على خطى الأمثال.. حكم على نهج الأجداد”.. إصدار جديد للشاعرة اعتماد عبده
يصدر قريبا للشاعرة والأديبة اعتماد عبده كتابها الجديد “على خطى الأمثال.. حكم على نهج الأجداد”، عن دار الحكيم للنشر والتوزيع، والذي يضم مجموعة من الحكم المستلهمة من روح التراث الشعبي وذاكرة الجنوب المصري، في محاولة لتقديم الحكمة الشعبية برؤية أدبية معاصرة.
يأتي الكتاب امتدادا للمشروع الأدبي للكاتبة في استلهام الموروث الشعبي، بعد مجموعتها القصصية “مقشّة مرعي”، التي استوحت عددا من شخصياتها وأجوائها من البيئة الجنوبية المصرية، ليواصل هذا الإصدار رحلته مع المكان والإنسان، وما يحمله التراث من قيم وخبرات متوارثة.
يضم الكتاب عشرات الحكم الجديدة، تتخللها حكايات ومواقف إنسانية مستوحاة من واقع الحياة، لتكشف كيف يمكن للكلمة الموجزة أن تختصر تجربة كاملة أو درسا عميقا.
وتأمل الكاتبة أن يجد هذا الإصدار طريقه إلى وجدان القارئ، وأن يسهم في إثراء أدب الحكمة، وربما تصبح بعض حِكمه، مع مرور السنوات، منهلا جديدا لمحبي الأمثال والحكم الشعبية، باعتبارها امتدادا لروحها، لا تكرارا لها.
والتقت وكالة أنباء الشرق الآوسط بالشاعرة اعتماد عبده والتي قالت “أعتقد أنني كنت محظوظة إلى حد بعيد، وربما أكثر حظا من كثيرين، فعلى الرغم من أنني ولدت ونشأت في القاهرة، فإن جذوري تمتد عميقا إلى صعيد مصر، وتحديدا إلى محافظة قنا، نجع القرينات بمركز نقادة، وقد منحني هذا الانتماء المزدوج فرصة نادرة لأن أعيش بين عالمين؛ عالم المدينة الحديثة، وعالم التراث الحي الذي ما زال يتنفس في ربوع الجنوب، وفي كل زيارة كنت أقوم بها إلى هناك، لم أكن أرى الصعيد مجرد مكان أذهب إليه، بل كنت أراه كتابا مفتوحا، صفحاته من البشر والحكايات، وسطوره من العادات والتقاليد التي قاومت الزمن وما زالت نابضة بالحياة”.
وأضافت “هناك، رأيت التراث متجسدا أمامي بكل تفاصيله؛ رأيت صناعة الحبال من جريد النخيل، وصناعة الفخار من الطين، وشهدت إعداد العيش الشمسي الذي اشتهر به جنوب الصعيد، ليس باعتباره طعاما فحسب، بل باعتباره جزءا من هوية الناس وذاكرتهم الجماعية.
وتابعت، لكن أكثر ما كان يجذبني دائما هو الجلوس إلى كبار السن، كنت أجد متعة خاصة في مصاحبة من تجاوزوا الثمانين والتسعين من العمر، كنت أقترب منهم بشغف التلميذ أمام معلمه، أسألهم عن الأغنيات التي كانت تغنى في الأفراح، وعن المهور التي قدمت لزوجاتهم، وعن طقوس الزواج في زمانهم، وعن تفاصيل الليالي التي شهدت أفراحهم وأحزانهم”.
وأشارت إلى أن أقاربي كانوا يندهشون من اختياري لهذه الفئة تحديدا لأقضي معها الساعات الطويلة، ولم يكونوا يدركون أنني كنت أرتوي من بحر زاخر بالحكمة والخبرة والذاكرة الشعبية، كنت أشعر أنني كلما جلست إلى أحدهم، فإنني أنقذ جزءا من هذا التراث من الضياع”.
وقالت، تعلمت منهم كيف كانوا يتحدثون، وكيف كانوا يفرحون، وكيف كانوا يواجهون الفقد والموت، ففي الصعيد، حتى الحزن له لغته الخاصة، وله طقوسه وفنونه، ولفن /العديد/ أو /العدودة/ مكانة خاصة؛ فهو ليس مجرد بكاء على الراحل، بل نص شعري وإنساني يختلف باختلاف المفقود؛ فهناك العديد للشاب، وللشيخ، وللطفل، ولكل حالة كلماتها الخاصة ونبرتها المختلفة”.
وتابعت،”كما جلست إلى أصحاب الحرف والصناعات التقليدية، إلى صناع الفخار، وصناع الحبال، ومن يعملون في منتجات النخيل المختلفة، وتحدثت معهم عن تفاصيل مهنتهم، وعن الصعوبات التي يواجهونها، وعن معاناتهم اليومية في سبيل الحفاظ على حرف ورثوها أبا عن جد، كنت أعود إلى القاهرة محملة بكنوز لا تقدر بثمن؛ كنوز من الحكايات، والأغاني، والأمثال، والمواقف الإنسانية، وقد حاولت أن أخرج بعضا من هذا الزخم التراثي في أعمال أدبية مختلفة، فكان حاضرا في مجموعتي القصصية /مقشة مرعي/، كما كان حاضرا دائما في جلساتي مع الأصدقاء الذين كانوا يستمعون بدهشة واستغراب، وكأنهم يطلون على عالم بعيد لا يعرفون عنه إلا القليل”.
وقالت “إن من بين كل ما ورثته شفاهة، بقيت الأمثال الشعبية الأقرب إلى قلبي، فقد سمعت من أمي وجدتي وعماتي وخالاتي من الأمثال ما لم أسمعه قط في المدن، أمثال ولدت من رحم الحياة اليومية، وصيغت بلسان البسطاء، وكأنها فصلت خصيصا لتشبه وجوههم السمراء، وتعبر عن معاناتهم وأفراحهم وحكمتهم المتوارثة، ومن هنا جاءت فكرة هذا الكتاب.
وأضافت، “ما سيقرؤه القارئ في صفحات الكتاب ليس محاولة لتسجيل أمثال الماضي فحسب، بل هو محاولة لكتابة حكم جديدة مستلهمة من روح ذلك التراث العريق، وربما يأتي يوم، بعد عشرات السنين أو حتى بعد 100 عام، تصبح فيه بعض هذه الكلمات أمثالا تتناقلها الألسن، أو حكما يجد فيها الناس ما يعينهم على فهم الحياة،
وأيا كان المصير الذي ستؤول إليه هذه الكلمات، فإنني أؤمن أنها ليست نتاج فرد واحد، بل هي ثمرة بيئة خصبة وغنية، مدينة لها بالكثير، إنها ابنة ذلك الجنوب الذي منحني الحكاية، اللغة، والدهشة، وفتح أمامي أبوابا واسعة على عالم من الحكمة الشعبية لا ينضب، ولهذا، فإنني أدين بالفضل لكل أولئك البسطاء الذين جلسوا يوما يروون، ويحكون، وينشدون، دون أن يعلموا أنهم كانوا، في الحقيقة، يكتبون معي هذا الكتاب”.
المصدر : أ ش أ
