الأيام البحرينية : الغذاء أولًا .. ما وراء خرافة الندرة…
يحاول كتاب المقالات المنتقاة اليوم مجابهة حاضرنا ومستقبلنا بالتحرر من التبعات الجيوسياسية للحروب وصناعة الاحتكار، والتخلص من الجمود الفكري مع حماية النسيج الأخلاقي والتضامن الإنساني الذي يشكل جوهر الحياة المجتمعية
“ربع قرن على ذلك اليوم المشؤوم”
الكاتب فهد الخيطان كتب مقالا في صحيفة “الغد” الأردنية بعنوان “ربع قرن على ذلك اليوم المشؤوم” يستعيد فيه قراءة وتحليلا شاملا لمرور ربع قرن على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ويقول فيه:
“في نظر فئات واسعة من الأجيال الشابة، ما حدث يوم الحادي عشر من أيلول لعام 2001 يماثل تماما ما حصل في الحرب العالمية الثانية بالنسبة لجيلنا. ربع قرن من الزمان مضى على تفجير البرجين في نيويورك، وهجوم البنتاغون رمز القوة العسكرية الأميركية.
لم يعش الكثيرون هول هذا الحدث، إما لصغر سنهم، أو لأنهم لم يولدوا بعد. لكن ما بات يعرفه الجميع اليوم، أن كل ما حل بمنطقتنا من ويلات وحروب واضطرابات في الربع الأول من القرن الجديد، قد بدأ من ذلك اليوم. وربما أن كل ما شهدته الولايات المتحدة من تحولات فكرية وسياسية، ومن خلفها العالم الغربي برمته، ارتبطت بذلك الحدث المشؤوم.”
ويضيف: “كانت الولايات المتحدة الأميركية تعيش نشوة الانتصار على الاتحاد السوفييتي المنهار، وتختال بالقوة والعظمة في العالم. لم يكن بن لادن ليدرك خطورة تلك اللحظة التاريخية، عندما أقدم على تنفيذ هذا العمل. ولم يدر في ذهنه على الأرجح، ما سيكون عليه رد فعل قوة عظمى على إهانة بالغة بهذا الحجم الكارثي.
وأظن أن العالم الذي عاش تلك اللحظات الرهيبة لم يدرك المدى الذي سيبلغه الرد الأميركي، أو التوظيف السياسي والعسكري لهذا الهجوم.
تبدلت أمريكا على نحو جذري، ومعها، علاقاتها مع دول العالم كله؛ فمن ليس معنا فهو ضدنا، كان العنوان الذي حكم السياسة الأمريكية منذ ذلك التاريخ.”
وينتقل الكاتب لرصد التغيرات البنيوية داخل الغرب والمتمثلة في صعود الشعبوية، وانتعاش خطاب الكراهية والتعصب ضد العرب والمسلمين:
“لم تكن الولايات المتحدة منقسمة على نفسها، مثلما أصبحت بعد 11 سبتمبر. صعود مذهل ومتسارع لليمين المتطرف والشعبوي، تردد صداه في أعرق الديمقراطيات المستقرة في الاعتدال. كل ما نشهده في أميركا اليوم من تيارات يمينية معادية للمهاجرين والعرب والمسلمين، انتعشت بعد ذلك التاريخ، وبلغت سدة الحكم ومراكز صنع القرار.
خطاب الكراهية والتعصب، ونبذ عالم الآخرين، تشبع على وقع تفجيرات البرجين، وصار السؤال المدوي في مراكز الأبحاث والقرار الأميركي: “لماذا يكرهوننا؟”.”
