أخبار اليوم : هل غرقت «مذكرة التفاهم» .. فى مياه هرمز؟!
تتقاطع الرؤى التحليلية لكتاب الرأي في الصحافة العربية حول مشهد إقليمي ودولي بالغ الدقة والتعقيد، تتداخل فيه تعثرات المسارات التفاوضية البحرية، مع مظاهر “التصعيد الأفقي” وتعدد جبهات المواجهة، إلى جانب تحولات الاستراتيجيات الدولية .
ويأتي ذلك متزامناً مع ترقب استحقاقات انتخابية حاسمة في خريف 2026 قد تعيد تشكيل توازنات القوى في واشنطن وتل أبيب وبرازيليا، لتلقي بظلالها على خريطة العلاقات الدولية برمتها.
تداعيات انتهاء مهلة وقف إطلاق النار ومستقبل التفاوض حول مضيق هرمز
في قراءة سياسية وتحليلية لمستقبل “مذكرة التفاهم” وأزمة الملاحة في مضيق هرمز عقب انتهاء مهلة الستين يوماً، يحلل الكاتب جلال عارف في مقاله بصحيفة “أخبار اليوم” المصرية تحت عنوان “هل غرقت «مذكرة التفاهم» .. فى مياه هرمز؟!”، تعقيدات المشهد التفاوضي بين واشنطن وطهران ومخاطر استمرار الانسداد السياسي، مسجلاً ما نصّه:
“مع انتهاء مهلة الستين يومًا من وقف إطلاق النار بين إيران وأمريكا بموجب «مذكرة التفاهم».. يبدو الموقف شديد التعقيد وإن كان يمكن تلخيصه فى أن الطرفين لا يجدان القدرة أو الرغبة فى استئناف القتال، ولا يجدان أيضًا الطريق إلى التفاوض الجاد لإنهاء الأزمة(!!) والنتيجة أن الطرفين محتجزان فى مضيق هرمز المغلق أو المحاصر، والعالم كله يدفع ثمن هذه الحرب العبثية وينتظر حلًا يبدو فى المتناول إذا احتكم الجميع للعقل بعيدًا عن الحسابات الخاطئة!!
الرهان الأخير كان مرتبطا بالمفاوضات بين إيران وعمان (بمشاركة أمريكية غير مباشرة) حول اتفاق جديد لتنظيم الملاحة فى مضيق هرمز بصورة مؤقتة.. الاتفاق تم بالفعل على «الجوانب الفنية» لكن إقراره كان مرتبطًا بنجاح المفاوضات الأخرى حول رفع الحصار وتجميد بعض العقوبات على إيران والإفراج عن بعض أرصدتها المجمدة.. وهو ما لم يحدث حتى الآن.. لتنتهى مهلة الستين يومًا من وقف إطلاق النار دون التوصل لاتفاق وليصبح السؤال هو: ما مصير «مذكرة التفاهم» وهل تم قطع الطريق على التفاوض وأصبح التصعيد العسكرى اختيارًا مطروحًا مرة أخرى؟!”
كما يبرز الكاتب تباين المواقف بين الطرفين والانعكاسات الاقتصادية والسياسية المترتبة على بقاء الأزمة دون حل تفاوضي:
“إيران التى تعتبر «مذكرة التفاهم» أحد مكاسبها السياسية قالت إن الستين يومًا كانت مهلة للتفاوض وليست العمر المحدد لمذكرة التفاهم، وأن التفاوض انقطع لأسباب تتحمل واشنطن مسئوليتها.. بينما واشنطن تركز حديثها على تشديد الضغوط الاقتصادية والحصار الكامل لإيران، وأصبح واضحًا أنها تريد التفاوض بناء على تفسير جديد لبعض بنود «مذكرة التفاهم» أو حتى تعديل لها، وهو ما ترفضه طهران وكان سببًا فى عدم استكمال الاتفاق الإيرانى – العمانى وبقاء مضيق هرمز فى أزمته الحالية!! الإبقاء على حالة وقف إطلاق النار أمر ضرورى لتفادى التصعيد، لكن إبقاء الوضع دون تقدم حقيقى نحو الحل التفاوضى هو الخطر الأكبر. الضغوط الاقتصادية على إيران يزداد تأثيرها، وسعر البنزين فى أمريكا أولوية كبرى للإدارة الأمريكية الآن وفقًا لنائب الرئيس «دى فانس». والتعاقدات الأوروبية على احتياجات الشتاء من البترول والغاز تبدأ بينما الأسعار تزداد ارتفاعًا، وتحركات الوسطاء تعنى أن هناك حلولًا مطروحة لكنها تحتاج لدعم دولى أكبر، كما تحتاج إلى إدراك الطرفين أن إبقاء الوضع قابلًا للاشتعال فى أى لحظة لا يمكن أن يكون بحثًا عن حل، بل هو «فى حقيقته» انتظار للانفجار أو دعوة له!!”
