الشرق الأوسط : الخرائط تبحث عن مخرج طوارئ
عرضنا لمقالات الرأي هذا الصباح يتمحور حول أبرز قضايا الساعة والترابط بين مستويات متعددة من الأزمات والتحديات التي تحيط بالواقع ..
بدءاً من عجز المنظومة الدولية عن إرساء السيادة والقانون في المناطق الرمادية، مروراً بصياغة الخرائط والأمن الدفاعي لشرق المتوسط على وقع التنافس الإقليمي ، وصولاً إلى الواقع المجتمعي المتمثل في تأمين وحماية البيئة الاجتماعية والصحية للأجيال الصاعدة، وأخيراً استدعاء البوصلة الأخلاقية والإنسانية لمواجهة قسوة التحولات الرقمية السريعة والتكتلات المصالحية
تآكل النظام الدولي وحالة “اللاسلم واللاحرب”: بين الخلل الهيكلي وخطاب المناطق الرمادية
تحت عنوان “الخرائط تبحث عن مخرج طوارئ”، يحلل الكاتب جمال الكشكي في مقاله بصحيفة “الشرق الأوسط” أبعاد أزمة النظام الدولي الخالي من آليات الحسم والمحاصر بين الصراعات المسلحة وعجز المؤسسات الأممية، ويقدم قراءة تحليليّة شامليّة للتطورات الجيوسياسية الراهنة :
” عشية الحرب العظمى، قرر عالم ذلك الوقت أن تكون هناك منظمة دولية تصبح الضابط للصراعات، والحكم بين المتنافسين، وتستبق النزاعات حتى لا تصل إلى الصدام، وتفرعت عنها مؤسسات أخرى، أبرزها مجلس الأمن، يد المجتمع الدولي الضاربة.
وبعد أكثر من ثمانين عاماً من نشأتها، نقف عند مفترق طرق حاد، يكاد يصل بنا إلى لحظة صدام مرعبة، تصبح معها حروب الماضي مجرد نزوة.
هذا المفترق لم ينشأ على عجل، فقد نشأ نتيجة خلل متراكم في المعايير الدولية، وتطبيق القوانين، واحتكار خمس دول فقط لحق النقض «الفيتو»، والتصادم بين الشرق والغرب في الحرب الباردة، وعدم انتهاز فرصة التنمية من جانب الدول التي استقلت حديثاً عن الاستعمار، خصوصاً في الخمسينات والستينات.
هل نكتب درساً في التاريخ هنا؟ لا… إننا نحاول أن نقتنص اللحظة من براثن هدير المدافع، وأزيز الطائرات المسيّرة والصواريخ العابرة، والحرب عن بُعد، وخسارة جبهات القتال التقليدية، وتسابق الدول على الاستحواذ على فضاء الابتكار، وتعدد وتنوع مصادر القوة الشاملة.”
ثم يفصل الكاتب أبعاد تداعيات السباق التسليحي وتراجع الإنفاق التنموي، مستشهداً بالسلوكيات الميدانية وتجاهل القرارات الأممية المتعلقة بالقضية الفلسطينية:
“يمكن أن أقول إن العالم القديم تشقق، وتكسر، وتهشم، لكنه لم ينتهِ بعد. فالبعض يقول إنه لا يزال عالم القطب الواحد، وبعضهم الآخر يقول إنه عالم تعدد الأقطاب من دون إعلان.
ويمكن أن أقول أيضاً إنه عالم يعيش في منطقة رمادية، أو حالة اللاسلم واللاحرب، وهي في الغالب مرحلة خطيرة، وغير حاسمة، فمن ناحية تنفق فيها الدول على السلاح وإنتاجه على حساب التنمية والاقتصاد، ومن ناحية أخرى تجد هذه الدول نفسها في حالة قلق دائم، والحالتان لا يمكن أن تولدا أي نوع من السلام المستقر المطمئن، ومع العجز التام للمنظمة الدولية، وعدم الاكتراث بقوانين الشرعية الدولية، فإن الواقع يصبح أكثر سيولة.
