الرطوبة.. الشبح الخفي المسئول عن ارتفاع درجات الحرارة في الصيف
تعد قضية التغيرات المناخية والطقس من أكثر الموضوعات التي تشغل بال المواطن المصري يوميًا خاصة خلال فصل الصيف، حيث تشهد البلاد ارتفاعا ملحوظا في الإحساس بحرارة الجو خاصة في شهري يوليو وأغسطس؛ بسبب الشبح الخفي الذي يغير قواعد الطقس صيفا وشتاء دون أن نراه ألا وهو الرطوبة.
والرطوبة هي عبارة عن كميات بخار الماء العالقة في الهواء والتي تنتقل خلال فصل الصيف عبر الكتل الهوائية القادمة عبر المسطحات المائية.
ويعد تبخر العرق الوسيلة الطبيعية الوحيدة لتبريد حرارة الجسم، غير أنه عندما يكون الهواء مشبعا ببخار الماء، يعجز الجسم عن استيعاب المزيد، فيتوقف العرق عن التبخر؛ ونتيجة لذلك تحتبس الحرارة داخل الجسم وتتضاعف الحرارة المحسوسة.
ولا يتوقف تأثير هذا الشبح عند مجرد الشعور بالانزعاج بل يمتد ليمثل تحديًا صحيًا كبيرًا، فارتفاع نسبة بخار الماء في الهواء يقلل نسبيًا من الأكسجين المتاح للتنفس خاصة في الأماكن المغلقة أو سيئة التهوية؛ لذا يواجه أصحاب أمراض الربو والحساسية والقلب صعوبة مضاعفة في التقاط أنفاسهم خلال أيام الرطوبة العالية.
ولكي يتم ترويض هذا الشبح الخفي وتمر شهور الصيف بسلام، قالت الدكتورة إيمان شاكر رئيس مركز الاستشعار عن بعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية “إنه يتعين علينا القيام بعدة خطوات عملية لتفادي الرطوبة أولها التهوية المستمرة، وثانيها تجنب المكوث في أماكن مغلقة بدون مروحة أو تكييف يعمل على سحب الرطوبة”.
وأوضحت شاكر، لوكالة أنباء الشرق الأوسط، التفاصيل العلمية والتحليلات الجوية لظاهرة ارتفاع نسب الرطوبة وتأثيرها المباشر على درجات الحرارة وحركة المرور والصحة العامة.
وقالت “إن الرطوبة هي العامل الأكثر تأثيرا على الطقس في مصر خلال فصل الصيف، وتحديدا خلال شهري يوليو وأغسطس”، مشيرة إلى أن درجات الحرارة المقاسة في أغلب أيام الصيف لا تكون مرتفعة بشكل قياسي إلا أن ارتفاع نسب الرطوبة هو المتسبب الأول في زيادة الشعور بـ”الحرارة المحسوسة”.
وأرجعت هذا الارتفاع إلى تأثر البلاد بـ”منخفض الهند الموسمي” وهو منخفض شديد الحرارة يتشكل فوق شبه القارة الهندية ويمتد غربا ليغطي مصر ومناطق من جنوب أوروبا، قائلة “أثناء مرور الكتل الهوائية المصاحبة لهذا المنخفض فوق مسطح البحر المتوسط، تندفع نحو البلاد رياح شمالية شرقية إلى شمالية غربية محملة بكميات كبيرة من بخار الماء، مما يؤدي إلى زيادة نسب الرطوبة في الجو”.
وتابعت “أن تحديد درجة الحرارة المحسوسة ينطوي على معادلات رياضية تعتمد على 3 عوامل أساسية هي: درجة الحرارة المقاسة (المتوقعة)، ونسبة الرطوبة حيث ترفع من الإحساس بالحرارة كلما زادت معدلاتها، وسرعة الرياح التي تعمل على تشتيت بخار الماء وتخفيف الإحساس بالحرارة كلما ارتفعت سرعتها”.
وأعطت شاكر مثالا توضيحيا قائلة “إذا كانت درجة الحرارة المتوقعة على القاهرة 35 درجة مئوية وكانت نسبة الرطوبة نهارا تتراوح بين 40% و50%، فإن ذلك يجعل الحرارة المحسوسة تتراوح ما بين 38 إلى 39 درجة مئوية، أما في حال نشاط الرياح (بسرعة 15 عقدة أو أكثر)، فإن ذلك يقلل من الإحساس بالحرارة لتتساوى المحسوسة مع المتوقعة أو تقل عنها”.
