الصباح العراقية : حرب طويلة أم سلام هشّ؟
تتلاقى الرؤى والأطروحات التحليلية لكتاب الرأي في الصحافة العربية حول مشهد إقليمي ودولي يتسم بالتحولات المركبة والصراعات الممتدة؛ بدءاً من معادلات الاستنزاف العسكري وتوازنات القوى في الأزمة الأوكرانية، مروراً بعقيدة الإكراه وحدود المناورة السياسية في الساحة السورية، وصولاً إلى التحولات التاريخية والفكرية في مأساة العنف والاغتيال الإسرائيلي، وختاماً بقراءة نقدية للبنية الإدارية والثقافية في إدارة الوقت والجاهزية لدى المجتمعات والمؤسسات العربية.
الموازين العسكرية والتوازنات الجيوسياسية في الصراع الروسي الأوكراني: بين استنزاف الميدان وشروط التسوية
يحلل الكاتب فلاح الحسن في مقاله بصحيفة “الصباح” العراقية تحت عنوان “حرب طويلة أم سلام هشّ؟”، أبعاد اتساع رقعة استهداف العمق الروسي ومحددات القرار العسكري في موسكو مقابل الشروط المعلنة لوقف إطلاق النار، مسجلاً ما نصّه:
“استهداف العمق الروسي بصواريخ ومسيرات أوكرانية بعيدة المدى بتقنيات وتمويل غربي أربك المشهد الداخلي، وخاصة بعد وصول مسيرات كييف إلى مصافي النفط ومصادر الطاقة في مدن روسيا المختلفة، جعل الكثيرين يطالبون موسكو برد قوي يُعيد لها ولجيشها بريقهما كقوة عسكرية كبرى.
لكن ذلك لم يُغير من شروط روسيا المعلنة لوقف إطلاق النار في الحرب الدائرة : السيطرة الكاملة على الأقاليم الأربعة: لوغانسك، دونيتسك، زبروجيا، خيرسون.
نزع سلاح أوكرانيا الذي يشكل تهديداً وجودياً لموسكو، بحسب الأخيرة، عدم انضمام أوكرانيا لحلف الناتو، عدم امتلاك أوكرانيا سلاحاً نووياً أو أي سلاح آخر من أسلحة الدمار الشامل، رفض أي تواجد عسكري لحلف الناتو على الأراضي الأوكرانية.”
ثم يفصل الكاتب أبعاد الخطط الميدانية الروسية وأوراق المناورة التفاوضية من خلال أراضي إقليم خاركيف ودور الفاعل الكوري الشمالي:
“خيار موسكو في التقدم إلى أمام والسيطرة على أراضٍ جديدة في الأقاليم الثلاث المتبقية (دونيتسك، زبروجيا، خيرسون) وفرض الأمر الواقع وإنجاز ما أعلنت عنه عسكرياً أصبح جلياً واضحاً مع الخطوات الأخيرة التي اتخذتها في قطع الإمدادات والصادرات الأوكرانية عن طريق البحر الأسود، وفي الوقت نفسه الحد من التهديدات التي يتعرض لها الأسطول الروسي والموانئ والمصافي النفطية المرتبطة به، وكذلك لحماية أنبوب الغاز الممتد إلى تركيا.من جانب آخر، فإن ضم أراضٍ جديدة في إقليم خاركيف يمنح موسكو قدرة على التفاوض في حال تم التوصل إلى وقف إطلاق النار قبل إنجاز المخطط الروسي في السيطرة على الأقاليم الأربعة، ليكون خيار تبادل الأراضي مفيداً وفيه مصلحة لموسكو عن طريق التنازل عن هذه الأراضي مقابل الاستحواذ على مناطق أخرى بديلة تحت السيطرة الأوكرانية في المناطق التي أعلنتها روسيا تابعة لها..”