“أسس الحل التفاوضى موجودة، والمهم أن يدرك الطرفان أن التفاوض يعنى أن يتقابلا فى منتصف الطريق لإنهاء حرب ما كان لها أن تبدأ أو تستمر لولا الحسابات الخطأ التى دفع الطرفان (ومعهما العالم كله) ثمنها الفادح!!”
مفهوم “التصعيد الأفقي” وتعدد جبهات المواجهة في المنطقة
في تحليل استراتيجي شامل يتبع مظاهر توسع أزمات المنطقة وانتقال التوتر إلى ساحات ومسارات متعددة، يحلل الكاتب د. خالد راشد الزيودي في مقاله بصحيفة “الخليج” الاماراتية تحت عنوان “المنطقة تدخل زمن الجبهات المفتوحة”، أبعاد مفهوم “التصعيد الأفقي” وتداعياته الأمنية والاقتصادية على الاستقرار الإقليمي والملاحة البحرية، فكتب يقول:
“لا تبدو أزمات المنطقة اليوم وكأنها تتحرك في مسار واحد. فالتوتر في مضيق هرمز، والهجمات الإيرانية المتكررة على سفن مرتبطة بشركة «أدنوك»، وتعطيل النشاط في ميناء المخا قرب باب المندب، والخلاف الإيراني – القطري حول مصير طيارين إيرانيين، والتحركات العسكرية الأمريكية، وهشاشة الجبهة اللبنانية، كلها ترسم مشهداً يتسع جغرافياً ووظيفياً، بدلاً من أن يبقى محصوراً في مواجهة واحدة. وهذه هي الصورة التي يصفها الفكر الاستراتيجي بمفهوم «التصعيد الأفقي».
والمقصود بهذا النوع من التصعيد ليس استخدام قوة نارية أكبر على الجبهة ذاتها، وإنما نقل الضغط إلى ساحة جديدة أو فتح مسار مختلف للصراع. لذلك لا تقاس خطورته بحجم كل حادثة منفردة فقط، بل بتزامن الأزمات وتراكمها واتساع المساحة التي تتحرك فوقها المواجهة.”
ثم يفصل الكاتب أبعاد الأزمة وتعدد جبهاتها، متناولاً استهداف الملاحة والموانئ، والتحركات العسكرية، والتوتّرات الجوية واللبنانية:
“مضيق هرمز يقدم المثال الأكثر وضوحاً. فقد أدانت دولة الإمارات العربية المتحدة الهجوم الإيراني العدائي الذي استهدف سفينة مرتبطة بشركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك»، واعتبرت استهداف الملاحة التجارية واستخدام المضيق للإكراه الاقتصادي أو الابتزاز من أعمال القرصنة التي ينفذها الحرس الثوري الإيراني. وفي قراءة سياسية أوسع، فإن تكرار استهداف سفن تجارية مدنية يحمل سمات الإرهاب البحري، إذ يتجاوز حادثاً منفرداً إلى نمط من العنف والإكراه يهدد سلامة الملاحة وأمن الطاقة والتجارة.