ويوضح : “دوامة من الإرهاب بدأت، ولم تتوقف في أرجاء العالم كله. الرد العسكري والانتقامي الساحق من جانب الولايات المتحدة، أطلق العنان لموجات من الإرهاب والتطرف ضربت في كل مكان. الشرق الأوسط دفع أغلى الأثمان، وما يزال. احتلال العراق، فرخ جيوشا من الإرهابيين والقتلة، ومنح التطرف الديني مكانة متقدمة في الشارع العربي والإسلامي. “
ويختتم الخيطان مقالته مؤكداً : “في عالمنا، تقدم الأمن على السياسة والحريات الفردية. هاجس الاستقرار وكابوس التفجيرات، سيطرا على سياسات الدول وحياة الشعوب. في ذلك اليوم خسرت الشعوب هامشا واسعا من حرياتها الأساسية، وصارت قوائم الممنوعين من دخول أميركا تضم لأول مرة شعوبا ودولا. “
“الغذاء أولًا .. ما وراء خرافة الندرة”
ننتقل إلى صحيفة “الأيام” البحرينية ومقال بعنوان “الغذاء أولًا .. ما وراء خرافة الندرة” كتبه محمد كمال يناقش فيه مفهوم أزمة الغذاء والجوع العالمي، ويقول فيه: “لا شك أن أولوية الحاجة الى الغذاء ترقى فوق جميع الحاجيات في الحياة، والطبيعة من جانبها وفرت المبتغى، وأرشدت حاملي العقل الى وسائل البحث عن سبل الابتكار في المزيد من توفير الغذاء، وكانت الزراعة الصنعة الأولى التي عرفتها يد الإنسان. وإذا ما أراد أهل الشر من استعباد إنسان، ما عليهم إلّا حرمان فريسته من نعمة الغذاء… الطبيعة توفر وتعطي الغذاء للإنسان دون مقابل، والإنسان يمنع الغذاء عن الإنسان، وما آفة الجوع بين بني البشر إلّا من صنع البشر ذاته، والطبيعة بريئة مما يصنعه البشر.”
ثم يتناول الكاتب التحول التاريخي الذي طرأ على المعاناة مع تحول الاقتصاد والتجارة إلى أيديولوجيات وسلطة سياسية تستغل حاجة الإنسان الأساسية:
“ولأن الإنسان نَفْسٌ ما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، أخذت النفس الفاجرة تتلهى وتعبث وتستغل عنصر الغذاء مع الماء، لإرضاء هواها وأوهام طموحاتها على ركام من الجياع الأبرياء… لكن ماساة الإنسان مع شح الغذاء تنزل عليه من أهل الرفاه والقدرة والجاه، وليس من أهل الحاجة الطبيعية الملحة، او من الطبيعة ذاتها… إنها من الاقتصاد والسياسة، وتتفاقم لعنة المعاناة عندما تتفاعل السياسة مع الاقتصاد، وهذا هو النهج العالمي لدى سادة القرار، منذ النمو التجاري العظيم الذي فجر الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، وترسخ بعدها النظام الرأسمالي، الى أن أصبحت الرأسمالية أيدولوجية سياسية على المستوى العالمي. وعندما يحال نظام وضعي اجتماعي، مثل النظام الاقتصادي، الى أيدولوجية عقيدية بيقينية الدين، فإن سادة هذا النظام يرون انفسهم الهة ولا بد للجماهير أن ترضخ خانعة لأوامرهم، وتستجيب بالطاعة لفتاويهم التي تشمل ثقافتهم المجتمعية.”
وينتقل المقال للربط بين أصول الفساد واستغلال الأفكار والأديان عبر التاريخ لخدمة المصالح والأهواء الذاتية للنخب القوية:
“تتجدد الأنظمة على مرور الزمن، ويبقى الإنسان هو الإنسان، فلا فرق بين الإنسان في العصر الحجري والإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي ورديفه الشيطان النووي، والفارق بين الحجري والذكي – النووي، أن معاناة الإنسان تتفاقم وتتعمق وتتوسع مع التقدم العلمي.
جاءت أفكار وفلسفات وتبعتها أديان دنيوية ومنزلات من الغيب ، لإحياء الضمير في النفس البشرية، ولكن الإنسان الأسير في خيمة الغرائز وسوست له نفسه أن يستغل الأفكار والأديان، وحتى الدين من الغيب، لإرضاء أهوائه، وتاريخ الفاتيكان شهد فترات من الفساد المالي والأخلاقي يندى لها الجبين، مثل البابا الكسندر السادس في القرن الخامس عشر، الذي استغل بابويته لتعزيز نفوذ عائلته في الصرح السياسي، والبابا يوحنا الثاني عشر في القرن العاشر، الذي أدار الفاتيكان بأسلوب مناف للأخلاق وارتكب تجاوزات سلوكية مخزية، أما البابا ليون العاشر في القرن السادس عشر فقد اشتهر ببيع «صكوك الغفران»، وقس على هذا الفساد والاستغلال للدين طبيعة الإنسان، وهذا هو المدون على صفحات التاريخ.”
