عكاظ السعودية : العالم يشيخ.. هل يشيخ الاقتصاد معه؟
يتناول ملف اليوم قضايا استراتيجية وسياسية وأمنية واقتصادية متنوعة؛ يبدأ بتحليل المقومات القومية والعقدية ومحددات الصمود الإيراني في مواجهة الضغوط الأمريكية الإسرائيلية، مروراً بقراءة تحولات النظام الدولي وتفنيد أوهام التغيير الراديكالي لصالح التحالفات الإقليمية المستجدة، ثم يتعمق في التنبيه لخطورة المتاجرة الإعلامية بالأمن القومي وضرورة حماية الاستقرار الجمعي ، وصولاً إلى قراءة اقتصادية للتحول الديموغرافي العالمي ودور الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في إعادة تعريف إنتاجية العمل وسد الفجوة البشرية.
المقومات القومية والعقدية للصمود الإيراني في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل
في قراءة تحليليّة واستراتيجية لأبعاد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها الإقليمية، يحلل السفير أحمد فاضل يعقوب (مساعد وزير الخارجية السابق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية) في مقاله بصحيفة “المصري اليوم” تحت عنوان “إيران بين الكرامة الوطنية والاستشهاد الانتحاري”، دوافع ومنابع الصمود الإيراني رغم حجم الضربات والحصار، مسجلاً ما نصّه:
“رغم كل ما واجهته إيران في الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، سواء أثناء حرب الأثنى عشر يوما في يونيو 2025، أو الحرب التي شنت عليها في 28 فبراير 2026، ثم الهجمات العسكرية الامريكية المتكررة وأحدثها هجمات الليالي الثلاثة عشر في يوليو الماضي، إلا أن إيران ظلت تتعامل مع هذه الهجمات المدمرة بقدر كبير من الندية لأكبر قوة عسكرية على ظهر البسيطة، ومعها قوة إقليمية عسكرية ضخمة وهي إسرائيل، واستمسكت بمواقفها حتى في المفاوضات التي تمت وأسفرت عن تحقيقها لأغلب مطالبها في مذكرة التفاهم التي وقعت مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية في 17 يونيو 2026.
فمن أين أتت إيران بكل هذه القوة والتحدي، بل التحمل لكل هذه الضربات العسكرية التي أدت لاستشهاد الصف الأول من كبار قادتها السياسيين والعسكريين، وعلى رأسهم المرشد الإيراني نفسه؟.. كما واجهت حصارا بحرياً لا يزال مستمراً حتى كتابة هذه السطور، وما يشكله من ضغوط اقتصادية ضخمة، إضافة إلى العقوبات التي تواجهها منذ قيام ثورتها في عام1979.. كما واجهت إضعافاً شديداً لحلفائها في المنطقة وعلى رأسهم حزب الله في لبنان، والذى تلقى ضربة شديدة من إسرائيل في عملية “البيجر” التي أسفرت عن استشهاد أعداد كبيرة من عناصر الحزب، ثم قادته وعلى رأسهم حسن نصر الله وآخرين، ثم احتلال الجنوب اللبناني حتي نهر الليطاني بما يشكل نحو 8 % من مساحة لبنان، كما تلقى الحوثيون في اليمن ضربات متكررة من الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن قوى مجاورة، ومن القوات الحكومية داخل اليمن، بعد انهيار الهدنة المتفق عليها في 2022.. ومع ذلك كله لا تزال إيران تتفاوض بشكل غير مباشر من موقع المنتصر، ويبدو أنها ستخرج من هذه الحرب وهي المسيطر عسكريا و اقتصاديا على مضيق هرمز، اهم شرايين الغاز والطاقة في العالم، وهو ما يبدو أقرب للتحقق حسب المفاوضات الجارية مع سلطنة عمان، والاتفاق المتوقع بينهما لإدارة المضيق بشكل مشترك مع سيطرة أكبر لإيران.. والأكثر من ذلك انها لاتزال مستمسكة ببعض الشروط التي تطالب الولايات المتحدة بتنفيذها لكي تسمح بفتح المضيق.”