لكن هرمز ليس الجبهة الوحيدة. ففي الطرف الآخر من شبه الجزيرة العربية، توقفت الأنشطة التجارية والبحرية في ميناء المخا بعد تعرضه لأكثر من خمسة وعشرين صاروخاً في هجمات حوثية خلال أيام، أسفرت عن سقوط قتلى وخسائر قدرت بنحو ستة عشر مليون دولار. والمخا يقع قرب باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وهنا تظهر إحدى أخطر سمات التصعيد الأفقي: ليس من الضروري إغلاق المضيق نفسه كي يتحقق أثر استراتيجي، فقد يكفي استهداف الموانئ أو منشآت الدعم لرفع المخاطر وكلفة النقل والتأمين وإرباك حركة التجارة.
وفي الوقت ذاته، تتحرك حاملة الطائرات الأمريكية «جورج واشنطن» من المحيط الهادئ باتجاه الشرق الأوسط لتحل محل «أبراهام لينكولن» التي طال انتشارها دعماً للعمليات المرتبطة بالحرب مع إيران. وقد يكون التحرك في أساسه عملية إحلال عسكري، لكنه يكشف أن الأزمة باتت تستهلك موارد عسكرية أمريكية كبيرة وتفرض حضوراً بحرياً ممتداً، بما يعني أن واشنطن تتعامل مع المسرح الإقليمي باعتباره أزمة مفتوحة لا حدثاً عابراً.
ثم انتقل التوتر إلى المجال الجوي الخليجي عبر الخلاف بين قطر وإيران بشأن طيارين إيرانيين. الدوحة نفت احتجاز أي طيارين، وقالت إن طائرات إيرانية انتهكت مجالها الجوي ولم تستجب لمحاولات الاتصال، وإن فرق البحث والإنقاذ عثرت لاحقاً على رفات أحد الطيارين. وفي المقابل تتمسك طهران برواية مغايرة مزعومة بدون دليل. وأياً تكن مآلات الخلاف، فإن انتقال الاحتكاك من البحر إلى المجال الجوي يضيف ساحة جديدة يمكن أن تنتج عنها أزمات دبلوماسية وأمنية يصعب ضبطها.
أما لبنان، فيبقى الجبهة الأكثر قابلية للاشتعال السريع. فقد قُتل أحد عشر شخصاً على الأقل في غارات إسرائيلية على الجنوب، فيما قالت إسرائيل إنها استهدفت بنية لحزب الله وقائداً في قوة الرضوان، وحذر الحزب من الرد. وإذا تطورت هذه الحلقة إلى مواجهة أوسع، فإن المنطقة ستجد نفسها أمام جبهة لبنانية نشطة بالتزامن مع ضغط هرمز والهجمات الحوثية والتوترات الجوية.”
ويختتم الكاتب برصد المخرجات والمسارات المستقبلية وموقف دولة الإمارات العربية المتحدة:
“ولا يعني ذلك أن كل هذه الأحداث تصدر بالضرورة عن غرفة قيادة واحدة. فالتصعيد الأفقي قد ينشأ أيضاً عندما يخلق صراع رئيسي بيئة تسمح للحلفاء والوكلاء والفاعلين المحليين باستثمار اللحظة وفتح نقاط ضغط جديدة. والخطر أن يتحول التزامن إلى سلسلة تفاعلات متبادلة، بحيث يولد كل رد فعلاً آخر في مسرح مختلف.
المستقبل القريب يفتح ثلاثة مسارات: استمرار الاستنزاف تحت سقف الحرب الشاملة، أو انزلاق مفاجئ نتيجة خطأ في الحسابات أو حادث كبير، أو اتجاه الأطراف إلى ترتيبات تهدئة متوازية بعدما تصبح كلفة تعدد الجبهات أعلى من مكاسبها.
وفي وسط هذا المشهد المضطرب، تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة التمسك بمقاربة تجمع حماية السيادة والمصالح الوطنية مع الدبلوماسية وخفض التصعيد والدفاع عن حرية الملاحة والاستقرار الإقليمي، وهي مقاربة تنطلق من أن أمن المنطقة يُصان بمنع اتساع الأزمات لا بتوسيعها.