وتزداد المفارقة حدة مع تصاعد الإنفاق العسكري بين الدول العظمى، الذي يلتهم موارد كان يمكن توجيهها إلى التنمية والصحة والتعليم ومواجهة الفقر، فالعالم لا ينفق المزيد على السلاح وحده، وإنما يدفع ثمن ذلك من مستقبله، وحين تتحول أولوية الأمن إلى عبء يضغط على الاقتصاد والمجتمعات، فإنه يضع احتياجات التنمية في مرتبة أدنى.
فعندما تأتي دولة مثل إيران وتسيطر على مضيق هرمز، شريان الطاقة، وأحد ممرات سلاسل التجارة العالمية، وهو يخضع لقانون البحار لعام 1982، فإنها تقدم مثالاً صارخاً على مدى هشاشة هذا القانون الدولي، وتقدم نموذجاً يمكن أن تقوم به دول أخرى، ترى في الممرات والمضايق البحرية غنيمة، مما يجعل العالم يتعايش ويتكيف مع حالة اللاسلم واللاحرب. والسؤال هنا: لماذا وصلنا إلى هنا؟”
ويختتم الكاتب برصد خطورة الأفكار الأيديولوجية والتوسعية التي تغذي الصراعات، داعياً إلى ضرورة ابتكار نظام عالمي جديد يواكب تحديات القرن الحالي:
” والوقائع الحالية تثبت أن الأفكار، غير الواقعية، أفضت إلى الحالة العالمية الراهنة، فالمطامح الإمبراطورية، والطموحات المرتبطة بما يسمى تصدير الثورات، واستدعاء أنماط إمبراطوريات سالفة أو خلافة غائبة، أو إسرائيل الكبرى، كلها أفكار تحوم في الفراغ، لكنها تدفع الواقع إلى مزيد من الصدام.
وهكذا وصلنا إلى حالة أشبه بحالة العيش في المناطق الرمادية، فلا نحن أمام حرب شاملة تحسم الصراع، ولا نحن أمام سلام حقيقي قادر على إنتاج الاستقرار.
وبين الحالتين يقف العالم معلقاً بين نظام دولي يتآكل، وقواعد تفقد قدرتها على الإلزام، وقوى جديدة تبحث عن مكانها، وأفكار قديمة تصر على استعادة عالم لم يعد موجوداً، وخرائط تبحث عن مخرج طوارئ.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل نملك شجاعة ابتكار نظام جديد أم سنظل نبحث عن حلول القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن الماضي؟”
إعادة تشكيل الهيكل الأمني لشرق المتوسط والأبعاد الاستراتيجية للصراع في سوريا: الاستراتيجية الإسرائيلية وسيناريوهات ملء الفراغ
ننتقل إلى صحيفة “القدس العربي” حيث يحلل الكاتب إبراهيم نوار في مقاله تحت عنوان “الصراع على سوريا يعيد تشكيل أمن شرق المتوسط”، رسائل استهداف قاعدة أبو الظهور الجوية ومبادئ الاستراتيجية الإسرائيلية في سوريا، مسجلاً ما نصّه:
“ربما أرادت إسرائيل بتدمير مطار أبو الظهور في شمال غرب سوريا، توجيه رسالة قوية إلى تركيا، ترسم خطا أحمر لدورها في الشرق الأوسط، لا تريد إسرائيل لها أن تتخطاه. ويلاحظ أن إسرائيل تستخدم الولايات المتحدة واليونان في توصيل رسائل أخرى للغرض نفسه، تتعلق بحدود تطوير القوة الجوية والبحرية التركية والسيادة على بحر إيجه والتنقيب عن النفط والغاز في شمال شرق البحر المتوسط.
وتؤكد الاستراتيجية الإسرائيلية في التطبيق العملي تجاه سوريا مركزية أربعة مبادئ أساسية، الأول هو إقامة منطقة أمنية داخل سوريا تمتد من هضبة الجولان إلى ريف دمشق مرورا بمحافظة السويداء. أدوات إقامة هذه المنطقة الأمنية تتضمن ثلاثة مستويات، الأول هو احتلال الجولان، بما في ذلك المثلث الحدودي بين إسرائيل والأردن وسوريا، والمستوى الثاني هو إقامة تحالفات مع قوى تعمل معها بالوكالة (مثل القوات الكردية وشخصيات وقبائل درزية) مع الاتجاه إلى تسليحها، والمستوى الثالث هو بناء نفوذ داخلي قوي في المناطق الريفية والقرى الممتدة حتى ريف دمشق.
