عكاظ .. القتال بالسلاح الخطأ !
فى عالم يموج بالاضطرابات تبحر بنا الصحف العربية الصادرة اليوم فى خضم المواجهة الأمريكية الإيرانية التى لا تزال تراوح مكانها بين التهديدات والتهدئة ثم إلى الحرب الاسرائيلية الساخرة ضد طائرات الأطفال الورقية الفلسطينية لنصل إلى سؤال صعب حول ارتباط الحروب بالديمقراطيات ونختتم بالتحول الهادىء للعقيدة الدفاعية الألمانية ..
القتال بالسلاح الخطأ
الفشل العسكرى الأمريكى الواضح والتحول إلى ما يسمى ” الإنزال الاقتصادى ” كان محور العديد من المقالات ومنها مقال طلال صالح بنان بصحيفة عكاظ السعودية الذى أكد أن هذه الحرب التى ليست بالجديدة تعنى توسع رقعتها وأن الرئيس قد استبدل الحرب العسكرية بخيار أقل كلفة .. ويقول المقال :
” في حقيقة الأمر ليس هناك من جديد في الحرب الاقتصادية، التي أعلن عنها الرئيس ترمب… دعك من توقع إنجازها ما لم تفلح في إنجازه الحرب العسكرية، التي بدأت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي بهجوم واسع مشترك من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، الذي أسفر عن مقتل رموز استراتيجية عليا في النظام الإيراني، على رأسهم المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي. من الناحية الاستراتيجية، أهم ما جاء به هذا الإعلان عن مسار جديد في الحرب، يُفهم منه ضمنياً أن الرئيس ترمب استبدل الأداة العسكرية التقليدية في إدارة وخوض الحرب وتحقيق الهدف منها بأداة أكثر نعومة وأدنى مضاءً، والحرب في أوج تصعيدها العنيف، انتظاراً لحسمها، قبل موعد انتخابات الكونجرس النصفية في الثالث من نوفمبر القادم.”
ويؤكد الكاتب الأهمية البالغة للأداة الاقتصادية التى قد تعتبر سلاحا قويا فى المعارك جنبا إلى جانب مع الحروب التقليدية .. لكن الكاتب يفند ماذا تعنى هذه الحرب الجديدة .. ويقول :
” لكن الإعلان عن غلبة الأداة الاقتصادية في تحقيق أهداف الحرب، والحرب في أوج استعارها، مع اقتراب وضع أوزارها، وتوقع جني عائدها، لا يعني سوى أمر واحد: الإعلان عن عجز الأداة الرئيسية في إدارة الحروب، قبل حسم مصيرها، من قبل الطرف الذي يبدو أنه يتوقع النصر فيها. وهذا، ليس له سوى معنى واحد: أن الحرب لم تستنفد وقودها بعد، ولم يعد بالإمكان التحكم في حركتها العنيفة، ليس ضعفاً في الإمكانات القتالية، ولا وهناً في قوة الخصم، بل ببساطة: إعادة تقييم مسار الحرب وضغط زيادة تكلفة الاستمرار في مسارها العنيف، عمّا هو متوقع من عائدها. “
الإعلان عن مسار جديد أقل تكلفة من استمرار حركة العنف المتولدة عن الحرب يؤكد الكاتب أنه يتناقض مع قرار توسعة رقعة الحرب لتشمل روسيا والصين اللتين طالما ساعدتا إيران فى مواجهة العقوبات الاقتصادية .. ويختتم مقاله :
” ثم إن قرار توسيع رقعة الحرب بزيادة أعداد أطرافها لا يشكّل قيمة ردع مضافة، لا للخصم الرئيس في الحرب، ولا لمن أضيفوا، إلى سعيرها المتقد. ترى هل يردع تهديد من يرى الرئيس ترمب مِمّن هو محتمل مساعدة طهران في تخطي خطوط الحرب الاقتصادية الحمراء الجديدة، وهو يقصد بالذات الصين وروسيا. فهاتان الدولتان منذ بداية الحرب وقفتا إلى جانب طهران؛ لأن مصالحهما الاستراتيجية والقومية كانت مع الوقوف مع طهران في التحايل على الآثار السلبية للحرب على إيران، بالذات الجانب الاقتصادي منها، الذي هو الإضافة الجديدة لجهود واشنطن في إدارة الحرب وخوضها. “
إسرائيل تعلن الحرب.. على الطائرات الورقية!!