الخطر الحقيقي في التصعيد الأفقي أنه يجعل خريطة الصراع أكبر من قدرة أي طرف على التحكم الكامل فيها. فكل جبهة جديدة تزيد احتمالات الخطأ وسوء التقدير، وترفع كلفة الحماية والطاقة والتجارة. وقد لا تكون المرحلة المقبلة حرباً إقليمية كبرى بالمعنى التقليدي، بل سلسلة أزمات صغيرة ومتزامنة تنتقل من البحر إلى الجو، ومن الموانئ إلى الحدود، وتبقي المنطقة عند مستوى مرتفع من التوتر، وعندها قد تكفي شرارة واحدة في ساحة جانبية لفتح جبهة لم تكن في حسابات أحد.”
تحولات الإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط بين التعامل الجزئي والصفقة الشاملة
في قراءة تاريخية وسياسية مسهبة لطبيعة التعاطي الدولي والإقليمي مع قضايا الشرق الأوسط والتحولات في مسارات الصراع، يحلل الكاتب رجب أبو سرية في مقاله بصحيفة “الأيام” الفلسطينية تحت عنوان “الشرق الأوسط كصفقة واحدة”، الفارق بين أسلوبي التعامل “القطاعي” و”الجملة” في الإدارات الأمريكية المتتابعة، وانعكاسات ربط الجبهات وإستراتيجية “وحدة الساحات” على إعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي، مسجلاً الآتى :
“منذ انتهاء الحرب الباردة، تم التعامل مع الشرق الأوسط، وفق المنطق التجاري، القائم على قاعدة «القطاعي» وهو أسلوب مختلف عن البيع التجاري «بالجملة»، وهذا الشكل من التعامل جرى في ذلك الوقت، أي بعد انتهاء الحرب الباردة مباشرة في أوروبا الشرقية، حيث تم تغيير أنظمة الحكم فيها بالجملة، أو وفق منطق لعبة «الدومينو» حيث تدحرجت حجارة العلبة تباعاً، ولم تكن سوى بضع سنوات قليلة، وكان كل دول أوروبا الشرقية، في الجيب الغربي، سواء الأميركية أو الأوروبية الغربية، بل حتى أنها صارت في معظمها ضمن إطار الاتحاد الأوروبي رسمياً، ولم يعد أي منها قريباً لروسيا وريثة الاتحاد السوفياتي السابق الذي كانت تدور في فكله تلك الدول.
كان مقدراً أو حتى متوقعاً أن يحدث في الشرق الأوسط ما حدث في شرق أوروبا، أي أن يجري تغيير أنظمة الحكم، خاصة تلك التي كانت تحسب على المعسكر الشرقي، بما يؤهل دول المنطقة للانضواء جميعاً، تحت الراية الغربية، الأميركية بالطبع على وجه الخصوص، لأن الشرق الأوسط لا يتبع أوروبا جغرافياً، المهم أنه بالنظر إلى العام 2003، الذي جرى فيه احتلال الجيش الأميركي لبغداد وإسقاط نظام صدام حسين، أو حتى قبل ذلك، أي بالنظر إلى العام 1990، العام الذي زجت فيه أميركا بجيشها إلى جانب جيوش 30 دولة لإخراج الجيش العراقي من الكويت، فإن ذلك يؤكد ما نذهب إليه، من أن الولايات المتحدة، آثرت العمل مع الشرق الأوسط بطريقة مختلفة عن تلك التي تعاملت بها مع شرق أوروبا، مع أن الشرق الأوسط لم يكن يقل أهمية لها، ولنظامها العالمي الذي أعادت ترتيب أوضاع أوروبا الشرقية لإقامته،عن دول أوروبا الشرقية.”