ويرصد الكاتب أدوات القوة والضغط التي امتلكتها طهران إضافة إلى إخفاق الأهداف الاستراتيجية الخصمة:
“لقد استطاعت ايران أن تمتلك عدة ورقات مهمة، على راسها قدراتها العسكرية الذاتية، وإنتاجها المحلي وتصنيعها للمسيرات والصواريخ الباليستية المتطورة، والتفاف الشعب حول قيادته، خاصة عقب اغتيال المرشد على خامنئي، ثم ورقة السيطرة على مضيق هرمز وتأثيره على الاقتصاد العالمى، وبالتالي قدرتها على الرد العسكرى تجاه إسرائيل وضد القواعد والتسهيلات العسكرية في المنطقة، كما أدركت أن الإدارة الأمريكية تواجه ضغوطا داخلية ضد هذه الحرب، سواء من المؤسسات الرسمية كالكونجرس الذى حاول عدة مرات الحد من سلطات ترامب في الاستمرار فيها، أو من الرأي العام الأمريكي الذي تثبت استطلاعات الراي المتكررة معارضتها، بل وحتى من القادة العسكريين الأمريكيين الذين تسرب في الاعلام الدولى والأمريكى ابلاغهم ترامب بأن استمرار الضربات الجوية والصاروخية لن يحقق أي أهداف إضافية وأهمها إعادة فتح المضيق، كما سربوا انه يوجد مشكلة في مخزون الصواريخ الاعتراضية باتريوت و ثاد بعد استنزاف جزء كبير منها خلال هذه الحرب.
كما وَضَح أمام إيران أن الأهداف الإسرائيلية الثلاثة من الحرب التي وضعتها في البداية مع ترامب لم تعد قابلة للتحقق وهى:-
إسقاط النظام.
تدمير برنامجها الصاروخي البالستى، وتعهد إيران بنزعه في أي اتفاق.
قطع علاقة إيران بحلفائها في المنطقة.”
ويختتم بالتحليل الثقافي والعقدي لخطأ الحسابات الأمريكية الإسرائيلية في عملية اغتيال القيادة الروحية:
“وبالإضافة لكل هذه العوامل التي امتلكتها إيران، إضافة لموقعها الاستراتيجي والمساحة الشاسعة ذات التضاريس الجغرافية الصعب السيطرة عليها، فإن أهم عنصر ساهم في تحقيق إنجازاتها- في تقديري – كان هو طابعها القومي الذى امتزجت فيه الحضارة الإنسانية الفارسية القديمة وشعورها بالكرامة الوطنية، مع العقيدة والفكر الشيعي، والذى يستلهم كمركز رئيسي في هذا الفكر وهذه العقيدة، استشهاد الحسين رضى الله عنه، وعدم اكتراثه بقلة عدد من معه في التمسك بما يراه حقا، حتى ولو أدى ذلك للشهادة.. فهذه الأفكار المركزية في الفكر الشيعي هي التي أدت لظهور ما يسمى “بالاستشهاد الانتحاري” والذى كانت بوادرة الأولى في العصر الحديث أثناء الحرب العراقية على إيران (1980-1988) حينما كان الجنود الإيرانيون يسيرون وسط حقول الألغام بأجسادهم، ويفجرون أنفسهم لكى يفتحوا الطريق للدبابات والآليات العسكرية الإيرانية.
ومن هنا فإن إغتيال اسرائيل والولايات المتحدة للقادة الإيرانيين قد أذكى الشعور القومى الشيعي بالاستشهاد والرغبة فيه، ولم يكن على الإطلاق عنصر ردع أو خوف لدى الإيرانيين، بل جعلهم أكثر صلابة وتشدداً في مواقفهم وطلباتهم.
ولذلك فإن ما قامت به إسرائيل والولايات المتحدة من اغتيال للمرشد أيه الله على خامئنى كان خطأ استراتيجيا كبيراً، فمن الواضح أن الرئيس الأمريكي ومن معه من معاونين ومستشارين قد تعاملوا مع هذا الأمر بخفة وسطحية شديدتين، ولم يفهموا الطابع القومى الايرانى ولا الفكر الشيعي ومعتقداته، ولا مدى أهمية المرشد كقيادة روحية دينية للشيعة في كل العالم وليس فقط في ايران قبل أن تكون قيادة سياسية، ولا عجب في ذلك حيث أن ترامب لا يوجد حوله شخصيات ذات وزن ثقافى وفكرى مثل كيسنجر أو برجستسكى الذين درسوا حضارات العالم وتاريخيه، ويفهمون طبائع الشعوب القومية، بل أحاط نفسه بأشخاص يتسمون بالخفة، وقلة الثقافة وضحالة الفكر… لكل ما سبق فإن التحركات والمواقف الإيرانية المتشددة لا يمكن تفسيرها بمعزل عن الطابع القومي الإيراني، وفي القلب منه الكرامة الوطنية، واستلهام الشهادة حتى لو رآها البعض استشهادا انتحاريا.”
