حملة مكافحة الفساد تضع الزيدى بين دعم الشارع وضغوط الحلفاء
في وقت تتواصل فيه حملة الحكومة العراقية لملاحقة ملفات الفساد، تتصاعد في المقابل مؤشرات التوتر داخل الإطار التنسيقي، وهو التحالف الذي أوصل رئيس الوزراء علي الزيدي إلى رئاسة الحكومة.
وبينما تحظى الإجراءات الأخيرة بترحيب شعبي واسع، تزداد التساؤلات بشأن قدرة الحكومة على المضي في ملاحقة ما يُعرف بـ”حيتان الفساد”، ومدى استعدادها لتحمل التداعيات السياسية التي قد تترتب على وصول التحقيقات إلى شخصيات نافذة داخل القوى الحاكمة.
و لا شك أن المخاوف من ارتدادات الحملة داخل الإطار التنسيقي حقيقية، باعتبار أن أي اتهامات أو اعتقالات تطال شخصيات تنتمي إلى التحالف الحاكم ستتحول إلى قضية سياسية كبيرة، لأن الإطار هو الجهة التي تدير السلطة، وهو نفسه من رشحّ الزيدي لتولي رئاسة الوزراء.
الخلاف لا يتعلق بمبدأ مكافحة الفساد بل بأسلوب التنفيذ فإن جوهر الإشكالية لا يكمن في مبدأ مكافحة الفساد، وإنما في الكيفية التي نُفذت بها الاعتقالات.
و قد شكلت الإجراءات الأمنية التي رافقت الحملة، بما تضمنته من انتشار للدبابات وإغلاق المنطقة الخضراء واستخدام الآليات العسكرية الثقيلة، حدثا استثنائيا أثار اهتمام الرأي العام.
وقد استقبل الشارع العراقي هذه المشاهد بارتياح كبير، باعتبارها مؤشرا على انطلاق مرحلة جديدة في مواجهة الفساد و لكن اجتماعات الإطار التنسيقي أظهرت وجود رؤية مختلفة تجاه تلك الإجراءات، ما يعكس تباينا في المواقف داخل التحالف الحاكم.
ومن بين الأسباب التي زادت من حساسية الملف تفريغ الهواتف الخلوية للمعتقلين، وهو ما فتح باب التكهنات بشأن احتمال وجود ملفات جديدة قد تقود إلى شخصيات أكبر، مشيرا إلى ما يتردد عن وجود أسماء أخرى قد تكون في طريقها إلى الإجراءات القانونية، معتبرا أن التعامل مع هذا المستوى من القضايا يحتاج إلى قدر كبير من الشجاعة والإقدام.
ورغم النفوذ الذي تتمتع به القوى المستهدفة فأن رئيس الوزراء يمتلك في المقابل عناصر دعم مهمة تمنحه القدرة على مواصلة الحملة.
وجدير بالذكر أن التأييد الشعبي الواسع، معتبرا أن العراقيين ينظرون بإيجابية إلى ملاحقة ملفات الفساد.
و تستند الحكومة إلى الموقف الذي أعلنته المرجعية الدينية عام 2017، عندما أكدت، عقب إعلان النصر على تنظيم داعش، أن محاربة الفساد تمثل تحديا لا يقل خطورة عن مواجهة الإرهاب، وأن هذه المهمة تحتاج إلى رجال يمتلكون الشجاعة والحزم.
تشكل السلطة القضائية، ممثلة بمجلس القضاء الأعلى والمحاكم، أيضا ركيزة مهمة لاستمرار الحملة، فضلا عن الدعم الذي تلقاه رئيس الوزراء أخيرا من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وهو ما يمنحه زخما سياسيا وشعبيا إضافيا.
وفي هذا السياق، نستشهد بالأحداث التي شهدتها المنطقة الخضراء قبل سنوات، عندما استجاب أنصار الصدر لتوجيهاته وغادروا المنطقة خلال فترة قصيرة، ليؤكد بذلك حجم القدرة التي يمتلكها الصدر على تحريك الشارع العراقي، وهو ما يعد عاملا مؤثرا في موازين القوى الحالية.
جدير باذكر أيضا أن الحكومة لم تصل بعد إلى ما يمكن وصفه بـ”الخطوط الحمراء”، وإنما تجاوزت ما سماه “الخطوط الصفراء”، في إشارة إلى أن المواجهة مع شبكات الفساد لم تبلغ بعد أكثر مراحلها حساسية.
ولم يتحقق بعد الوصول إلى المراحل الأصعب من حملة مكافحة الفساد وأن الحكومة لا تزال أمام استحقاقات أكثر تعقيدا إذا أرادت استكمال هذا المسار.
و مما لا شك فيه أن أي توقف في حملة مكافحة الفساد ستكون له كلفة سياسية مرتفعة، مؤكدا أن الحكومة، بعد دخولها هذا الملف، لم يعد بإمكانها التراجع.
فإن رئيس الوزراء دخل بالفعل في مواجهة مع “عش الدبابير”، وبالتالي فإن استمرار الحملة أصبح ضرورة للحفاظ على ثقة العراقيين.
و يمتلك العراق أجهزة أمنية قادرة على مواصلة تنفيذ القانون، داعيا إلى عدم التردد في استكمال الإجراءات بحق جميع المتورطين، كما أن الأموال المنهوبة الموجودة داخل البلاد تمثل موردا يمكن أن يغني العراق عن اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، إذا ما استمرت الدولة في استعادة الأموال وملاحقة ملفات الفساد حتى نهايتها.
المصدر : وكالات
