مادة للاستقطاب تستثمرها القوى الداخلية أو الخارجية ولا معولاً يهدم بها الآخرون وطنه.
التشيع السياسي مرفوض اجتماعياً قبل أن يُرفض سياسياً، لأنه يصطدم أولاً بالعقد الذي يجمع أبناء الوطن قبل أن يصطدم بمؤسسات الدولة.”
عكاظ : «جغرافيا الخليج».. والقرار السياسي المنتظر!
يناقش الكاتب أحمد الجميعة كيفية تشكيل الجغرافيا للسياسات الخارجية والتوازنات في المنطقة .. :
“المؤكد أن الجغرافيا تعيد تشكيل السياسات، وكما قيل: «سياسة الدول تكمن في جغرافيتها»؛ فالحدود والموقع والموارد ليست مجرد خلفية ثابتة للأحداث، بل هي المحرك الأساسي الذي يفرض على الدول تحالفاتها وصراعاتها، وتحديد أصدقائها من أعدائها، كما أن التغيّرات البيئية والتكنولوجية الحديثة جعلت الجغرافيا تعيد رسم المشهد السياسي العالمي بطرق غير مسبوقة.”
ثم يكمل :
” الجغرافيا في الشرق الأوسط زادت المشهد السياسي تعقيداً في هذه المرحلة، ونتائجها واضحة مع تمدد الصراع في مضيق هرمز وباب المندب، وتجاوز حدود المصالح إلى أطماع السيطرة والنفوذ، ومحاولة فرض واقع جديد وتحالفات جديدة، وكل هذه التحوّلات المتسارعة تجعلنا أمام اختبار حقيقي كلما رأينا خارطة المنطقة، وأظهرنا جانباً من التحليل بأن القادم يحتاج إلى رؤية سياسية واقتصادية لا تحجبها الجغرافيا، ولكن تتماهى معها، وتستثمر إمكاناتها للمستقبل.”
ويطرح الكاتب حلا :
“جغرافيا الخليج، مثلاً، كمصدر للطاقة والإمداد اللوجستي العالمي، عليها ألّا ترتهن في هذه المرحلة للصراع في المنطقة، بل تتجاوز عقدة مضيق هرمز أو باب المندب، والالتفاف عليهما من خلال التفكير في حلول أخرى لتنويع الممرات والمنافذ البحرية والبرية، من خلال تفعيل خطوط الأنابيب البرية، وشبكات «الربط السككي» لربط موانئ الخليج بموانئ بحر العرب (عبر سلطنة عُمان) والبحر المتوسط.
هذا التحوّل ينقل دول الخليج من دور «الحارس للممر المائي» – الذي يتحمّل كلفة الصراعات دون أن يملك السيطرة الكاملة عليها – إلى دور «المنصة اللوجستية العالمية»، وفي هذه الحالة تصبح جغرافيا الخليج مرنة وقابلة للتكيّف مع أسوأ السيناريوهات السياسية؛ لأن العالم سيصبح معتمداً على استقرار «الشبكة البرية الخليجية» ككل، وليس فقط على أمن مضيق بحري بعينه.”
الأهرام : فلسطين بين انتصار الشاشة وهزيمة الواقع
الدكتور خالد قنديل يلفت نظرنا إلى مخاطر الاكتفاء بـ “الانتصارات الرمزية” :
“ربما صفق العالم لمشهد انسحاب الوفود من قاعة الأمم المتحدة لحظة بدء رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو خطابه، ومن قبلها مفارقة وصوله واختيار مطار إقليمي يقع بعيدًا عن المطارات الكبرى ولم يكن في انتظاره مشهد الاستقبال البروتوكولي المعتاد لكبار القادة، الذي اعتاده من الرئيس الأمريكي المضطرب، بل إن أشخاصًا عاديين كانوا في استقبال رئيس حكومة مجرم حرب ومطلوب من المحكمة الجنائية الدولية، وانتشرت الصورة الكلية لمشهدي الاستقبال وانسحاب الوفود، بوصفها لحظة إدانة سياسية وأخلاقية.”
ثم يضيف :
“لقد شاهد العالم، على مدار ما يقارب ثلاثة أعوام، حربًا لم تقع في الظلام. رأى القتل وهو يحدث، ورأى الدمار وهو يتسع، ورأى مدنًا وأحياء كاملة تفقد ملامحها، ورأى آلاف الفلسطينيين يصابون بإصابات غيّرت حياتهم إلى الأبد، بينهم أطفال فقد بعضهم أطرافه جزئيًا أو كليًا.
وتجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين منذ بداية الحرب عشرات الآلاف، فيما تجاوز عدد المصابين مئات الآلاف، وبينهم آلاف من حالات البتر والإصابات التي ستظل آثارها الجسدية والنفسية ممتدة لعقود، وهذه ليست مجرد أرقام في تقرير طبي، فالرقم يعني إنسانًا فقد جزءًا من جسده، وأسرة فقدت أحد أبنائها أو بعضهم أو جميعهم، وطفلًا سيكبر وهو يتذكر أن الحرب سرقت منزله، وسرقت ساقه أو ذراعه أو أحد والديه، أو كليهما، والركام الذي نرى لمدارس وذكريات ومستشفيات وبيوت وأحياء وذاكرة اجتماعية كاملة، وتراث تاريخي أراد الاحتلال محوه ومحو هوية الأرض.”
ويبرز محورية الدور المصري :
” وهنا أيضًا لا بد من الانتباه إلى صوت مصر ومتابعة الدور المصري، الذي يحذر العالم من مغبة وأد السلام، ومصر تنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها إحدى ركائز أمن المنطقة واستقرارها، وتتعامل معها منذ عقود باعتبارها قضية سياسية لا يمكن أن تنتهي بالمسكنات أو بإدارة الصراع إلى ما لا نهاية، وقد جدد الرئيس عبدالفتاح السيسي في سبتمبر 2026 التأكيد على أن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية هي الطريق لتحقيق السلام والاستقرار الدائمين في الشرق الأوسط، مع الحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية وترابطها بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ورفض التهجير والضم والاستيطان. وقد أكدت القاهرة كذلك ضرورة أن تكون الدولة الفلسطينية قابلة للحياة ومتصلة جغرافيًا، وأن تتولى المؤسسات الفلسطينية الشرعية مسئولياتها في مختلف الأراضي الفلسطينية.”
ويختتم :
“إذن من الضروري والمهم أن يكون الانسحاب من قاعة الأمم المتحدة بداية لتحرك سياسي، لا نهاية لخبر صحفي أو متلفز، وأن تتحول الإدانة إلى ضغط فعلي لوقف الحرب، وأن تتحول الأعمال الفنية التي تكشف المأساة إلى قوة دفع نحو المساءلة والحماية، وأن يتحول الاعتراف بدولة فلسطين من موقف دبلوماسي إلى خطوة عملية نحو تمكينها من ممارسة سيادتها، وأن يتوقف الاستيطان في الضفة الغربية، وتتوقف إجراءات تغيير الواقع في القدس الشرقية، ويُحافظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ويصبح وقف الحرب مقدمة لمسار سياسي حقيقي، لا هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الدم.”
تحرير : مروة عبد الحفيظ