تحولات النظام الدولي بين أوهام التغيير الراديكالي وواقع التحالفات الإقليمية المستجدة
في قراءة سياسية وتحليلية لبنية النظام الدولي ومصطلحَي “الممانعة والاعتدال”، يوضح الكاتب أحمد صالح في مقاله بصحيفة “الأيام” البحرينية تحت عنوان “تحوّلات النظام الدولي بين التمني والواقع”، حدود الرهانات السابقة على صدام عالمي يسقط النظام القائم، مسجلاً :
” الدول المستفيدة من النظام الدولي القائم لا تبدو راغبة في تغيير نظام تستفيد منه أصلًا، وبالتالي ستعمل جاهدة على الحفاظ عليه، وعلى ما يمنحه لها من امتيازات ومواقع مؤثرة. وبالتالي لا يبدو أنه من رجاحة العقل والخيارات لدى الصين أو روسيا تغيير نظام تستفيد منه، بالمعنى الذي بشّر به أولئك المحللون. بل كان أقرب إلى أمنية لدى بعض أطراف ما سُمّي بحلف الممانعة، بقيادة إيران والجماعات المرتبطة بها، ومعها جماعة الإخوان المسلمين، أكثر منه حقيقة أو مشروعًا متكاملاً قابلاً للتحقق.
نعم، إن النظام الدولي الحالي ليس في أفضل حالاته، وليس نظامًا مثاليًا بأي حال من الأحوال. فروسيا اليوم منغمسة في حرب ضروس مع أوكرانيا، والولايات المتحدة تخوض بدورها صراعًا مع النظام الإيراني، وتسعى إلى بناء تحالف دولي يخفف عنها التبعات اللوجستية والاقتصادية والسياسية لأي مواجهة أو حرب مقبلة، وما قد يترتب عليها من تداعيات.
وفي الوقت ذاته، تتطلع الولايات المتحدة إلى مرحلة لاحقة تتسم بقدر أكبر من الاستقرار، بما يمكّن الاقتصاد العالمي من استعادة النمو وإحداث طفرات اقتصادية، بعد فترة طويلة من التباطؤ والانكماش النسبي، أو، بتعبير أدق، بعد مرحلة امتد فيها التباطؤ الاقتصادي بفعل حالة عدم الاستقرار التي تجاوزت في تأثيراتها حدود الدورات الاقتصادية الاعتيادية.”
كما يرصد الكاتب آليات التحرك العربي والإقليمي الاستباقية ومسارات التغيير التدريجي والنتاجات الداخلية للقوى الكبرى:
“واليوم، نشاهد في المقابل تحالفات تسعى دول المنطقة إلى بنائها، ومن أبرزها التحالف الذي أُعْلِن عنه بين السعودية وتركيا وباكستان. ويمكن تفسير مثل هذه التحالفات بوصفها تحركات استباقية لما قد ينتج عنه مستقبل النظام الدولي، أو، بدرجة أقل، لما قد تؤول إليه موازين القوى في المنطقة.
فدول المنطقة بقيادة السعودية لا تريد أن تترك مصير المنطقة للصدفة أو للمجهول، ولا أن يصبح مستقبلها رهينة لتفاهمات تُعقد بعيدًا عن مصالحها. ومن هنا، يمكن النظر إلى هذه التحالفات باعتبارها محاولة لإخراج المنطقة من حالة عدم الاستقرار النسبي التي ظلت القوى الكبرى تمارس في ظلها نفوذًا واسعًا عليها، والانتقال بها تدريجيًا نحو قدر أكبر من الاستقلال في القرار، وتقرير المصير، والاستقرار الدائم.”