ويستطرد الكاتب في التحذير من مخاطر توسع رقعة الصراع وتداعيات أزمة الطاقة ومحدودية منظومات الدفاع الجوي الغربية في حماية البنى التحتية لكييف:
“توسيع رقعة الحرب وارد جداً بعد التهديدات الروسية بالتعرض للسفن البريطانية رداً على استيلاء مشاة البحرية البريطانية على ناقلة لأسطول الظل الروسي في تموز الماضي، وقد تكون هذه التهديدات مجرد استعراض سياسي للضغط على الدول الأوروبية لتقليل كمية السلاح المورَّد إلى أوكرانيا، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار الدعم العسكري والاقتصادي اللامحدود من الدول الغربية لكييف من جهة، والتعاون العسكري الوثيق بين موسكو وبيونغ يانغ، إضافة إلى الموقف الصيني الذي لن يسمح بهزيمة روسيا في المعركة ولو نظرياً من جهة أخرى.
ومن جهة ثانية، فإن توقف إمدادات الوقود وتدمير أغلب محطات إنتاج الطاقة الكهربائية في أوكرانيا وارتفاع أسعار النفط عالمياً بسبب إغلاق مضيق هرمز وقلة المعروض والحصار المفروض على النفط الروسي مع قرب حلول برد الشتاء القاسي، يجعل سيناريو الحرب الروسية الأوكرانية أشبه بالموت البطيء والاستنزاف القاتل لكلا الطرفين، فموسكو لن تقبل بسلامٍ هشٍ يكون بمثابة استراحة لإعادة تسليح كييف وسد الثغرات وإعادة التموضع، وكييف لا تستطيع التنازل عن أراضيها بسهولة.”
أبعاد السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا وتداعياتها الإقليمية: عقيدة الإكراه وحدود المناورة السياسية
يبرز الكاتب عبد الله عبد السلام في مقاله بصحيفة “المصري اليوم” تحت عنوان “لن ينالك غيرُ ما فرض الحصارُ!”، أبعاد عقيدة الإكراه الإسرائيلية ورسائل الغارات الجوية تجاه البنية التحتية العسكرية، فكتب :
“الشاعر الفلسطينى الراحل محمود درويش له بيت شعر مُعبِّر للغاية عن الوضع الذى يجد الرئيس السورى أحمد الشرع نفسه فيه حاليًا.. يقول: «ستمرُ فى كنفِ التسامح.. لن ينالك غيرُ ما فرض الحصارُ». يشير درويش إلى عبثية تقديم التنازلات لمن يُحاصرك ويحتل أرضك. لغة التسامح وإظهار حسن النوايا لن تُغير العقيدة الإقصائية للطرف الآخر. العدو اتخذ قراره بحصارك وإلغائك وفرض شروطه دون اعتبار لأى تنازل تقدمه. غايته إخضاعك وليس مُصالحتك. غارات إسرائيل أمس الأول على قاعدة «أبوالظهور» الجوية شمال غرب سوريا تجسيدٌ عملى كاملٌ لهذا المعنى.”
ثم يفصل الكاتب أبعاد الرسائل الإسرائيلية الموجهة للقوى الإقليمية والدولية وللداخل الإسرائيلي عبر التصعيد الميداني:
“قد لا تكون غارات أبوالظهور هى الأخطر، لكن رسائلها خطيرة. أولاها أن إسرائيل لن تسمح بإعادة بناء ما دمرته من قواعد ولا حتى إصلاح المرافق، ومهما فعل الشرع وقدم تنازلات، فإنها ستظل تمارس عقيدة «الإكراه» معه؛ بمعنى أنها لن تعطيه الفرصة لكى يقف عسكريًّا على رجليه. الضربات الاستباقية لتدمير أى قدرات وشيكة هى أسلوب التعامل. الغارات رسالة أيضا إلى تركيا، التى ذكرت تقارير أن وفدا عسكريا منها زار القاعدة قبل الضربة بساعات لبحث إعادة تأهيلها. تل أبيب تريد أن تقول بوضوح إنها رسمت خطا أحمر بشأن أى محاولات تركية لتثبيت النفوذ فى سوريا، أو حتى مساعدتها على إعادة بناء البنية التحتية الأمنية والعسكرية.
هناك رسالة ثالثة إلى واشنطن؛ وهى أنها تمتلك حرية الحركة على كامل الأراضى السورية بصرف النظر عن الموقف الأمريكى الداعم للشرع. كما أن نتنياهو- وهذه هى الرسالة الرابعة- يوجه رسالة للداخل الإسرائيلى بأنه لا يخضع لأى ضغوط حتى لو كانت أمريكية. التوقيت هنا مهم” .