وفى عموده ” فى الصميم ” بصحيفة الاخبار يتابع الكاتب جلال عارف الاستنفار الإسرائيلى فى مواجهة الطائرات الورقية الفلسطينية وحب الحياة الذى يواجه بالبارود .. ويقول المقال :
” اجتماع طارئ ترأسه بنيامين نتنياهو وحضره وزير دفاعه وكبار قيادات المؤسسة العسكرية وأجهزة المخابرات لبحث الخطر الداهم على إسرائيل وكيفية مواجهته.
وذلك بعد أن تم رصد عدد من الأطفال الفلسطينيين يطلقون الطائرات الورقية والبالونات فى سماء غزة!!.. وعقب الاجتماع أصدر نتنياهو ووزير الدفاع بيانًا عاجلًا يهددان فيه بتكثيف عمليات استهداف القيادات فى غزة وإخلاء أى مناطق فى القطاع تنطلق منها الطائرات الورقية والبالونات (التى أضاف إليها المسيّرات منعًا للضحك!!) وذلك إذا لم تتوقف هذه العمليات على الفور.. وبعد ساعات كان هناك بيان آخر يعطى مهلة لثلاثة أيام قبل الانتقام من مطلقى البالونات والطائرات الورقية ، وكانت كل التقارير الرسمية تؤكد أن بالونات الأطفال وطائراتهم الورقية لا تمثل أى خطر ولا تحمل أى مواد متفجرة أو قابلة للاشتعال ” .
والحقيقة أنه لا يوجد أى سبب لهذا الاستنفار العسكرى إلا أن نتنياهو يحتاجه وهو يخوض معركة إشعال الحرائق على كل الجبهات بحثًا عن طريق للنجاة من السقوط الأخير!! ويقول الكاتب :
” مشكلة نتنياهو تزداد تعقيدًا. المعارضة تتهمه بالفشل فى تحقيق أى هدف حقيقى من حروبه المتواصلة، وحلفاؤه يدركون أنه لم يعد أمامهم سوى شهرين فى الحكم قبل السقوط فى نهاية أكتوبر، واستطلاعات الرأى تقول إن موقفه الانتخابى يزداد تأزمًا، ورغم امتداد العربدة الإسرائيلية إلى العديد من الجبهات.. فهو يدرك أن غزة والضفة هما الساحة الأساسية التى ستحدد مستقبله، وأن تفجير الموقف فيهما قد يكون سبيله للنجاة أو حتى لتأجيل الانتخابات!! “
الاستهداف الإسرائيلى لمحبى الحياة لمجرد تسليتهم بالطائرات الورقية ليس بالجديد وإسرائيل لم ولن تتوقف عن قتل الحياة وقتل الفلسطينيين كما يقول الكاتب :
” نتيجة زيارة مبعوث ترامب «كوشنر» واستجابته لمطالب نتنياهو بشأن خطة ترامب لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة، وهى الخطة التى لم يقبلها نتنياهو واكتفى فقط بأن يمنحها فرصة(!!) يفسرها نتنياهو على أنها تتيح له «استكمال المهمة» فى غزة، ووضع خطط الانسحاب على الرف، والاحتفاظ بحرية العمل العسكرى ولو ضد أطفال فلسطينيين يلهون بطائرات ورقية.. ربما «جريمتهم» الوحيدة عند مجرمى الحرب أنهم يحبون الحياة ويتمسكون بالأرض ويحلمون بالحرية فى وطن فلسطينى حر ومستقل. العار الإسرائيلى يزداد بشاعة. الجيش الذى قتل فى غزة حتى الآن أكثر من عشرين ألف طفل فلسطينى يستعد لقتل المزيد. أطفال فلسطين ما زالوا يتحدون الموت والجنون الإسرائيلى. يطلقون طائراتهم الورقية فتعلن إسرائيل حالة الاستنفار!! “