المبدأ الثاني هو عدم السماح بتطوير بنية أساسية عسكرية، أو قدرات قتالية سورية بالقدر الذي يعزز قوة الدولة ويمنحها القدرة على أداء مهامها السيادية، في ما يتعلق بالمحافظة على وحدة أراضيها، أو الدفاع عن حدودها. إسرائيل تريد أن تكون سوريا دولة فاشلة تكرر النموذج اللبناني، على أن تلعب قوات سورية الديمقراطية الكردية دورا معادلا لدور حزب الله في لبنان، في ما يتعلق بالسلطة المركزية. وقد دمرت الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة منذ سقوط نظام الأسد، أركان البنية الأساسية العسكرية التي تبقت في سوريا بعد انتهاء الحرب الأهلية.
المبدأ الثالث هو عدم السماح لأي قوة إقليمية محورية (إيران أو السعودية أو تركيا) بالتحرك لملء الفراغ الأمني في سوريا، الذي نشأ بعد إنهاء النفوذ الإيراني وتضاؤل النفوذ الروسي وانحسار الوجود الأمريكي (مع الانسحاب من العراق).”
ثم يفصل الكاتب أبعاد الأنساق الدفاعية الإقليمية الخمسة وتفاعل الدبلوماسية السورية والترتيبات الأمنية المقترحة لفض الاشتباك:
“إسرائيل تريد أن تقول لتركيا والدول العربية وإيران، إن الصراع على سوريا يبدأ الآن، وأن أي وجود أجنبي في سوريا سوف تتعامل معه على أنه وجود معاد لها
المبدأ الرابع هو تشجيع الاتجاهات الانفصالية والدعوة إلى تقسيم سوريا. ويتضمن ذلك تعزيز العلاقات مع القوات الكردية وجماعات من أنصار النظام البعثي القديم، على التوازي مع تقوية التحالف مع الدروز.
وقد سجلت التفاعلات الدبلوماسية خلال الـ 72 ساعة اللاحقة لتدمير القاعدة الجوية السورية، مدى براعة الدبلوماسية السورية التي سعت إلى قطع الطريق على التصعيد وبناء جسر للتهدئة؛ انطلاقا من أن التصعيد ليس في مصلحة سوريا وإنما دعوة لزيادة الضغوط العسكرية الإسرائيلية. وكان اللقاء بين أسعد الشيباني وزير الخارجية السوري ورومان غوفمان رئيس المخابرات الإسرائيلية (الموساد) في الأردن يوم الأحد الماضي، علامة بارزة على الاتجاه إلى التهدئة. وقد ترافق هذا اللقاء بحملة إعلامية قوية شملت لقاء الشيباني مع وكالة رويترز، الذي حدد فيه أهداف السياسة السورية تجاه إسرائيل: وقف الاعتداءات وإعادة التفاوض بشأن اتفاقية أمنية تشمل الانسحاب الإسرائيلي من الجولان والتسليم بإقامة مناطق أمنية داخل الأراضي السورية، تشرف عليها قوات دولية. دبلوماسية دمشق تمثل خطوة تجاوزت واقعة الاعتداء على أبو الظهور، إلى وضع نظام يضمن عدم تكرار مثلها. ومن الواضح أن أنقرة وواشنطن لا تقفان بعيدا عن أهداف الدبلوماسية السورية، حيث اقترح المبعوث الأمريكي إقامة نظام جديد للإنذار المبكر – فض الاشتباك (deconfliction) يضم تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة، لتجنب وقوع صدامات مسلحة بين إسرائيل وتركيا في الأراضي أو الأجواء أو المياه الإقليمية السورية. هذه التفاعلات الدبلوماسية تقطع الطريق على التصعيد، الذي يتطلع إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي في فترة التعبئة السياسية التي تسبق الانتخابات العامة المقررة في أواخر أكتوبر المقبل، على التوازي مع إجراءات التصعيد الحالية في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان.”
