الشرق الأوسط: الجيش الإسرائيلى يغرق فى مستنقع لبنان
تتصاعد في إسرائيل الانتقادات الموجهة للحكومة والقيادة السياسية على خلفية استمرار العمليات العسكرية في جنوب لبنان، في وقت يحاول الجيش الإسرائيلي تبرير الخسائر المتزايدة في صفوفه عبر تحميل المستوى السياسي مسؤولية فرض قيود على نشاطه العسكري، بينما تتزايد داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الأصوات التي تشكك بجدوى استمرار القتال في ظل غياب هدف إستراتيجي واضح وقابل للتحقيق.
وتأتي هذه السجالات بعد مقتل وإصابة عدد من الجنود الإسرائيليين في مواجهات جنوب لبنان، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة التساؤلات بشأن طبيعة المهمة العسكرية الإسرائيلية هناك، والحدود التي تفرضها الحكومة على تحركات الجيش، وسط مخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تشمل إيران بشكل مباشر.
بحسب تحليلات ومواقف نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، فإن قيادة الجيش ترى أن القوات المنتشرة في جنوب لبنان تعمل ضمن هامش ضيق من الصلاحيات، حيث يُسمح لها بالتعامل مع التهديدات المباشرة فقط، من دون المبادرة إلى عمليات هجومية واسعة ضد أهداف حزب الله.
ويقول مسؤولون عسكريون إن هذا الواقع يقلّص من فعالية التفوق العسكري الإسرائيلي ويجعل الجنود أكثر عرضة للاستهداف، بينما يؤدي استمرار هذه السياسة إلى تآكل قوة الردع الإسرائيلية تدريجيا. وتؤكد تقديرات داخل الجيش أن القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية المتوفرة لا تُستثمر بالكامل بسبب القيود السياسية والعملياتية المفروضة من قبل الحكومة.
وفي هذا السياق، يبرز اتهام غير مباشر لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس بأنهما يفرضان على الجيش سياسة تمنعه من استغلال تفوقه الميداني، الأمر الذي ينعكس سلبا على أمن القوات المنتشرة داخل الأراضي اللبنانية.
وتدور داخل إسرائيل نقاشات حول خيارين رئيسيين: الأول يتمثل في توسيع العمليات العسكرية ومنح الجيش حرية أكبر للتحرك، رغم ما قد يحمله ذلك من مخاطر التدهور إلى حرب إقليمية أوسع وربما مواجهة مباشرة مع إيران في ظل دعم أميركي غير مضمون.
أما الخيار الثاني فيقضي بإعادة انتشار القوات أو الانسحاب إلى خطوط دفاعية أكثر أمنا، وهو ما يخشى قادة سياسيون وعسكريون أن يُفسَّر إقليميا باعتباره اعترافا بالفشل أو تراجعا أمام الضغوط العسكرية.
في المقابل، تربط تحليلات إسرائيلية التطورات الميدانية في لبنان بالمفاوضات والتفاهمات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران. ويرى مراقبون أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تسعى إلى تثبيت تفاهمات أوسع مع طهران تشمل خفض التوتر الإقليمي ووقف احتمالات اندلاع حرب واسعة في الخليج.
ووفقا لهذه التقديرات، فإن ترامب عازم على تطبيق التفاهمات التي يجري التوصل إليها مع إيران، ويخشى أن يؤدي أي تصعيد إسرائيلي في لبنان إلى تقويض هذه المساعي وإفشال المسار الدبلوماسي الذي تعمل عليه واشنطن. وتشير تحليلات إسرائيلية إلى أن الإدارة الأميركية تنظر بقلق إلى احتمال استخدام الجبهة اللبنانية كورقة ضغط سياسية أو عسكرية قد تعرقل الترتيبات الإقليمية الجديدة، ما يفسر الضغوط الأميركية المتزايدة على إسرائيل لاحتواء التصعيد.
المحللون العسكريون في إسرائيل يلفتون إلى أن بقاء القوات داخل مناطق متقدمة في جنوب لبنان لم يحقق النتائج المأمولة حتى الآن، بينما تستمر الخسائر البشرية وتتزايد المخاطر الناتجة عن الطائرات المسيّرة والكمائن والهجمات المضادة.
وتؤكد تقديرات متداولة داخل هيئة الأركان العامة أن الوضع القائم يفتقر إلى هدف إستراتيجي واضح، وأن العديد من العمليات الحالية تقتصر على تثبيت المواقع العسكرية وإحداث دمار واسع في القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني، دون أن ينعكس ذلك على تغيير جوهري في موازين القوى أو في قدرة حزب الله العسكرية.
كما تتهم هذه الأصوات الحكومة بعدم إجراء نقاشات معمقة حول أهداف الحرب وسبل تحقيقها، والاكتفاء بإدارة العمليات اليومية من دون رؤية سياسية أو عسكرية متكاملة.
وتتزامن هذه الانتقادات مع ضغوط سياسية متزايدة على نتنياهو، في ظل تراجع الثقة بأداء الحكومة وتصاعد الجدل حول نتائج الحروب التي خاضتها إسرائيل خلال الفترة الأخيرة. ويرى محللون أن استمرار سقوط الجنود في لبنان، إلى جانب عدم تحقيق إنجازات حاسمة، يضعف الرواية الحكومية بشأن تحقيق «النصر» ويزيد من حدة الخلافات داخل المؤسسة الأمنية والسياسية.
كما تبرز مخاوف من اتساع الفجوة بين تل أبيب وواشنطن إذا قررت الحكومة الإسرائيلية تحدي التوجه الأميركي نحو التهدئة والتفاهمات الإقليمية، وهو ما قد ينعكس مستقبلا على مستوى الدعم السياسي والعسكري الأميركي لإسرائيل.