ويستعرض المقال الكتاب المرجعي «الغذاء أولًا: ما وراء خرافة الندرة» الصادر عام 1975، موضحاً دوره في كشف السياسات الاحتكارية التي تمارسها الدول الكبرى والشركات العابرة للقارات لمنع دول العالم الثالث من تحقيق أمنها الغذائي:
“السيدة فرنسيس مور لابيه والسيد جوزيف كولينز، في عام 1975 أسسا معهد سياسات الغذاء والتنمية، وأصدرا بعد ذلك كتاب «الغذاء أولًا: ما وراء خرافة الندرة». إنهما بهذا العمل، من تأسيس معهد وتأليف كتاب، قد فتحا أهم باب في حياة الإنسان، وكيف أن الإنسان إذا تحقق له الحاجات الطبيعية الأولية، وهي من أبسط الحاجات، ومن أيسر المطلوبات التي يمكن توفيرها، فإن البشرية تكون قد حلت النسبة العظمى من قضاياها. يكشف الكتاب عن حقيقة إنسانية مرعبة مخزية، وهي أن الجوع صناعة، وأن ندرة الغذاء خرافة، ويتحدث عن أزمة الغذاء العالمية، ودور السياسات الأمريكية والأوروبية المتعلقة بمنع دول العالم الثالث من أن تنتج ما يكفيها من الغذاء؛ لأن القليل الذي تنتجه دول العالم الثالث يذهب لتلك الدول عبر شركاتها المهيمنة وخاصة الشركات متعددة الجنسيات.”
ويختتم الكاتب بالتحليل السيكولوجي لطبيعة السلطة في ظل العقيدة الرأسمالية التي تعاقب الفقراء وتوظف سلعة الغذاء كأداة إخضاع واحتكار:
“أرى أن المركز الأساسي للموضوع ينبعث من السيكولوجيا، ومن ثم تتشكل في السياسة وتنفذ في الاقتصاد وتنطرح الأفكار على الساحة الفلسفية، وخاصة تلك الساحة المعنية والملتزمة بالقضايا الإنسانية… الولايات المتحدة الأمريكية اليوم هي من أغنى دول العالم، حيث إن عمل المواطن فيه يدر على البلد ثروة عظيمة، ورغم هذه الثروة العظيمة التي تكفي وتزيد لإطعام وتأمين السكن لأضعاف سكان القارة الأمريكية كلها، إلّا أن الجوع ظاهرة سائدة، والمحرومين من السكن (homeless) في ازدياد يومًا بعد يوم في دولة الثروة العظيمة. وحسب العقيدة الرأسمالية، فإن حالات الفقر والجوع وسكنة الطرقات والأزقة ليست سوى أشكال من معاقبة الله لهم؛ لأن إيمانهم ضعيف او معدوم في الدين الرأسمالي، او أنهم لا يحترمون سادتهم من نبلاء المال… من مغزى كتاب «الغذاء أولًا» نستوحي شعار هذا الدين الدنيوي البغيض، والذي هو: «اقطع دابر الغذاء عن الإنسان، يأتيك راكعًا ركوع العابد لا العبيد».”
“استعادة الماضي عبء لا يحتمله المستقبل”
تحت عنوان “استعادة الماضي عبء لا يحتمله المستقبل” في صحيفة “عكاظ” يناقش الكاتب سلطان السعد القحطاني أزمة الوعي والجمود الثقافي في العالم العرب، داعياً إلى تبني الشجاعة والعقلانية للانخراط في العصر الحالي وتلبية تطلعات الشباب :
“هذه الحالة الرومانسية العربية تجاه الماضي أصبحت، في جانب منها، سبباً للتخلف السياسي والجمود الثقافي. ومحاولات إعادة عقارب الساعة إلى الوراء تصطدم بالمنطق والواقع؛ فالتاريخ لا يعود، والأمم لا تستطيع أن تبني دولاً حديثة بعقل يعيش خارج زمنه. لذلك تلفتني القدرة التي يتمتع بها بعض القادة حين يقررون الذهاب إلى المستقبل، رغم الأسوار الفكرية التي شُيّدت حول الماضي، وتحاول منع التجدّد والتغيير.”
ويشرح: “المشكلة ليست في الماضي نفسه، فالماضي جزء من هوية الأمم وذاكرتها، وإنما في تحويله إلى مشروع حياة دائم، أمام العالم العربي تحديات جديدة، وشباب يحتاجون إلى أن يجدوا لهم مكاناً في عالم سريع التحوّل، لا أن يرثوا أسئلة الأجيال السابقة وإحباطاتها.”