ويختتم الكاتب باستعراض انعكاسات الانسحاب الأمريكي وتنافس القوى الإقليمية على ملء الفراغ الأمني:
“أعود إلى العلاقة بين الضربة الجوية الإسرائيلية لقاعدة أبو الظهور، وإعادة تشكيل هيكل الدفاع والأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، بعد اكتمال انسحاب القوات الأمريكية من العراق في نهاية الشهر القادم. هذا الانسحاب، في حال إتمامه، يؤكد استمرار استراتيجية الانسحاب العسكري الأمريكي من الشرق الأوسط (من دون التأثير على الالتزامات الدفاعية الثنائية). ويثير الانسحاب إشكالية الفراغ الدفاعي داخل المنطقة وحدوث سباق على ملئه بواسطة قوى من داخل الإقليم أو من خارجه. والحقيقة أننا لا نجد مؤشرات على تدخل لملء الفراغ من دول خارج الإقليم بمعناه الأوسع. لا الصين ولا روسيا تسعيان إلى التدخل، فالصين تجني وهي في مكانها حصادا إيجابيا لقوتها في الشرق الأقصى، وجنوب شرق آسيا (لاحظ أن سحب حاملة الطائرات جورج واشنطن من الشرق الأقصى إلى مسرح العمليات في الشرق الأوسط يترك منطقة العمليات الشرقية من دون حاملات طائرات أمريكية تماما وهو وضع لم يحدث من قبل). وبالنسبة لروسيا فإنها منهكة عمليا في حرب أوكرانيا، وقد اضطرت لسحب قواتها من سوريا في إطار ترتيبات جديدة لتوجيه علاقاتها في طريق التعاون الاقتصادي، خصوصا في مجالات النفط والغاز والتعدين. كما أن أوروبا منهكة من حرب أوكرانيا، وعليها أن تعيد اكتشاف صيغة جديدة لتحقيق أمنها الجماعي من داخل حلف الأطلنطي، أو من خلال ترتيبات أوروبية خالصة، قبل أن تفكر في دور دفاعي استراتيجي في الشرق الأوسط. ولذلك فإن السباق على ملء الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة من المتوقع أن تشتد حدته بين الدول المحورية من داخل الإقليم (تركيا – إيران – إسرائيل – السعودية)، ما يترك تأثيرا عميقا على صورة الهيكل الأمني والدفاعي الإقليمي..”
الأبعاد الاجتماعية والصحية لظاهرة الكلاب الضالة في الأردن: التوازن بين الأمان المدرسي ومفهوم “الصحة الواحدة”
خروجا عن السياسة نرصد مع الكاتبة تهاني روحي تداعيات الانتشار المتزايد للكلاب الضالة في محيط المدارس والأحياء السكنية وأثرها على سلامة الطلبة ، ففي مقالها بصحيفة “الغد” الأردنية تحت عنوان “هل طريق المدرسة اختبار للشجاعة؟”، تحلل أبعاد المشكلة المجتمعية والصحية والحلول المستدامة، فتقول :
“مع بداية العام الدراسي، يعود آلاف الطلبة إلى مدارسهم سيرًا على الأقدام. بعضهم يعبر شوارع داخل الأحياء، وبعضهم يمر بأراضٍ فارغة أو حاويات نفايات مكشوفة. وفي رحلة يفترض أن تكون عادية وآمنة، بات الخوف من تجمعات الكلاب الضالة يرافق عددًا متزايدًا من الأطفال وأسرهم. فهل أصبح الوصول إلى المدرسة اختبارًا يوميًا للشجاعة؟
المسألة لم تعد شكاوى متفرقة أو مشاهد عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، بل تمس حق الطفل في الوصول الآمن إلى مدرسته، ومسؤولية البلديات والمؤسسات المعنية عن توفير هذا الأمان. وما شهدته مناطق في إربد والرمثا من هجمات طالت طلبة ومعلمة، إلى جانب حوادث أخرى لأطفال نُقلوا إلى المستشفيات، يكشف أن الخطر حقيقي ولا يحتمل أن ننتظر حادثة جديدة كي نتحرك.