“بالطبع فإن تغيير أنظمة أوروبا الشرقية أكد انهيار النظام العالمي، حيث كان الاتحاد السوفياتي يشارك الولايات المتحدة زعامة العالم، وقد حطّم ذلك التغيير تلك الكتلة العالمية التي كانت نداً للكتلة الغربية، في ذلك النظام، كما أن ذلك التغيير سرعان ما ساهم في تسريع تفكك الاتحاد السوفياتي نفسه، وإفشال محاولة ميخائيل غورباتشوف عبر الجلاسنوست والبيروسترويكا إنقاذ ذلك الاتحاد من التفكك والنظام الشيوعي من الانهيار، لكن بالنظر إلى أن انتهاء الحرب الباردة وانهيار الأنظمة الشيوعية قد جرى مطلع تسعينيات القرن الماضي، أي في نفس الفترة، بل حتى في نفس العام الذي احتل فيه العراق الكويت، ومن ثم إقدام أميركا على محاربة العراق بشكل مباشر، كان يمكن أن يكون ذلك بمثابة فتح الباب لمواصلة الطريق الأميركي في الشرق الأوسط.
لكن أميركا ورغم أن فتح ملف الشرق الأوسط، لجهة إسقاط الأنظمة غير الموالية، ومنها النظام الإيراني الحالي، الذي رغم أنه لم يكن شيوعياً، لكنه منذ أن نشأ عام 1979، أي خلال الحرب الباردة، ناصب أميركا العداء، ورفع راية المقاومة ضد إسرائيل، بما أسس للإسلام المقاوم، ورغم أن إسرائيل حاولت إقناع أميركا بأن تتابع حربها بعد صدام حسين بتغيير الوجهة نحو إيران، إلا أن أميركا لم تفعل هذا، واحتارت بين أن تنخرط في الحرب ضد «الإرهاب» في أفغانستان، وبين متابعة رعاية عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وقد ظهرت تلك الحيرة واضحة على الحزبين، فبينما أبدى الديمقراطيون اهتماماً خاصاً برعاية أوسلو، تجند الجمهوريون لمحاربة أفغانستان ومن ثم العراق، ويمكن إظهار هذه الصورة بشكل واضح من خلال استرجاع السياسة الأميركية في الشرق الأوسط خلال عهدي بيل كلينتون وباراك أوباما، اللذين اهتما بأوسلو والمصالحة مع العالم الإسلامي، مقابل عهدي جورج بوش الابن ودونالد ترامب، اللذين تجاوزا أوسلو، لصالح شن الحروب على العراق وإيران، وتجاوز أوسلو عبر أبراهام.”
“ربما يكون أحد أسباب اعتماد أميركا أسلوب التعامل «القطاعي» مع ملفات الشرق الأوسط هو أن القصية الفلسطينية هي قضية تلك القضايا، وهي القضية المركزية لدول وشعوب الشرق الأوسط العربية والإسلامية على حد سواء، لذلك فإن أسلوب العمل السياسي «بالجملة» يفرض عليها أن تفرض حلاً لا تقبل به إسرائيل، وبالتالي تعجز عن فرضه أي إدارة أميركية، بالنظر إلى مستوى تأثير اللوبي الصهيوني على البيت الأبيض، وحتى على الكونغرس وكل مؤسسات الحكم في أميركا، رغم أن المقترح العربي السعودي وجد على طاولة الحل السياسي الإقليمي منذ عام 2002، لكن ربما كان توقيت إعلان المبادرة العربية من سوء الحظ؛ لأنه جاء في ظل ولاية جورج بوش الابن الذي أمضى ثماني سنوات يحارب القاعدة وطالبان في أفغانستان، وصدام حسين في العراق، ولم يول لا أوسلو ولا المبادرة العربية أي اهتمام؛ لأن إسرائيل كانت قد أسقطت حكومة اليسار، وتابعت طريقها في التنصل من أوسلو، بل كانت تقوم في ذلك الوقت بعملية قتل ممنهجة لمسار الحل السياسي، بما سمته عملية السور الواقي.