ويختتم الكاتب باستعراض خيارات القيادة السورية ومحدودية المناورة وحتمية العودة إلى العمق العربي لدعم الموقف الدبلوماسي:
“هامش المناورة أمام الشرع ضئيل للغاية. جرب سياسات وتوجهات عديدة لكنها لم تُجدِ نفعًا تجاه انتهاكات إسرائيل. علاقته الوطيدة بترامب لم تمنعها من استباحة بلاده. اعتماده على الدعم التركى لم تؤت ثماره. إسرائيل تضعه فى نفس المعسكر مع أردوغان، الذى تعتبر أنه لا يقل عداوة عن زعماء إيران. جرَّبَ الشرع خيارات كثيرة إلا الاحتماء بالعمق العربى. إنه حتى لم يطلب اجتماعا طارئا للجامعة العربية. العرب فى حالة يُرثى لها، لكن تحشيد موقف دبلوماسى عربى يضغط دوليا لتقييد حركة إسرائيل فى سوريا، مطلوب.”
التحولات الفكرية والسياسية في عقيدة الاغتيال والعنف لدى إسرائيل: من العصابات المسلحة إلى شرعنة القانون
يرصد الكاتب سمير عطا الله في مقاله بصحيفة “الشرق الأوسط” تحت عنوان “يوم الاغتيال الأول”، محطات الاغتيال الاستهدافية عبر التاريخ الإسرائيلي بدءاً من اغتيال مبعوث السلام الأممي برنادوت وصولاً إلى رابين، فيقول :
“تمر في 17 سبتمبر (أيلول) المقبل ذكرى 75 عاماً على اغتيال الكونت فولكه برنادوت، أول مبعوث سلام أممي في تاريخ الأمم المتحدة. قام بعملية الاغتيال رجلان من عصابة «شترن» لأنّه «عميل لأعدائنا البريطانيين». وكان برنادوت «أهم رجل إنسانية» آنذاك.
أدار عمليات إنقاذ الآلاف من الأوروبيين، نصفهم من اليهود. الأسبوع الماضي، أعلن «مجلس السلم في غزة» استمرار الحق في استخدام الاغتيالات العسكرية، أي قتل المدنيين. ما بدأ عمل عصابات قبل 75 عاماً، تحوّل إلى سياسة رسمية: الاغتيال لا يطال رجال المقاومة الفلسطينية فقط، بل يشمل قادة إسرائيل التاريخيين، إسحق رابين مثالاً.”
ثم يفصل الكاتب أبعاد مأساة سياسة العنف والاغتيال في عهد نتنياهو وتداعيات شرعنتها في القوانين والحروب المفتوحة:
“اغتيل رابين ومحاولته السلمية، ودخلت إسرائيل مع بنيامين نتنياهو سياسة المجد للعنف والاغتيال. سياسة رسمية معلنة توقّع عليها أميركا عند الضرورة. وفي ظل هذا الشعار المعلن يمضي نتنياهو في شن الحروب وفتح الجبهات وتوكيل وزارة «الأمن القومي» إلى الضاحك أبداً، إيتمار بن غفير.
ليس قليلاً أبداً أن تضع في القانون الدولي نصّاً صريحاً يسمح بالاغتيال. وما الحاجة إلى نص في أي حال، وما الفرق بين قتل مائة ألف مدني في غزة أو اغتيال مئات الأطفال؟! “
ثقافة إدارة الوقت والتخطيط المسبق في المجتمعات العربية: من النمط الفردي إلى كفاءة المؤسسات والدولة
يوضح الكاتب صالح المطيري في مقاله بصحيفة “الراية” القطرية تحت عنوان “أربعائيات.. ثقافة اللحظة الأخيرة!”، مظاهر غياب التخطيط المسبق في السلوك الفردي والمؤسسي ومقارنتها بالتجارب الدولية، فرصد :
“نُعَانِي في الدول العربية من مُشكلةٍ واضحةٍ في إدارة الوقت والاستعداد للمُناسبات والمواسم، وتظهر هذه المشكلةُ في تفاصيل يومية تبدو بسيطة، لكنها تكشف أحيانًا عن طريقة أوسع في التفكير والإدارة. ليلة العيد مثال متكرر؛ نعرف موعده منذ أسابيع، ومع ذلك تمتلئ الأسواق في الساعات الأخيرة بالمتسوّقين، وتبدأ رحلة البحث عن الملابس والهدايا والمستلزمات وكأن العيد ظهر فجأة على التقويم.