هل الدّيمقراطية تمنع الحروب أم تدفع إليها؟
تساؤل طرحه الكاتب محمد الرميحى فى مقاله بصحيفة النهار اللبنانية الذى استعرض عدة نماذج دولية تشير إلى أن الديمقراطية وحدها لا تمنع الحروب وأن السياسة عندما تدخلها صناديق الاقتراع أو شهوة البقاء في الحكم، تصبح أكثر تعقيداً .. ويبدأ المقال بالنموذج الاسرائيلى .. ويقول :
” لنأخذ إسرائيل؛ هي مقبلة على انتخابات يصفها كثير من المتابعين بأنها مفصلية. وفي أي نظام انتخابي، يسعى المتنافس إلى التقاط مزاج الأغلبية، وتلبية حاجاتها، وأحياناً مخاوفها أيضاً. المشكلة تبدأ عندما يكون الخوف هو السلعة السياسية الأكثر رواجاً. جزء كبير من المجتمع الإسرائيلي يعيش هاجس الأمن والخوف من الجوار. هنا يصبح السياسي الأكثر تشدداً قادراً على تقديم نفسه باعتباره الأكثر قدرة على الحماية. بنيامين نتنياهو يعرف هذه المعادلة جيداً، ولذلك يستخدم لغة قاطعة من نوع: لا “حماسستان” ولا “فتحستان” ما دمت رئيساً للوزراء. العبارة ليست موقفاً أمنياً وحسب، إنها أيضاً رسالة انتخابية إلى جمهور يريد أن يسمع أن الخطر محاصر، وأن الرجل القوي موجود. والمزايدة لا تبقى في الداخل، فقد وصف بريطانيا بأنها “المملكة المتحدة الإسلامية” فقط لأنها اعترضت سياسياً على حكومته! الديموقراطية هنا لا تصنع الحرب بالضرورة، لكنها قد تجعل الخوف وقوداً انتخابياً. “
أما فى الولايات المتحدة وهى من أقدم الديمقراطيات فى العالم فيتكرر نفس النموذج واللعب على وتر الخوف .. :
” نذهب إلى الولايات المتحدة، أقدم الديموقراطيات الحديثة وأكثرها تأثيراً. هناك أيضاً نرى استثماراً سياسياً واسعاً في الخوف: الخوف من المهاجر، ومن الآخر المختلف، ومن فقدان الوظيفة، ومن أن يحصل القادم الجديد على نصيب يعتقد المواطن أنه أولى به. دونالد ترامب لم يخترع تلك المخاوف، لكنه عرف كيف يجمعها ويحولها إلى قوة انتخابية. وهكذا تستطيع الديموقراطية، إذا ضعفت الثقافة السياسية العقلانية، أن تكافئ من يرفع مستوى القلق بدلاً من الذي يخفضه.”
لكن هل الديكتاتورية هى البديل ؟ تساؤل طرحه الكاتب الذى يؤكد أن هذه ليست بالضرورة .. ويستشهد بما حدث فى روسيا وإيران فروسيا تورطت فى أتون حرب مستعرة في أوكرانيا لا تستطيع الفكاك منها منذ أربع سنوات .. لكن البديل قد يكون الصين حيث يقول الكاتب :
” يبقى نموذج ثالث يستحق التأمل، وهو ما يسمى في بعض الأدبيات حكم الجدارة أو الكفاءة. الصين تقدم المثال الأوضح. القائد هناك لا يصل عادة من قفزة شعبوية مفاجئة، بل يصعد داخل مؤسسة سياسية عبر سنوات من العمل والاختبار والترقي. لهذا النظام عيوبه المعروفة، وفي مقدمتها ضعف المشاركة السياسية والحريات، لكنه أنتج حتى الآن قيادة أكثر حذراً في الدخول المباشر في الحروب الكبرى، لأنها تحسب الكلفة بمنطق طويل المدى.”