عموماً جرت مياه كثيرة في النهر، كما يقولون، منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، حتى الآن، بل حتى مطلع العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين، حين اجتاح الربيع العربي، الدول التي تعد في معظمها محكومة بأنظمة لم تكن تابعة للغرب خلال الحرب الباردة، وهذا كان عاملاً إضافياً لبدء ظهور أسلوب التعامل بالجملة، ولكن بشكل معكوس، أيضاً بشكل يتجاوز في نفس الوقت حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً، فرغم وجود أوسلو، سارع ترامب عام 2018 إلى إصدار جملة من القرارات المعاكسة للحل السلمي، منها كان اعترافه بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، واعترافه بسيادة إسرائيل الاحتلالية على الجولان، ثم سعيه لفرض خطته التي سميت صفقة العصر في ذلك الوقت، وصولاً إلى إبرام اتفاقية أبراهام، في نهاية ولايته تلك، أي عام 2020.”
ويتابع الكاتب رصد مآلات التوترات الراهنة، واتساع رقعة الصراع وتداعياته على الاصطفافات الإقليمية ومسار النظام الدولي:
“أي أنه حتى في هذه الاتفاقية، لم تكن هناك صفقة جماعية، حتى فيما يخص دول الخليج العربي، حيث شاركت دولتان فقط من أصل دوله الست في تلك الاتفاقية، لذلك ظلت المحاولة محمومة لضم السعودية، إلى أن وقع الحدث الأهم وهو الحرب المندلعة منذ ثلاثة أعوام، وهي منذ البداية ربطت الجبهات على الأقل وفق أحد طرفيها، فيما سمي وحدة الساحات، رغم محاولة الطرف الآخر فك تلك الوحدة الميدانية، حيث فضلت إسرائيل ومعها أميركا محاربة مفردات المقاومة بالتتابع وليس معاً، لتسهيل عملية الإجهاز عليها، لكن ما فرضه محور المقاومة من وحدة ساحات القتال، حاول الرد عليه بنيامين نتنياهو، بجمع حصاد الحرب، من خلال إفصاحه عن «حلمه» اللاهوتي بقيام دولة إسرائيل الكبرى، كدولة متوسعة جغرافياً بضم أرض دولة فلسطين وتهجير سكانها، وضم كل ما تم احتلاله من أرض سورية ولبنان، وكذلك ضم أراضٍ لم تضم بعد وفق منطق المناطق الأمنية، وكدولة مهيمنة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً على الشرق الأوسط كله.”
“ما زال الصراع في أحد أشكاله يدور حول هذا المسار من الحل، والعودة إلى مبتدأ حل الصراع أي منذ مدريد، والذي كان متزامناً مع تدشين أميركا لنظامها العالمي الجديد، إسرائيل تسعى لحلول جزئية، في أحسن أحوالها، فيما المنطقة تفضل حلاً كاملاً، نظراً للتداخل والتأثيرات المتبادلة بين ملفات المنطقة، وآخرها ملف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي كان ينظر لها على أنها الحلقة الأخيرة من ملف الحرب التي قادتها إسرائيل وفق مسار التتابع، فبعد وقف إطلاق النار عام 2024 مع لبنان، وعام 2025 مع غزة، تم تركيز حلقة النار نحو إيران، لكن النتيجة أن نار الحرب لم تقتصر على إيران، بل شملت دول الخليج الست، مع العراق والأردن، إضافة إلى الحريق الذي لم ينطفئ بعد في غزة ولبنان واليمن، بل إن ملف الحرب على إيران نفسه خضع لمنطق «القطاعي» بعد أن اقتصر التفاوض على فتح مضيق هرمز، الذي أوصل نار الحرب إلى أوروبا، بل إلى الداخل الأميركي نفسه.
ولأن الوقت يلعب دوراً محورياً في أحيان كثيرة في شكل الترتيبات السياسية، سواء تلك الناجمة عن الحروب أو تلك الناجمة عن الحلول السياسية، فإن تفويت فرصة الحل الإقليمي عبر حل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وفق مسار أوسلو، بعد أن كان توقيته عام 1993 مناسباً، بالدخول في النظام العالمي الأميركي وفق منطق التعايش والخروج من نفق الحرب الباردة، يضع الآن محمل الشرق الأوسط للتأثر بما يظهر من نزوع لتغيير النظام العالمي الأميركي، لذلك فإن اصطفافات إقليمية بدأت تظهر، لن يكون تحالف مكة الثلاثي بين تركيا وباكستان والسعودية آخرها، بل هو نفسه لن يقتصر على تلك الدول الثلاث فقط، فقد تنضم إليه مصر في أي لحظة، وما تؤكد هذا المنحى هو أن الحرب مع إيران لم تنتهِ بعد، ونتيجتها أياً تكن تفرض بالضرورة ترتيبات متساوقة مع تلك النتيجة.”