أمام هذا الواقع، ينقسم النقاش بين من يطالب بإبادة الكلاب حفاظًا على سلامة الناس، ومن يرفض قتلها باعتباره انتهاكًا لحقها في الحياة. لكن وضعنا أمام خيار زائف ما بين حماية الإنسان والرأفة بالحيوان. فسلامة أطفالنا أولوية لا تقبل المساومة، كذلك، المسؤولية الأخلاقية تجاه الحيوان والبيئة لا تتعارض معها، بل تفرض علينا البحث عن حل يحمي الإنسان ولا يحول الخوف إلى قسوة.”
ثم تفصل الكاتبة الأسباب العلمية والبيئية لتجمع الحيوانات في المناطق السكنية وآليات المواجهة العملية والتوعوية:
” من هنا، لا يبدأ الحل من مطاردة الكلاب بعد ظهورها، بل من إزالة الأسباب التي تجذبها: إغلاق الحاويات، وتنظيم جمع النفايات، ومنع تراكم مخلفات المطاعم والمسالخ وأسواق الخضار قرب التجمعات السكنية، وتنظيف الأراضي المحيطة بالمدارس. فما جدوى نقل مجموعة من الكلاب من شارع إلى آخر، إذا بقيت البيئة نفسها تستدعي مجموعات جديدة؟
ومع افتتاح المدارس، نحتاج إلى إجراءات عاجلة، مسح محيط المدارس والمسارات التي يسلكها الطلبة، وإزالة مصادر الطعام والنفايات، وتخصيص فرق سريعة للتعامل مع البلاغات، وإبعاد الكلاب التي تظهر سلوكا عدوانيا أو أعراضا مرضية. كما تحتاج المدارس إلى إرشادات بسيطة تعلّم الأطفال كيف يتصرفون عند مواجهة الكلاب من دون استفزازها أو الهرب بطريقة قد تزيد الخطر.
إن الاستثمار في هذه الحلول هو حماية مباشرة لأطفالنا، وتقليل لكلفة علاج حالات العقر ولقاحات السعار، وتجسيد لمفهوم «الصحة الواحدة» الذي يربط بين سلامة الإنسان وصحة الحيوان ونظافة البيئة.
فالطريق الآمن إلى المدرسة ليس ترفًا، ولا ينبغي أن يتوقف على قدرة كل أسرة على إيصال أبنائها بالسيارة. كما أنه لا يتحقق بحملات انفعالية تؤذي الحيوان من دون أن تعالج جذور المشكلة. والسؤال كيف سيمشي أبناؤنا إلى مدارسهم بلا خوف؟”
الأبعاد الأخلاقية والإنسانية في السيرة النبوية: استدعاء قيم “الصادق الأمين” في عصر الذكاء الاصطناعي والتغيرات الرقمية
ونختتم جولتنا مع الكاتبة د. إلهام سيف الدولة حمدان التي توضح الجوهر الحقيقي للاقتداء والتحول من النمطية إلى الأثر السلوكي، في مقالها بصحيفة الأهرام تحت عنوان “في زمن الذكاء الاصطناعي: دروس من الصادق الأمين” وذلك في ذكرى المولد النبوي الشريف , فكتبت :
” إن الاحتفاء بالمولد النبوي ليس طقسًا موسميًا، بل هو وقفة مراجعة، ومصالحة مع الذات، واستدعاء للنور في زمنٍ كثرت فيه عتمة مخيفة.
لو كان الأمر مجرد تذكّر تاريخ ميلاد، لاكتفينا بسطر في كتاب المدرسة؛ ولكن الله تعالى لم يأمرنا بحفظ التاريخ، بل أمرنا بالاقتداء. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
أتذكر وأنا طفلة كيف كانت جدتي رحمها الله في كل مولد تجلسنا حولها، لا لتحكي لنا عن الحلوى، بل لتحكي لنا كيف كان النبي ﷺ ينظف نعله بيده، وكيف كان يضحك مع الصغار. يومها فهمت أن المولد ليس بطنًا تمتلئ بالحلوى، بل قلبًا يمتلئ بالمحبة.