ويختتم الكاتب مقاله بأهمية وجود مؤسسات قوية تستطيع أن تقف فى وجه خيار الحرب ويقول :
” إذاً، ليست الديموقراطية وحدها ضمانة للسلام، وليست الديكتاتورية ضمانة للاستقرار، ولا حكم الكفاءة وصفة سحرية. المسألة الأهم هي وجود مؤسسات تستطيع كبح القرار عندما يتحول الخوف إلى سياسة، والطموح الشخصي إلى مشروع دولة ، وذلك لن يتم إلا من خلال ثقافة مجتمعية ترسخ قيم المساءلة, بعض المجتمعات لم تولد فيها تلك القيم! الحرب تبدأ غالباً عندما يفقد المجتمع قدرته على محاسبة من يدعوه إليها. “
الطموحات العسكرية الهادئة لألمانيا
فى سياق دولى محموم وانتشار الصراعات فى جميع أنحاء العالم تجد ألمانيا نفسها مطالبة بزيادة قدراتها الدفاعية فى مواجهة التهديدات الدولية وهذا ما رصده الكاتب الحسين الزاوى فى مقاله بصحيفة الخليج الإماراتية .. ويقول الكاتب :
” تحرص ، لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، على أن يكون هناك تنسيق دقيق بين سياستها برلين الخارجية واستراتيجيتها الدفاعية، بالنظر إلى التحولات القارية والدولية التي تجبرها على الخروج من منطقة الراحة إلى مربع تجد فيه نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والأمنية، وذلك في سياق عام يتميّز بتراجع النظام الدولي الذي ساد خلال العقود الماضية، وبانتشار الأزمات والصراعات في كل أصقاع المعمورة، الأمر الذي يجعلها تعمل على إنجاز تقييم جديد لمواقفها ومواقعها لتكون أكثر قدرة على التعايش مع عالم يتغيّر بوتيرة فائقة السرعة. ويرى المراقبون أن برلين بدأت تكشف عن خطط عسكرية جديدة من أجل التصدي للتهديدات الروسية، من خلال الزيادة في أعداد الجنود وتطوير تكنولوجيات عسكرية جديدة وتخصيص ميزانية ضخمة لتحديث قطاع الدفاع لتصبح القوة العسكرية الأولى في أوروبا. “
وترى برلين أن الولايات المتحدة تتراجع عن دعم أوروبا فى مواجهات التهديدات الخارجية ..ويقول المقال :
” وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس قد أشار إلى التحديات الكبرى التي تواجهها بلاده في سياق الخطاب الذي ألقاه في نهاية شهر يناير الماضي، حيث أكد أن هناك ثلاث قوى كبرى تعمل على تضييق الخناق على الكرة الأرضية، وتقوم بنفث رياح عنيفة على مسار الأحداث في العالم، ومن ثم فإن الاتحاد الأوروبي، وفي طليعته ألمانيا، لن يستطيع فرض نفسه إلا إذا استطاع الأوروبيون أن يتعلموا بأنفسهم التحدث بلغة القوة، وأن يصبحوا هم أنفسهم قوة أوروبية “.
ولكن هذا الطموح الألمانى يصطدم بمخاوف أوروبية من تنامى القدرات الدفاعية لبرلين .. ويختتم المقال بالقول :
” هناك في مقابل هذه الطموحات العسكرية الألمانية المعلنة، تحفظات أوروبية عديدة تتعلق بمشاريع تطوير الصناعات العسكرية، إذ يذهب العديد من الفرنسييين إلى أن قيام برلين برصد أكثر من 183 مليار يورو خلال سنة 2030 للصناعات العسكرية سيكون على حساب الصناعات العسكرية الفرنسية لأن تخصيص هذا المبلغ المالي بشكل شبه كامل للشركات الألمانية، سيحرم الشركات الفرنسية من الحصول على عقود أوروبية. ويمكن القول إن ألمانيا تعمل بجدية على حماية أمنها القومي وتحرص بكل هدوء على ألاّ تؤدي استراتيجيتها الدفاعية إلى المبالغة في بعث المخاوف التاريخية لجيرانها الأوروبيين بشأن القوة العسكرية الألمانية، لقناعتها أنها ملزمة بإعادة بناء قوتها العسكرية للحفاظ على سيادتها بعد التحولات التي شهدتها العقيدة العسكرية الأمريكية والتي تجعل من مسألة إعادة بناء القوة العسكرية خياراً وجودياً.”
تحرير : منى الشناوى