الاستحقاقات الانتخابية الكبرى في خريف 2026 وتأثيراتها الجيواستراتيجية
في قراءة تحليلية للمشهد السياسي الدولي المرتقب خلال شهري أكتوبر ونوفمبر 2026، يستعرض الكاتب جمعة بوكليب في مقاله بصحيفة “الشرق الأوسط” تحت عنوان “خريف الصناديق”، تفاصيل ثلاثة انتخابات مفصلية في كل من البرازيل، وإسرائيل، والولايات المتحدة الأمريكية، مسلطاً الضوء على الرهانات السياسية والتوازنات القوى المتوقعة :
“ثلاثةُ انتخاباتٍ مهمة في شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) المقبلين، تُعقد على الترتيب في كلٍّ من البرازيل، وإسرائيل، وأميركا.
ففي الرابع من أكتوبر، تُعقد في البرازيل الجولة الأولى من الانتخابات العامة: رئاسية، وبرلمانية. جميع مقاعد مجلس النواب (513 مقعداً)، وأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ (54 من أصل 81 مقعداً)، فضلاً عن حكام الولايات. وهناك جولة ثانية من المحتمل أن تُعقد يوم 25 أكتوبر في حال فشل أيٍّ من المرشحين للرئاسة في الحصول على الأغلبية في الجولة الأولى. تُشير الترجيحات إلى أن الجولة الثانية ستكون بين الرئيس الحالي للبلاد لويز إيناسيو لولا دا سيلفا عن حزب «العمال»، وفلافيو بولسونارو نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو. استطلاعات الرأي العام تميل لصالح ظالرئيس دا سيلفا بنسبة 48 مقابل 42 في المائة.
وفي 27 أكتوبر، تبدأ انتخابات الكنيست الإسرائيلي لانتخاب 120 عضواً في البرلمان، يعقبها تشكيل الائتلاف الحكومي، واختيار رئيس الوزراء الجديد. تُشير التقارير الإعلامية الغربية إلى منافسة حامية بين حزب «الليكود» بقيادة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وحزبٍ برز مؤخراً «يشار» يتزعمه ضابط سابق في الجيش الإسرائيلي برتبة رئيس أركان من أصول مغربية اسمه غادي آيزنكوت، والذي يتقدم القائمة في استطلاعات الرأي العام. وكما هو معروف، فإن الانتخابات الإسرائيلية القائمة على نظام التمثيل التناسبي لا تمنح فرصة لحزبٍ للحصول على أغلبية تتيح له الحكم منفرداً، بل لا بد من ائتلاف حزبي.
وفي الثالث من نوفمبر، تدخل أميركا الانتخابات التشريعية النصفية لانتخاب كامل مقاعد مجلس النواب الأميركي (435 مقعداً) و35 مقعداً من مقاعد مجلس الشيوخ الـ100، بالإضافة إلى انتخابات حكام الولايات في 39 ولاية، وإقليماً. وتكتسب هذه الانتخابات أهمية كبرى لتحديد موازين القوى في الكونغرس، وشكل السيطرة البرلمانية على التشريعات والسياسات العامة خلال النصف الثاني من الولاية الرئاسية للرئيس الجمهوري دونالد ترمب.”
ويتابع الكاتب تحليل الدلالات الجيواستراتيجية لهذه الاستحقاقات وتأثيرها على مسار السياسة الدولية:
“تعدُّ الانتخابات الثلاثة المرتقبة، في آراء الخبراء والمعلقين، ذات أهمية جيواستراتيجية مفصلية؛ إذ تعكس صراعاتٍ عميقة حول الحكم، والتوازن بين السلطات، ومستقبل التحالفات الدولية.