ويوضح: “خطورة هذا النوع من الأفكار أنها تسلب المستقبل من عقول الشباب، وتجعلهم يدورون في حلقة مفرغة بلا أمل، ثم يتحوّل الإحباط إلى مهدّد للاستقرار، ليس للدول وحدها، بل للأفراد أيضاً.
ولنراجع الأدبيات العربية وموقفها من النفط. كيف صُوّرت دول النفط وكأنها صنو التخلف، بينما استطاعت هذه الدول، بعقلانية وواقعية، أن تؤسس نهضة استقطبت المواهب العربية ومنحتها فرصاً واسعة. بل إن كثيراً من القضايا العربية لم تكن لتبقى حاضرة لولا الدور الذي أدّاه النفط وأصحابُه في السياسة والاقتصاد.”
ويدعو القحطاني في ختام مقالته إلى : “المطلوب ليس القطيعة مع التاريخ، ولا إدانة الذاكرة، وإنما وضع كل شيء في مكانه الصحيح. نحن بحاجة إلى قراءة الماضي في حاضرنا العربي سريع التغير، نأخذ منه الدروس، ونترك ما تجاوزه الزمن. فالنهضة لا تبدأ حين نستعيد ما كان، بل حين نمتلك الشجاعة لنسأل: ماذا نريد أن نكون؟ وما الذي يستطيع الإنسان العربي أن يضيفه إلى العالم؟ المستقبل لا يمنح فرصه لمن يكتفي بترديد أمجاد سابقة. ويصبح الانغلاق على الماضي عزلة. لذلك فإن المعركة ليست مع التاريخ، بل مع العقل الذي يرفض التعلم منه، ويحوّل ذكراه إلى بديل عن العمل وطموح الغد وصناعة الفرص”
تآكل أواصر الجيرة: كيف غابت قيم الزمن الجميل أمام طغيان الجحود والفردية؟
ونختتم مع الكاتب صبري غنيم الذي يسلط الضوء على التراجع المؤسف في العلاقات الاجتماعية بين الجيران، حيث كتب مقالاً بعنوان “علاقات الجيرة” في صحيفة الأخبار المصرية، جاء فيه: “فعلاً، هذا الزمن تغيّرت فيه العلاقات بين الناس وبين الجيران.. لا أعرف متى تعود أخلاقيات الزمن الجميل، يوم أن كنا نرى الجيران فى الأعياد يتسابقون على تقديم التهانى وأطباق الكحك بعضهم لبعض.. جارة لنا تركت مصر منذ سنوات، وسافرت إلى أمريكا لتقيم هى وأولادها هناك، ومن وقت لآخر تزور القاهرة، وتدخل العمارة وكأنها واحدة من الغرباء، لم تفكر يومًا فى أن تطرق باب إحدى الشقق وتسأل عن جيرانها، مع أن جيرانها كانوا قدّموا الكثير يوم أن كانت حماتها فى القاهرة تعانى من مجموعة من الأمراض، وكان ابنى الدكتور حسام يزورها يوميًا ليطمئن عليها، بحكم الجيرة، وبحكم أنها والدة أحد السكان.”
ويستطرد: “معنى الكلام أننى كنت أتوقع أن تبقى العلاقات طيبة بين الجيران، لكن ماذا نقول للزمن الذى تغيّرت فيه الأخلاق؟! مع أن هذه المرحلة فى حاجة إلى تعليم أولادنا حسن التعامل مع الآخرين، وأن يكونوا صورة مشرفة فى العلاقات الطيبة بين بعضهم البعض، حتى إذا كبروا وفتحوا لأنفسهم بيوتًا، لا يكونون مثل أصحاب الضمائر التى ماتت، وماتت معها العلاقات الطيبة بين الناس.”
ويختتم صبري غنيم مقالته برجاء قائلاً: “على أى حال، سيعود الزمن بنا يومًا، ونعترف بأخطائنا أمام أولادنا الصغار الذين هم على عتبة حياة جديدة، ينتظرون ما يصنع بهم الزمن، وهنا أطرح سؤالًا: هل يعود بنا الزمن الجميل، وتبقى كلمة «صباح الخير» على ألسنتنا، ونحن نستقبل يومًا جديدًا كل يوم مع جيراننا؟.”
تحرير : مروة عبد الحفيظ