“ومن هنا، فإن التغيير في النظام الدولي قد لا يأتي بالضرورة على صورة حرب عالمية جديدة، أو سقوط كامل للنظام القائم، كما كان يتصور بعض محللي مرحلة الربيع العربي. بل قد يأتي بصورة أكثر تدريجية وتعقيدًا، من خلال تغير موازين القوى، وتبدل التحالفات، وتراجع أو تحلل بعض المؤسسات الدولية، وظهور تحالفات إقليمية جديدة، إلى جانب التحولات السياسية والاجتماعية داخل القوى الكبرى نفسها.
وبذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل سيسقط النظام الدولي القائم ليحل محله نظام جديد؟ وإنما أصبح: إلى أي مدى تستطيع الدول القائمة أن تتكيف في تموضعها، ومن ستكون له القدرة على التأثير في شكل النظام الدولي المقبل؟”
خطورة المتاجرة الإعلامية بالأمن القومي وضرورة حماية الاستقرار الجمعي
في بيان تحليلي وتوجيهي صادر عن المؤسسة العسكرية العراقية، يسلط العميد صباح النعمان (المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة) الضوء في مقاله بصحيفة “الصباح” العراقية تحت عنوان “دكاكين الفوضى.. حين يتحول الأمن القومي إلى سلعة شاشات”، على ظاهرة التكسّب الإعلامي بالشأن الأمني والتأثيرات السلبية لهذا الطرح العشوائي، فكتب:
“تتضاعف المسؤولية الأخلاقية والوطنية للإعلام في الفترات، التي تخوض فيها الشعوب معارك تثبيت الاستقرار وبناء الدولة، فالكلمة في الفضاء العام لا تقل تأثيرا عن الرصاصة في الميدان، أحيانا تقتل وأحيانا تجرح وأحيانا تثير الفوضى. وفي الوقت الذي تواصل فيه مؤسساتنا العسكرية والأمنية جهودها المضنية لحماية السلم الأهلي، تبرز على السطح ظاهرة خطيرة تتسلل عبر بعض المنصات والشاشات، تتمثل في استسهال الطرح الأمني، وتحويل القضايا المصيرية للبلاد إلى مادة للمزايدة والتكسّب اليومي.
لقد شهدنا في الآونة الأخيرة تناميا لأصوات منحت نفسها ألقابا مجانية استراتيجية عريضة دون رصيد معرفي أو ميداني، لتتولى قراءة المشهد الأمني استنادا إلى الشائعات أو الانطباعات أو ما يدعى زورا بالتنبؤات. إن خطورة هذه الظاهرة تتجاوز حدود الجهل بالتخصص لتصل إلى حد الإرباك العمد للرأي العام، عبر ضخ سيناريوهات التهويل وترويج الرسائل السلبية التي تصنع في كواليس الغايات الضيقة والغرف المظلمة، لتباع على الجمهور مقابل أجور الظهور وحصد المشاهدات.”
كما يشدد الكاتب على الضوابط الأخلاقية والدستورية للحفاظ على هيبة المنظومة الأمنية والمصلحة الوطنية العليا:
“إن التحليل الأمني والعسكري علم قائم على البيانات، ودقة التقييم، والتقدير الصارم للمصلحة الوطنية العليا، وهو أبعد ما يكون عن المراهنات الإعلامية والادعاءات العريضة بامتلاك (المصادر الخاصة).إن الادعاء الكاذب بامتلاك اختراقات أو معلومات حصرية من داخل المؤسسة العسكرية سلوك يرتقي إلى مستوى التخريب الشامل للوعي الجمعي، وإضعاف الثقة الشعبية بالمنظومة الأمنية الرسمية، فضلا عن كونه يمنح الخصوم وفلول الإرهاب ثغرات مجانية لاستغلال الفراغ الإعلامي، فالساحة الإعلامية اليوم أشد ما تكون بحاجة إلى الخطاب المسؤول المتزن الذي يجمع الشمل ويدعم الاستقرار، لا إلى التصعيد المجاني الأقرب إلى الابتذال والمزايدات الهشة. فالتعامل مع أمن البلاد وسمعة تشكيلاتها العسكرية يقتضي التزاما صارما بأخلاقيات الممارسة الصحفية، والاعتماد الحصري على المنافذ الرسمية المعلنة التي تؤمن انسيابية المعلومة الدقيقة بشفافية ومسؤولية، لا الاندفاع وراء استعراضات ملونة خرقاء وهياكل خاوية على شاشات المزاد.”