وأشارت إلى أن نسبة الرطوبة العظمى تسجل دائما خلال فترات الليل والصباح الباكر بالتزامن مع درجات الحرارة الصغرى بينما تسجل الرطوبة الصغرى نهارا بالتزامن مع درجات الحرارة العظمى.
وردًا على سؤال عما إذا كانت التغيرات المناخية قد تسببت في زيادة معدلات الرطوبة مقارنة بالعقود الماضية، أوضحت شاكر أن التغيرات المناخية أسهمت في ارتفاع درجات الحرارة على نصف الكرة الشمالي لكنها لم تؤثر بشكل مباشر على معدلات الرطوبة؛ كون الرطوبة ترتبط بمصدر الكتلة الهوائية (بحرية أم صحراوية)،
واستشهدت بطقس فصل الربيع الذي يسجل أعلى درجات حرارة (تتجاوز 42 درجة أحيانا) بسبب المنخفضات الخماسينية الصحراوية، لكن يسهل تحمله بسبب جفاف الهواء وانخفاض الرطوبة.
وفيما يتعلق بالتوزيع الجغرافي للرطوبة في مصر، قالت رئيس مركز الاستشعار عن بعد “إن المحافظات الساحلية (الإسكندرية، ومطروح، ودمياط، وبورسعيد، وكفر الشيخ والبحيرة) تسجل أعلى معدلات رطوبة، حيث تتراوح ليلا ما بين 90% إلى 95% فيما تتراوح نهارا بين 60% – 65%، أما القاهرة والوجه البحري فتتراوح الرطوبة العظمى ليلا بين 80% – 85%، والصغرى نهارا بين 45% – 50% فيما تنخفض في جنوب الصعيد لتتراوح بين 20% – 30% وذلك لبُعده عن المسطحات المائية).
وحول كيفية قياس معدلات الرطوبة والتنبؤات الجوية، أفادت بأن الهيئة التابعة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية تطبق المعايير الدولية عبر استخدام نوعين من الترمومترات في كل محطة رصد، أولهما: الترمومتر الجاف وهو لقياس حرارة الهواء الفعلي، والثاني: الترمومتر المبلل لقياس “نقطة الندى” المحسوب منها نسبة بخار الماء في الجو.
وفيما يتعلق بالتنبؤ المستقبلي للطقس، أوضحت أن الهيئة تعتمد على النماذج العددية القائمة على معادلات ديناميكية ورياضية توصف حركة الغلاف الجوي لاستخراج خرائط الضغط والرياح والأمطار والتحذيرات الجوية.
وقدمت شاكر عددًا من التوصيات الصحية والمرورية لحماية المواطنين من التأثير السلبي لارتفاع الرطوبة، قائلة “يجب على المواطنين تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس من الساعة 12 ظهرا حتى 5 مساء لتفادي الإجهاد الحراري وضربات الشمس، وتجنب التواجد في الأماكن المغلقة أو سيئة التهوية خاصة لمرضى الجهاز التنفسي والقلب والضغط والحساسية”.
وأوضحت أن تزامن الرطوبة العالية مع مرتفع جوي في طبقات الجو العليا يؤدي إلى احتباس بخار الماء قرب سطح الأرض وتكون شبورة مائية كثيفة صباحا ؛ مما يقلل الرؤية الأفقية لأقل من 1000 متر.
وأكدت وجود تنسيق كامل مع الإدارة العامة للمرور لإغلاق الطرق الزراعية والصحراوية عند انخفاض الرؤية للمعدلات غير الآمنة، قائلة “يتعين على قائدي المركبات التوقف التام على جانب الطريق لحين تحسن الرؤية، وتشغيل كشافات الشبورة وتقليل السرعة ومضاعفة مسافات الأمان بين السيارات”، مؤكدة أن هناك تنسيقا مستمرا بين هيئة الأرصاد ومختلف وزارات الدولة (مثل الصحة، الداخلية، الكهرباء، والزراعة).
وحول سبب عدم استخدام مؤشر الإجهاد الحراري في النشرات الموجهة للجمهور، أوضحت شاكر أن الهيئة تُفضل مصطلح “درجة الحرارة المحسوسة” لكونه مفهوما ومباشرا للمواطن بينما يُدرج مؤشر الإجهاد الحراري المعقد في التقارير الرسمية الفنية المرفوعة للجهات المعنية بالدولة فقط.
المصدر : أ ش أ