الأمر نفسه يتكرّر مع المدارس . يبدأ العام الدراسي بعد موعد معلوم، وتكون الأسر والطلاب والمؤسسات التعليمية أمام فترة زمنية محددة للاستعداد، ومع ذلك يتحوّل شراء المستلزمات المدرسية إلى سباق متأخر. وعندما نقارن ذلك بما يحدث في الغرب وبُلدان شرق آسيا وبُلدان أخرى، تظهر ثقافة مختلفة في التعامل مع المَوسم نفسه. بعد بَدء الإجازة الصيفية بفترة قصيرة، تبدأ المتاجر في عرض مستلزمات «العودة إلى المدارس»، وتنتقل القرطاسية والحقائب والملابس والأدوات المدرسية إلى واجهة المشهد التِجاري قبل أسابيع من عودة الطلاب. “
ثم يفصل الكاتب أبعاد انتقال هذه العقلية إلى مستوى الإدارة العامة وإدارة الأزمات والبنية التحتية، وأهميتها في ظل التحولات الاقتصادية بدول الخليج:
“هذه العقلية تستحق النقاش لأنها تتجاوز العيد والمدرسة إلى مجالات أكثر أهمية. الاستعداد للطوارئ، وإدارة الأزمات، والتعامل مع تغيرات الأسواق، وتجهيز البنية التحتية، وحتى وضع السياسات العامة، كلها تحتاج إلى التفكير قبل وقوع الحاجة.
الدولة التي تتحرك بعد ظهور المشكلة تستهلك موارد أكبر، وتدفع كلفة أعلى، وتترك مساحة أضيق أمام الخِيارات. أما الدولة التي تستشرف احتياجاتها فتمنح نفسها وقتًا للمُراجعة والتجرِبة وتصحيح الأخطاء.
المسألة إذن ثقافة إدارة قبل أن تكون مسألة أسواق. فالاستعداد المبكّر يعكس احترامًا للوقت، ويمنح المؤسسات والأفراد قدرة أكبر على اتخاذ القرار بهدوء. وهذا ما تحتاجه دول الخليج وهي تنتقل من اقتصاد يعتمد كثيرًا على العوائد النفطية إلى اقتصادات أكثر تنوعًا وتعقيدًا، حيث لا تكفي سرعة الاستجابة وحدها. “
ويختتم الكاتب باستعراض أمثلة واقعية على تكرار أنماط الصيانة والتجهيز التأخيرية في القطاعات الخدمية، داعياً إلى تبني منهجية الجاهزية المسبقة:
“ولست أدري أحيانًا: من الذي يتأثر بمن؟ نحن الذين ننتظر حتى اللحظة الأخيرة، أم المدرسة التي تنتظر الطلاب لتكتشف أن برادات الماء لا تعمل وأن التكييف يحتاج إلى صيانة؟ منذ أيام جيلي والمشهد يتكرر: يبدأ العام الدراسي، فتبدأ معه أعمال الصيانة، وكأن الصيف لم يكن طويلًا بما يكفي، وكأن أفضل وقت لاختبار التكييف هو أول صباح دراسي، بحضور مئات الطلاب! المسألة في رأيي ليست تكييفًا ولا برادة ماء، وإنما ثقافة كاملة في عَلاقتنا بالوقت؛ نعرف مواعيد الأشياء مسبقًا، ثم نتصرف وكأنها فاجأتنا. وربما لهذا السبب نحتاج إلى أن نتعلم أبسط درس في الاستعداد: أن نصل إلى الموعد وقد انتهينا من الاستعداد له، لا أن نبدأ الاستعداد عند وصوله.”
تحرير : مروة عبد الحفيظ