“رسالتنا اليوم صريحة وقاطعة: إن أمن العراق وسلامة مواطنيه وأعصابهم أمانة في أعناقنا، ولن يسمح للباحثين عن الاكتساب الارتزاقي بعبورها أو المساومة عليها. ستبقى المؤسسة العسكرية سياج الوطن الحصين، وستتولى الأطر القانونية والوعي الجماهيري المتنامي إغلاق دكاكين الفوضى، ليبقى الصوت الوطني الصادق هو الأعلى والانقى والأبقى.”
التحول الديموغرافي العالمي ودور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في إعادة تعريف الإنتاجية
في قراءة اقتصادية وتحليلية للتحولات الديموغرافية المتسارعة وأثر تراجع معدلات المواليد على الاقتصادات العالمية، يحلل علي محمد الحازمي في مقاله بصحيفة “عكاظ” السعودية تحت عنوان “العالم يشيخ.. هل يشيخ الاقتصاد معه؟”، العلاقة بين نقص العمالة البشرية ومكاسب الإنتاجية التكنولوجية، فرصد :
“هناك حقيقة ديموغرافية تتمحور حول فكرة أن العالم يتجه إلى الشيخوخة. معدلات المواليد تتراجع في عدد متزايد من الدول، ومتوسط الأعمار يرتفع، والقوى العاملة بدأت بالفعل في الانكماش في بعض الاقتصادات الكبرى. الحديث عن «القنبلة الديموغرافية» أصبح حاضراً بقوة في النقاش الاقتصادي في كثير من الدول كاليابان، وكوريا الجنوبية، والصين وأجزاء واسعة من أوروبا.
المنطق الذي يقف خلف هذا القلق مفهوم. عدد أقل من المواليد اليوم يعني عدداً أقل من العمال غداً، في المقابل يعني عدداً أكبر من كبار السن والمتقاعدين. في ظل التحوّلات التقنية الكبرى لماذا لا ننظر إلى المسألة من زاوية أخرى؟
ماذا لو كان انخفاض عدد العمال لا يعني بالضرورة انخفاض القدرة على الإنتاج؟ وماذا لو كان نقص العمال نفسه أحد الأسباب التي تدفع الاقتصادات إلى أن تصبح أكثر إنتاجية؟ الاقتصاد في النهاية لا يعتمد فقط على عدد من يعملون، بل على مقدار ما ينتجه كل واحد منهم، وهذا فرق مهم.”
كما يبرز الكاتب الدور المحوري الحافز للندرة في تدشين حقبة جديدة من الأتمتة والذكاء الاصطناعي لتغطية الشواغر البشرية:
“عندما تكون العمالة متوفرة ومنخفضة التكلفة، تستطيع الشركات الاستمرار في توظيف المزيد من الأشخاص لزيادة إنتاجها، لكن عندما يصبح العامل نادراً وأكثر تكلفة، تتغيّر المعادلة. يصبح الاستثمار في الآلات والبرمجيات والأتمتة والروبوتات أكثر جدوى، وتبدأ الشركات في البحث عن طريقة لإنتاج الكمية نفسها، أو أكثر، باستخدام عدد أقل من الأشخاص. بعبارة أخرى، قد يكون نقص العمال نفسه حافزاً لرفع إنتاجيتهم.”
“التاريخ الاقتصادي مليء بأمثلة مشابهة. الآلة لم تنتشر فقط لأنها اختراع جيد، بل لأنها أصبحت في لحظة معينة أكثر جدوى من الاستمرار في الاعتماد على العمل البشري بالطريقة القديمة. كلما ارتفعت تكلفة عنصر من عناصر الإنتاج، زاد الحافز للبحث عن بديل له أو استخدامه بكفاءة أكبر. ما يجعل هذه القضية أكثر أهمية اليوم هو توقيتها. العالم يشيخ في اللحظة نفسها التي يشهد فيها طفرة غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة. خلال السنوات القليلة الماضية، انشغلنا بسؤال واحد: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائف البشر؟ ربما علينا أن نضع إلى جانبه سؤالاً آخر: ماذا لو احتجنا إلى الذكاء الاصطناعي لأننا لن نملك عدداً كافياً من البشر للقيام بكل تلك الوظائف؟”
تحرير : مروة عبد الحفيظ