ففي البرازيل، يُنظر إلى الرئيس الحالي لولا دا سيلفا في حزب «العمال» باعتباره الشخصية الوحيدة القادرة على حشد تحالف واسع ومتنوع لمواجهة اليمين الراديكالي. ورغم أن الرئيس لولا دا سيلفا تجاوز الثمانين من العمر، فإنّه يتمتع بلياقة بدنية جيدة. وهو يرى أن ترشحه تفرضه الضرورة لحماية التجربة الديمقراطية، ومنع عودة اليمين البولسوناري ممثلاً في الابن فلافيو، ويرى كذلك أن إنجازاته الاقتصادية والاجتماعية تمنحه المشروعية لقيادة البلاد في هذه المرحلة الحاسمة.
وفي إسرائيل، كما أشرنا، يتوقع المحللون احتمال خسارة حزب «الليكود»، وسقوط نتنياهو؛ حيث تخوض أحزاب المعارضة والتكتلات المنافسة معركة شرسة ضد ائتلاف «الليكود»، مستفيدة من التوتر حول ملفات التجنيد العسكري للحريديم، والأزمات السياسية والأمنية الممتدة. وتفضي خسارة «الليكود» وخروج نتنياهو من الحكم إلى تغيير خريطة الائتلافات، بفتح الباب أمام حكومة أكثر اعتدالاً، كما تؤدي إلى تجريد نتنياهو من الحصانة السياسية التي كانت تحميه، وتحول دون مقاضاته في قضايا الفساد المرفوعة ضده.
وفي أميركا، ستكون الانتخابات بمثابة استفتاء مباشر على أداء إدارة الرئيس ترمب. وفي حال فوز «الحزب الديمقراطي» بالأغلبية في مجلس النواب أو الشيوخ (أو كليهما)، ستصاب إدارة الرئيس بالشلل، ويفقد القدرة على تمرير القوانين والتشريعات الرئيسة بسهولة، وسيضطر للاعتصام بالقرارات التنفيذية. ويبقى من المهم الإشارة إلى أن الأغلبية في الكونغرس تمنح اللجان البرلمانية صلاحيات عديدة، من أهمها استدعاء المسؤولين، وطلب الوثائق، وتمحيص سياسات الإدارة المالية والخارجية بشكل صارم.
يبدو خريف 2026 موسماً حاسماً في المشهد السياسي الدولي. ثلاثة انتخابات، وإن اختلفت سياقاتها ودوافعها، تتقاطع في أنها قد تُعيد رسم موازين القوى في أميركا اللاتينية، والشرق الأوسط، والولايات المتحدة على حد سواء.
يواجه الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا اختبار الاستمرارية في ظل انقسام برازيلي حاد، ويخوض رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو أهم انتخابات في حياته السياسية، فيما تترقب واشنطن بقلق نتائج الانتخابات، لأنها قد تُعيد تشكيل موازين الكونغرس في منتصف ولاية الرئيس ترمب الثانية.
اللافت للاهتمام أن نتائج هذه الاستحقاقات، مجتمعةً، لن تقتصر تداعياتها على حدود كل بلد، بل ستمتد لتؤثر في مسار السياسة الدولية خلال السنوات المقبلة.”
تثبت التحليلات السياسية المطروحة أن الشرق الأوسط يقف عند مفترق طرق تاريخي؛ حيث تتداخل الخيارات العسكرية والضغوط الاقتصادية المترتبة على أزمات الملاحة والبحر مع سعي الأطراف لإيجاد ترتيبات إقليمية جديدة. وتتجه الأنظار نحو نتائج الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في خريف 2026 لمعرفة ما إذا كانت ستقود إلى معادلات التهدئة والدبلوماسية، أم ستكرس حالة الاستنزاف المفتوح وتغيير موازين القوى الدولية.
تحرير : مروة عبد الحفيظ