النبي ﷺ لم يأتِ ليكون رقمًا في التقويم، بل جاء ليكون دستورًا للسلوك. كان يتيمًا فكان أرحم الناس باليتامى، وكان راعيًا للغنم فتعلّم التواضع وقيادة الرجال، وكان تاجرًا فكان أصدق الناس وأمينهم، وكان قائدًا فكان أعدل الناس وأحكمهم.
فأيّ احتفال هذا الذي نرفع فيه الصوت بالمديح، ثم نخفضه في معاملاتنا؟ وأيّ فرح هذا الذي نشتري فيه الحلوى، ثم ننسى أن نطعم الجائع؟ الاحتفال الحقيقي هو أن يولد الخُلق المحمدي فينا من جديد.”
ثم تفصل الكاتبة القيم الرئيسية المطلوبة في الواقع المعاصر وأركان الاحتفاء العملي الصادق:
” نشهد يوميًا أخبار العنف والتنمر والقطيعة. والنبي الذي أرسله الله رحمة للعالمين، كان يقول: “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”. كان يزور المريض، ويواسي الثكلى، ويمسح على رأس اليتيم. العالم اليوم جائع إلى جرعة رحمة، أصبح بيننا من يشمت في المرضى والموتى، ولا منبع للرحمة أنقى من سيرته.
صار الكذب مهارة، والمراوغة شطارة، والتزييف صناعة. وكان النبي ﷺ يُلقب بالصادق الأمين حتى قبل البعثة. كان إذا وعد وفى، وإذا اؤتمن لم يخن. نحن بحاجة إلى أن نعيد للكلمة قيمتها، وللعهد حرمته.
والآن كيف سنحتفي بعيدًا عن المظاهر؟! الخلاف حول مظاهر الاحتفال قديم ومعروف. ولكن دعونا نتجاوز الشكل إلى الجوهر. فالله لا ينظر إلى صورنا، ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا. الاحتفاء الصادق يقوم على ثلاثة أركان:
الأول: القراءة: أن نعود إلى السيرة لا كقصة تُروى، بل كدستور يُدرس. أن نقرأ كيف عامل جاره، وكيف ربى أصحابه، وكيف كان زوجًا وأباً وقائدًا. سنكتشف أننا نعرف عن لاعبي الكرة أكثر مما نعرف عن صاحب الرسالة.
الثاني: التطبيق: أن نختار خُلقًا واحدًا من أخلاقه ونجعله مشروعنا لهذا العام: العفو، الكرم، الإيثار، الصبر. أن يتحول المولد من مناسبة إلى منطلَق.
الثالث: العطاء: كان رسولنا الكريم ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. وفي المولد، بدل أن ننفق على أنفسنا فقط، فلننفق على من يحتاج: إطعام، كسوة، جبر خاطر. فهذا هو المعنى الحقيقي للفرح به.”
وتختتم الكاتبة بالدعوة إلى تجاوز الجدل وتجسيد الأخلاق النبوية في حياة الفرد والمجتمع:
” فلنجعل الاختلاف رحمة، ولنجعل المشترك هو حبنا لهذا النبي العظيم.
ومجمل الطرح أن نُولد نحن من جديد.. فنبينا ﷺ وُلد مرة واحدة في مكة. ولكن كل واحد منا يستطيع أن “يُولد” من جديد في كل مرة يعود فيها إلى سنته. وفي هذا المولد، لا أطلب منك أن تعلق الزينة، لكن أطلب منك أن تعلق قلبك به، لا أطلب منك أن تشتري الحلوى؛ أطلب منك أن تكون حلو المعشر. لا أطلب منك أن ترفع الصوت بالأناشيد؛ أطلب منك أن ترفع منسوب الخُلق في بيتك وعملك.
العالم يتغير، والتحديات تزداد، والقلوب تتصحر. وما أحوجنا في هذا الوقت إلى بوصلة لا تضل، وإلى نور لا ينطفئ. وما أحوجنا إلى محمد ﷺ.
فكل عام ونحن إليه أقرب، وإلى سنته أتبع، وإلى أخلاقه أحوج. هذا هو الاحتفال، وذلك هو المولد.”
تحرير : مروة عبد الحفيظ




